د. جمال الحمصي: الإسلام والديمقراطية: توافق أم تناقض؟

د. جمال الحمصي

رغم أن الديمقراطية الغربية المعاصرة هي مفهوم معاصر خلافي ومتعدد الوجوه ((Dryzek, 2016; Ginsburg and Huq, 2018، فإن الاسلام والديمقراطية (كنقيض للدكتاتورية) هما منسجمان في تحقيق كرامة الانسان وعمارة الأرض بالتي هي أحسن. لكن تبقى الشريعة أوسع وأقل شخصنة وأسبق تاريخياً بنحو 1200 عام. أما الديمقراطية كآلية لاتخاذ القرارات الجماعية، فان الشريعة تضع سقفاً دستورياً لما ترغبه الأغلبية (مثال: الإجهاض والشذوذ).

لنتخيل، ولو لبرهة، اننا نحيا في عصر التقدم الحضاري العربي، وأن فقه الشورى يفوق في الـتأصيل والتطبيق والعمق والإتساع والتنوع فقه الطهارة والإجارة الهام. ولنتخيل أيضاً أن باحثاً شرعياً مخضرماً في الدراسات الحداثية قد قارن بصورة تحليلية معمقة بين الشورى وبين “الحداثة” الغربية، وخلص هذا الباحث الى ان هنالك موانع وإشتراطات عديدة لكي تصل الحداثة الى مستوى الشورى وقيمها المصاحبة (كالتدافع والتناصح والتعاون على البر والتواصي بالحق). هذا ما تصورته بعد اطّلاعي على كتاب:

“الإسلام والديمقراطية: هل يمكن التوفيق بينهما؟”

Islam and Democracy: Can They Be Reconciled?

الكتاب الحديث من تأليف كريستين شيرماخر (2020) الأستاذة الجامعية الألمانية والمتخصصة في الدراسات الإسلامية. وللمؤلفة كتب أخرى حول الإسلام والمجتمع والشريعة، مما يجعلني أتوقع امتلاكها لمعرفة متكاملة وغير متحيزة للإسلام، لكنها خيبت للأسف ظني.

الكتاب ومؤلفه يفترضان ان الإسلام لم يسبق العالم الغربي في مبادئ الشورى والتشاور، بل ينبغي لأصول الشريعة أن تُؤول أو تُجدد أو ربما تُعدّل لترتقي الى “الديمقراطية” الغربية باعتبارها، مع الحرية كقيمة مصاحبة، قمة التطور الغربي.

لكن كيف تدعم المؤلفة موقفها المتشكك من إمكانية التلاقي بين الاسلام من ناحية والديمقراطية (كجوهر وليس كمصطلح مستحدث) من ناحية أخرى؟ انها فعلت ذلك من خلال النظر الى الديمقراطية من زاوية محددة وهي: حقوق الانسان والمرأة والأقليات دون سقوف. لكن النظرية الديمقراطية الغربية تتضمن رؤية منافسة وأكثر واقعية للديمقراطية تركز على كونها آلية لاتخاذ القرارات الجماعية ومنع الفوضى والشلل في الشأن العام من خلال التشريع وقاعدة الأغلبية.

كريستين شيرماخر تتبنى منظوراً محدداً للديمقراطية يركز على حقوق المرأة والأقليات ضمن رؤية متحيزة للعالم. فعلى سبيل المثال: أين حق المرأة الغربية في خيار الزواج والأسرة والإستقرار والإنجاب بعد تفكك الأسرة وإنهيار مؤسسة الزواج هناك؟ أين حقها في عيش طفولتها ضمن اسرة نووية مستقرة وهانئة وليس كطفلة مجهولة النسب؟ أين حقها في غياب عشرات “المنافسات” في  الشارع والسوق والعمل بلا سقف عددي أو ضوابط أخلاقية أو قانونية؟ أين حقها في الحياة ذاتها بعد انتشار وشرعنة الإجهاض بلا حدود؟

وبالطبع، لم تناقش المؤلفة النكسات والإنقلابات الغربية على الديمقراطية خلال النصف الأول من القرن العشرين (النازية والفاشية) وفي مطلع القرن الحادي والعشرين (ترمب ومعظم أوروبا)، حيث أعقب الركود الاقتصادي بروز صارخ للقومية الغربية وسياسات الهوية المتطرفة.

وربما بصورة أكثر أهمية، تنظر المؤلفة الى التاريخ الإسلامي والى الواقع العربي المعاصر وأراء بعض المفكرين العرب، وتجد دعماً واقعياً مغرياً في صعوبة التلاقي بين الإسلام والديمقراطية. لكن هذه ليست منهجية علمية صارمة، والأصل التمييز بين التاريخ والنص وبين الممارسة والأصول، والحفر عميقاً في النصوص والمقاصد المؤسّسة للشورى/ الديمقراطية.

وبهذا الخصوص، هنالك ست أصول لفقه الشورى: أولها سُنّة الهية كبرى وعالية المستوى هي سُنّة التدافع المشترك (الحمصي، 2019). يؤكد قانون التدافع المشترك الحاجة الماسة الى المشاركة والتناصح في السياسات العامة. وبجانب هذا القانون الثابت، تقع آيات وأحاديث الشورى، وسيرة الرسول (مثال: دستور المدينة) واجماع الصحابة والخلفاء الراشدين في مجال ممارساتهم الشورية، وتحقيق العديد من المقاصد العامة القطعية كوحدة الأمة والتعاون على البر، ونبذ الظاهرة الفرعونية، وكذلك مبدأ عصمة الأمة ككل عن الضلالة. وبخصوص التطبيقات العملية والمؤسسات التنفيذية، يؤيد الكاتب نظرة الشنقيطي (2018) بأن “الوحي الاسلامي قدم للبشرية قيماً سياسية .. وترك لهم الاجتهاد في ترجمتها الى مؤسسات واجراءات حسب ظروف الزمان والمكان والإمكان”.

ولا يقولن قائل بأن أثينا قد سبقت الإسلام في تطبيق الشورى. فالبحث التاريخي السحيق يتطلب تقصي ممن أقتبست أثينا (عاشت بالقرن الخامس قبل الميلاد) ممارساتها “الديمقراطية”؟ ربما من مملكة سبأ وممارسات بلقيس الشورية (بالقرن العاشر قبل الميلاد كتقدير) حين قالت: “ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون”.

والشورى الإسلامية تتفوق على الديمقراطية الأثينية. فالأخيرة تسمح لفئة قليلة جداً بالتصويت، وتستبعد الفقراء والعبيد والنساء والأجانب. وهذا المقال يجادل بأن الشورى الإسلامية ليست نخبوية بل تشمل الأمة ككل، المعصومة عن الضلالة، وتستند الى مساحات كبيرة ومتنوعة من السعة والمرونة في التشريع، المذكورة في مقالات سابقة للكاتب.

ويرى هذا المقال في الديمقراطية وسيلة استراتيجية لترويض الطغيان وصنع سياسة عامة أفضل. وبهذا الشأن، يعتقد Mayo (1970) ان الديمقراطية، على عكس الليبرالية، هي ليست أيديولوجيا، تُعنى مثلاً بالغاية من الحكومة والمجتمع أو بالحياة الطيبة.

بتعبير آخر، الديمقراطية ليست بالضرورة ديناً علمانياً ما لم تشرع ما حرّم الله عز وجل. نعم الديمقراطية آلية حرجة ولا غنى عنها لمكافحة الظلم والفساد والإستبداد، وهي بضاعتنا رُدّت الينا.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

9 تعليقات

  1. أستاذ/ د. جمال .. : شكراً على ردك .. أفحمني لأني لم أتوقعه !
    أظن (وأكاد أجزم) أن ديننا ليس بحاجه ل “عملية تجميل” .. لا حاجة للإدعاء بأنه “كان سباقاً بكل شيئ” .. فهو اكرمنا به نبينا بشكل كامل .. ما حصل من تطور (أو تأخر) قبل نبينا لا نهنئ ولا نعاتب نبينا/ديننا عليه .. فقد حصل “قبل” قدومه !!! للأسف ، هناك العديد من الذين ينسبون لديننا ما لا علاقة له به . فلندع جانباً “الديمقراطيه” و “الإشتراكيه” و “حقوق الإنسان” .. الخ .. لا حاجه لعمليات تجميل .. فهو دين أجمل من جميل !! المثل الشامي يقول : “تغداه قبل ما يتعشاك” .. فأنا “أتغداك” مذكراً أن “حقوق الإنسان” تختلف عن “حقوق المؤمن” في الإسلام !

  2. ألديمقراطية هي تراث إنساني عابر للحضارات والثقافات.

  3. العلمانيون العرب و المنتسبون للمسلمين ، عاجزون عن التفكير او معطلون لعقولهم. فهم لايفكرون ولا يبدعون مثل الفلاسفة و المفكرين الغربيين منذ عصر اليونان، ولا ينتقدون انتجاهم و كأن هؤلاء الغربيون لا يخطؤون.هم مجرد مبهورون بذلك الانتاج، يعتبرونه دائما حقيقة مطلقة يجب اتباعها. و هذا ما حصل للمعتزلة و المتكلمين مع فلسفة اليونان بالرغم من كونهم اسلاميين، إذ حاولوا التوفيق بينها و بين الشريعة و نصوصها. ولما أنتج الغربيون نظرية الاشتراكية في العصر الحديث، حاول العلمانيون اليساريون و حتى بعض الاخوان المسلمين كالشيخ محمد الغزالي التوفيق بينها و الاسلام. ولما نبذها الغربيون و تبنوا كلهم الديمقراطية، صار العلمانيون العرب من عبدتها الداعين إليها بحماس اكبر من حماس الغربيين، ثم تبعهم الاسلاميون في محاولاتهم اليائسة في التوفيق بين الديمقراطية الغربية والإسلام و شوراه. وانا متاكد انه لو نبذ الغربيون الديمقراطية، و انتجوا بديلا احسن منها، لاتبعهم علمانيو العرب في الدعوة اليه بحماس والاسلاميون بمحاولة التوفيق بينه و بين الاسلام. هلا يفيقوا من فشلهم و عجزهم و تعطيلهم لعقولهم و ينتجون مثل الغربيين؟

  4. اتفق السيد “علماني” والسيد كاتب المقال على ضرورة واهمية الديمقراطية او الشورى (سمها ما شئت فلا مشاحة في المصطلح ) بغض النظر عن التفاصيل المملة احيانا. اليس كذلك؟ والشريعة لا تتجاهل مساهمة العقل في ما لا نص فيه، وفي تفسير وتأويل الظنيات وفي تطبيق القطعيات وفي الوسائل المفضية الى مقاصد ونصوص الشرع.

  5. السيد حسان: شكرا على تعليقك المحدد وسأحاول في تعقيبي ان ابتعد عن اللغويات والشكليات. المقصود في فقرتي التي تنقلها هو العالم الغربي المعاصر (نهاية التاريخ! ) وليس اثينا القديمة. اما العودة الى عصور ما قبل الميلاد فإشكالي وغير مثمر كثيرا. وقد نوهت في المقال: “ولا يقولن قائل بأن أثينا قد سبقت الإسلام في تطبيق الشورى. فالبحث التاريخي السحيق يتطلب تقصي ممن أقتبست أثينا (عاشت بالقرن الخامس قبل الميلاد) ممارساتها “الديمقراطية”؟ ربما من مملكة سبأ وممارسات بلقيس الشورية (بالقرن العاشر قبل الميلاد كتقدير) حين قالت: “ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون”(انتهى الاقتباس). اذن المنطق الشوري يبدو مبدأ انسانيا عابر للحضارات والثقافات، والمهم برأيي ان الاسلام فعلا قد سبق الديمقراطية المعاصرة او نهاية التاريخ ب 1200 عام.

  6. هذا المقال ماهو إلا إمعانا في الإنكار من قبل المسلمين الأزلي ومباهاتهم بسمات وخصائص لم توجد في تاريخهم ولن توجد مطلقا “الشورى-الديموقراطية”
    عن أي ديموقراطية يتحدث الكاتب والنظام السياسي الإسلامي استند ويستند على حكم الفرد المطلق ” الخليفة أمير المؤمنين” وما تبع ذلك من حروب ودماء بين المسلمين أنفسهم ومتى كان هنالك “شورى ” عند المسلمين وهم يتبعون “أطيعو ……….وولي الأمر”.
    أما القول بان الأغريق قد أقتبسوا الديموقراطية عن ملكة سبأ!!!!!!! فهو قول مضحك وما مصلحة شورى المسلمين في ذلك ….أوكانت ملكة سبأ مسلمة؟؟؟؟
    ثم يأخي الديموقراطية هي أحد فعاليات العقل(وكما تشير إلى ذلك جنابكم بمصطلح التدافع والتناقش) فكيف يمكن للديموقراطية ان تتحقق في ظل “النقل لا العقل” وفي ظل “من تمنطق فقد تزندق”.
    جميع أمم العالم أفادت من العقل الإغريقي والحضارة الإغريقية الموغلة في القدم وقبلها البابلية والسومرية والآشورية وأرتقت وأذدهرت …إلا المسلمين هم “نيقة عن الخليقة”

  7. أول ديمقراطية في العالم وضعت حوالي القرن الخامس قبل الميلاد في أثينا اليونانية. هو نظام ديمقراطية مباشرة حيث يقوم المواطنون على التصويت المباشر على التشريعات التنفيذية والقوانين. تتألف كلمة الديموقراطية «δημοκρατία» من (ديمو) «δῆμος» التي تعني «الشعب»، و(قراطس) «κράτος» التي تعني «القوة» أو «السلطة».
    فعندما تكتب اعلاه : “الكتاب ومؤلفه يفترضان أن الإسلام لم يسبق العالم الغربي في مبادئ الشورى والتشاور” .. فالرد أنها محقه ، وأنت على خطأ .. (5 قرون قبل الميلاد + 6 قرون بعده = 11 قرنا ً قبل الإسلام)
    “رأينا صواب يحتمل الخطأ —– ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب” – الشافعي
    إنها الغطرسة . العالم إما راكع للفقهاء ، أو يجب أن يركع .. !

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here