د. جمال الحمصي: النواميس المهجورة: علم السنن الربانية

 

د. جمال الحمصي

تمكنت الحضارة المعاصرة من خلال معارفها المتراكمة في العلوم الطبيعية من تحديد وتوظيف العديد من القوانين الربانية في العالم الطبيعي والفيزيائي (مثال: قانون الجاذبية والديناميكا الهوائية)، مما وفّر للبشرية ما يديمها ويخدمها من تطبيقات تكنولوجية عملية (مثال: صناعة الطيران والتقنية الرقمية)، لكن كل هذا تم بتعليم من الله عز وجل، الذي “عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” (العلق: 5).

في المقابل، لا تزال البشرية المعاصرة في مرحلة المراهقة في تحديد وتوصيف وتطبيق السنن الربانية العليا في المجتمعات والنظم البشرية والعالَم الاجتماعي. السبب الرئيسي لهذا العجز في الحوكمة العامة ثنائي الطابع: تجاهل البشرية لهداية خالق الكون والإنسان من ناحية، وإخفاق العلوم الاجتماعية التجريبية الغربية في تحديد القوانين الكبرى في حوكمة المجتمعات من ناحية أخرى.

البعض للأسف لا يزال يعتقد بأن المصادفة والعشوائية هو ما يُسيّر الكون المادي والمجتمع البشري وأنه لا غاية نهائية للخالق والخلق. وهنالك أيضاً من يعتقد خطأ بأن بامكان البشر – من خلال العلم التجريبي والعقل المجرّد- التحكم العقلاني في العالم الطبيعي والاجتماعي على حد سواء من خلال التدخلات المركزية و”الهندسة الاجتماعية”.

لكن للخالق مقصد نهائي (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ -المؤمنون، 115)، وهيهات أن تخلق الصدفة أو العشوائية نظاماً محكماً أو أن يُفلح الذكاء البشري المستقل عن هداية الله عز وجل في تحقيق نظاماً سعيداً ومستداماً.

وقد عرّف الفقهاء المعاصرون السنن الالهية في العالَم الاجتماعي عموماً بأنها: “القوانين المطّردة والثابتة التي تشكل الى حد كبير ميكانيكية الحركة الاجتماعية ]أو[ حركة المجتمع وتعين على فهمها” (الغزالي، 2005( أو هي “القوانين التي تحكم نظام العالم ]الاجتماعي[ وفق ارادة الله الخالق باطراد وثبات” (السيسي، 2004).

لكن هذا الكاتب يعرّف السنن الإلهية في العالَم الاجتماعي بصورة أكثر شمولية وتطبيقاً بأنها: “مجموعة القوانين الوجودية، المطّردة والعالمية والمحايدة ومتفاوتة الآجال التي تحكم، على مستوى كلي وعال، نظام البشرية وديناميكيتها وفق مشيئة الخالق عز وجل، وعلى صيغ مطلقة أو شرطية، بغية تحقيق هدفي بقاء البشرية ورخائها، وبما يخدمها في تقصي الدروس التاريخية وفي استشراف المستقبل وآفاقه ومآلاته طويلة المدى وبالتالي تسخير هذه النواميس الحاكمة في بناء الدول والمجتمعات والأمم والحضارات” . إذن علم السنن الربانية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعلم العمران البشري (إبن خلدون مؤسس علم الإجتماع) وبالدراسات الإستراتيجية المستقبلية.

أمثلة هامة على السنن المجتمعية العالمية والمطّردة والمستمدة من القرآن: قوله تعالى في قانون البركة : “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ” (الأعراف: 96)، وقوله تعالى في قانون الجزاء والعقاب: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الروم: 41)، وقانون عقم المكر: “وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ” (فاطر 43) وقانون السعادة والتعاسة البشرية: “وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً” (طه: 124(، وقانون التدافع: “ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ” (البقرة: 251) (لمزيد من التفاصيل: أنظر كتاب “علم القرآن التنموي” للكاتب). وبطبيعة الحال، نحن هنا لا نتحدث عن القوانين التجريبية “الجزئية” والسياقية Contextual، أي تلك المرتبطة ببيئة محددة وزمان ومكان بعينه. فهذا من اختصاص العلوم الاجتماعية التجريبية الحديثة.

وهذه السنن المجتمعية العليا هي ليست جزء من التشريع الأخلاقي أو المعياري، أو التشريع الظرفي المعتمد على المكان والزمان، لكنها بالتأكيد جزء من الهداية الربانية للجميع دون محاباة. وهي وبالتالي مصدر واعد للوحدة والإجماع و(الكلمة السواء) بين البشر بمختلف جماعاتهم وأعراقهم وأصولهم ومعتقداتهم وأديانهم.

فكل ما يحدث في الكون والبشرية، بما فيها وباء كورونا الذكي والتغير المناخي والفساد المتفشي والركود الإقتصادي العالمي والأزمات المالية والأخلاقية، قد جاء بسبب فساد المنظومة البشرية وابتعادها عن الحكمة الإلهية التي اقتضت تدبير هذا الكون من خلال جملة من السنن والقوانين والقواعد التي لا تتبدل ولا تتغير.

وأية هندسة اجتماعية يوتوبية، على أسس علمانية أو دعائم دينية منقوصة، لا تستند أساساً الى السنن والقوانين الربانية العليا في المجتمعات هي مصيرها الإخفاق وعدم الإستدامة، إن عاجلاً أم آجلاً، وهي بالتالي رهان على حصان خاسر لكن بتكاليف ومعاناة بشرية هائلة. لإنها ببساطة تعتمد على أوهام علمية وشعوذة سياسية وليس على بصائر ومعرفة مستقبلية مُحْكَمَة وطويلة الأجل.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

12 تعليقات

  1. علي .سلطنة عمان ..ممتاز لقد استفدت من المقال. واتمنى أن أقرأ مقالات أخرى. سوف أدون إسمك. لكي اتبعك. الرب حافظك

  2. #في_ظلال_القرآن #سيد_قطب
    #الإمام_المجدد_الشهيد_سيد_قطب_رضي_الله_تعالى_عنه

    #واقعنا_المعاصر
    لقد جاءت هذه #العقيدة في صورتها الأخيرة التي جاء بها الإسلام،لتكون قاعدة للحياة البشرية في الأرض من بعدها، ولتكون منهجًا عامًا للبشرية جميعها،ولتقوم الأمة المسلمة بقيادة البشرية في طريق الله وفق هذا المنهج،المنبثق من التصور الكامل الشامل لغاية الوجود كله ولغاية الوجود الإنساني، كما أوضحهما #القرآن_الكريم،المنزل من عند الله. قيادتهما إلى هذا الخير الذي لا خير غيره في #مناهج_الجاهلية جميعًا، ورفعها إلى هذا المستوى الذي لا تبلغه إلا في ظل هذا المنهج، وتمتيعها بهذه النعمة التي لا تعدلها نعمة، والتي تفقد البشرية كل نجاح وكل فلاح حين تحرم منها،ولا يعتدي عليها معتد بأكثر من حرمانها من هذا الخير، والحيلولة بينها وبين ما أراده لها خالقها من الرفعة والنظافة والسعادة والكمال.
    ومن ثم كان من #حق_البشرية أن تبلغ إليها الدعوة إلى هذا المنهج الإلهي الشامل،وألا تقف عقبة أو سلطة في وجه التبليغ بأي حال من الأحوال.

  3. “لأننا نحبهم ونريد لهم الخير”

    “ونحن لا ندعو الناس إلى الإسلام لننال منهم أجراً، ولا نريد علوّاً في الأرض ولا فساداً، ولا نريد شيئاً خاصاً لأنفسنا إطلاقاً، وحسابنا وأجرنا ليس على الناس، إنما نحن ندعو الناس إلى الإسلام لأننا نحبهم ونريد لهم الخير .. مهما آذونا لأن هذه هي طبيعة الداعية إلى الإسلام، وهذه هي دوافعه، ومن ثَمَّ يجب أن يعلموا منا حقيقة الإسلام، وحقيقة التكاليف التي سيطلبها إليهم، في مقابل الخير العميق الذي يحمله لهم .كما يجب أن يعرفوا رأينا في حقيقة ما هم عليه من الجاهلية، إنها الجاهلية وليست في شيء من الإسلام، إنها “الهوى” ما دام أنها ليست هي الشريعة إنها الضلال ما دام أنها ليست هي الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال !!”
    #في_ظلال_القرآن #سيد_قطب #التحفة_الخالدة #معالم_في_الطريق #الحرب_على_الإسلام #واقعنا_المعاصر

  4. #في_ظلال_القرآن #سيد_قطب

    إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يُقبل عليه بهذه الروح: روح المعرفة المنشئة للعمل.إنه لم يجيء ليكون كتاب متاع عقلي،ولا كتاب أدب وفن،ولا كتاب قصة وتاريخ – وإن كان هذا كله من محتوياته – إنما جاء ليكون منهاج حياة. منهاجًا إلهيًّا خالصًا . وكان الله سبحانه يأخذهم بهذا المنهج مفرقًا ، يتلو بعضه بعضًا:{ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً } [ الإسراء: ١٠٦ ]

  5. وبروز #المجرمين في طريق الأنبياء أمر طبيعي.فدعوة الحق إنما تجيء في أوانها لعلاج فساد واقع في الجماعة أو في البشرية.فساد في القلوب،وفساد في النظم،وفساد في الأوضاع.ووراء هذا الفساد يكمن المجرمون،الذين ينشئون الفساد من ناحية،ويستغلونه من ناحية.والذين #تتفق_مشاربهم مع هذا الفساد،#وتتنفس_شهواتهم في جوه الوبيء.الذين يجدون فيه سندا للقيم الزائقة التي يستندون هم في وجودهم إليها ..فطبيعي إذن أن يبرزوا للأنبياء وللدعوات دفاعا عن وجودهم،واستبقاء للجو الذي يملكون أن يتنفسوا فيه.وبعض الحشرات يختنق برائحة الأزهار العبقة،ولا يستطيع الحياة إلا في المقاذر،#وبعض_الديدان يموت في الماء الطاهر الجاري،ولا يستطيع الحياة إلا في المستنقع الآسن.وكذلك المجرمون ..فطبيعي إذن أن يكونوا أعداء لدعوة الحق،يستميتون في كفاحها.وطبيعي أن تنتصر دعوة الحق في النهاية،لأنها تسير مع #خط_الحياة،وتتجه إلى الأفق الكريم الوضيء الذي تتصل فيه باللّه،والذي تبلغ عنده الكمال المقدر لها كما أراد الله( وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً )…في ظلال القرآن لسيد قطب

  6. هكذا تتقدم الامم: ب (إقرإ) و (بالتدافع وأمرهم شورى بينهم) و (بتحقيق العدل والقسط) و (بالاخذ بأسباب التقدم المادي) و (بالتمسك بالاخلاق الاجتماعية).

  7. قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [٣:١٣٧]
    هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ [٣:١٣٨]

    أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [٥٢:٣٥]

    أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ [٥٢:٣٦]

    أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [٥٢:٣٧]

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here