د. جلال جراغي: خفايا الجولة الإقليمية الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي ومحاولاته الرامية إلى معاداة إيران

د. جلال جراغي

قام وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، أحد أضلاع المثلث المضاد لإيران في حكومة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى جانب مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، وكبير مستشاري الرئيس الأمريكي وصهره، جاريد كوشنر، بجولته الأخيرة المثيرة للجدل إلى منطقة الشرق الأوسط، وطبعاً بالتماشي مع رغباتهما ضد إيران وفي إطار مهمة خاصة شملت ثماني بلدان عربية. وكان نقطة ارتكاز مواقفه وتصريحاته التي أدلى بها خلال هذه الجولة، قضيتين إثنتين، فأما الأولى فهي محاولته لتجديد الدعم الأمريكي لحلفائها الإقليمية وفأما الثانية فهي كانت بشأن إيران وتهديداتها المزعومة والموهومة ضد السلام والاستقرار في المنطقة!

وجدد بومبيو خلال مشواره الإقليمي نفس توجهاته السابقة حيال إيران وتوجيه تهم ضدها سبق أن وجهها في أكثر من مناسبة، منها خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي في 12 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، معتبراً إيران وهي دولة مسلمة وحريصة على الأمن الإقليمي، من جهة، مصدر قلق للشعوب العربية والمسلمة ومن جهة أخرى، موحياً بأن الولايات المتحدة هي الداعم الرئيس للحكومات العربية وذلك بهدف طمأنة حلفائها الإقليمية بأن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا لن يؤدي إلى تخفيف الدعم الأمريكي لهذه الحكومات وعلى هذا، فإن بومبيو كان هدفه الأول استبدال قوة الخير في المنطقة المتمثلة بإيران بقوة الشر المتجسدة في أمريكا لدى الشعوب العربية وهذا ما يفسر إصراره على إعطاء هذا الانطباع في إطار جهوده الجبارة في كل من الدول العربية الثماني. وفي هذا الإطار وحسب التحليل السيميائي الذي يشير إلى أن كل فعل يستدعي رد فعل يناسب الفعل نفسه، فنبرة الغاضبة في تصريحات وزير الخارجية الأمريكي المعادية لإيران، كانت مؤشراً على حقيقة كامنة أصبحت مصدر قلق للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة وها هي نجاح محور المقاومة بقيادة إيران ضد مخططات أمريكية. وفي السياق ذاته، فإن الغضب الأخير للمسؤولين الإسرائيليين المتجسد في تصريحاتهم العدوانية تجاه إيران وحضورها الاستشاري في سوريا كان هو الآخر، مؤشراً على هذه الحقيقة المرة بالنسبة لهم وحلفائهم على المستويين الإقليمي والدولي.

والهدف الثاني الكامن وراء جولة بومبيو الإقليمية ينطوي على تجسيد وترويج إسرائيل کقوة خير تابعة لأمريكا في المنطقة وإعطاء هذه القراءة بأنها صديق حقيقي للحكومات العربية في المنطقة وبإمكانها أن تساعد هذه الحكومات أمام إيران، ومن هذا المنطلق، فقد حاول وزير الخارجية الأمريكي جاهداً التسويق لفكرة العدو الوهمي لإيران وكأنها العدو اللدود لهذه الحكومات ومصدر قلق للمنطقة برمتها والسبب الرئيس لعدم الاستقرار والأمن فيها. ولا شك أن بومبيو قام بهذا الدور من منطلق «إيران فوبيا» (معاداة إيران) وبهدف إثارة الذعر والخوف لدى الدول العربية وإظهار إيران في مظهر مصدر تهديد لأمن المنطقة واستقرارها، حتي يتم التبرير أو بالأحرى، التستر على جرائم يرتكبها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني واحتلاله الأراضي العربية ومواصلة اعتداءاته السافرة والوقحة ضد سلامة أراضي بلدان عربية، وذلك في نهاية المطاف، لتحقيق مآرب حكومة دونالد ترامب في إبتزار هذه الدول من خلال إبرام المزيد من الاتفاقيات النفطية والعسكرية والاقتصادية والتجارية لتوفير ما تحتاج إليه الولايات المتحدة في تنفيذ أجنداتها على المستويين الأقليمي والدولي وكذلك على المستوي الداخلي الأمريكي بما فيها الانتخابات الرئاسية المقبلة على حساب الشعوب المضطهدة في منطقة الشرق الأوسط. وعلى هذا، فقد اختار بومبيو مدينة قاهرة، مدينة ذات دلالات رمزية بالنسبة للعالم الإسلامي، أسوة بالرئيس الأمريكي السابق، باراك اوباما وخطابه التاريخي في الرابع من يونيو/حزيران 2009 إلى العالم الإسلامي، محاولاً إظهار عدو وهمي (إيران) بمظهر العدو الحقيقي للمسلمين وبهدف وضع الحجر الإساس لإعلان الـ «ناتو» السني لمواجهة إيران.

والهدف الثالث الذي كان يحاول بومبيو لتحقيقه خلال جولته الأخيرة كان متمثلاً في محاولاته لتجميل صورة الولايات المتحدة المشوهة وتحسين مكانتها لدى الشعوب وكذلك الحكومات العربية، مكانة تزعزعت على خلفية التطورات الأخيرة على المستوى الإقليمي بدءاً من قيام واشنطن باعتراف قدس عاصمة للكيان الصهيوني ومروراً بمواقفها إزاء قضية مقتل الصحفي السعودي المنتقد جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في مدينة اسطنبول تشرين الأول/ أكتوبر الماضي ووصولاً إلى القرار المفاجي للرئيس الأمريكي في سحب القوات الأمريكية من سوريا، وفي اتجاه آخر، فقد أظهرت هذه التطورات واشنطن عند حلفائها كحليف غيرموثوق به في ظل رئاسة دونالد ترامب. وبناء على هذا، فإن حلفائها اتجهوا نحو التقارب مع روسيا وتركيا على حساب الولايات المتحدة ظناً منهم أن الولايات المتحدة قلبت لهم ظهر المجن، فللتصدي لهذا الاتجاه ولتدارك مواقف ترامب المتهورة حيال المنطقة، فقد هرول بومبيو غاضباً إلى منطقة الشرق الأوسط جاهداً على تشويه سمعة محور المقاومة وبالتحديد إيران من خلال كيل التهم جزافاً ضدها وبالحديث عن نفوذها في المنطقة تارةً وضرورة حصارها وإرغامها لتغيير تصرفاتها الإقليمية تارةً أخرى، وفي الوقت نفسه، فقد بذل جهوداً حثيثة للإيحاء بأن واشنطن كانت ولاتزال حليفة استراتيجية وجديرة بالثقة لدول المنطقة ومتضامنة معها ضد سياسات إيران، ورغم قرارها سحب قواتها من سوريه، فإنها ستلعب دور «الكلب الحراسة» في الدفاع عن حلفائها في المنطقة. وانطلاقاً من هذا، فإن التوجه الأخير للحكومات العربية الحليفة لأمريكا لاستئناف علاقتها مع الحكومة السورية ومن ثم الإعلان عن استعدادها للمشاركة في إعادة إعمار هذا البلد المنكوب بفعل ممارسات هذه الحكومات، تم بعد الضوء الأخضر الأمريكي وبهدف الحيلولة دون انجرار سوريا نحو روسيا وتركيا، لأن حسب رأي معظم الحكومات العربية الخليجية، تعتبر أنقرة عراب جماعة «الإخوان المسلمين» ولديها عداء سياسي وايديولوجي مع المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة. وهذا ما يفسر الرفض الأخير للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لقاء مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، في أنقرة بشكل مهين وهجومه بشراسة غير مسبوقة ضد الولايات المتحدة إدراكاً منه (اردوغان) خفايا هذه السيناريوهات الأمريكية المشئومة.

وكان الهدف الآخر وراء هرولة هذه الدول لاستئناف علاقاتها مع سوريا هو توفير أرضية من شأنها تزعزع التحالف بين إيران وسوريا وذلك لتحقيق هدف لم يحقق من خلال الحرب على مدى السنوات السبع الماضية ضد سوريا وحلفائها، وبزعمهم، هذا الهدف لن يتحقق إلا بعد قطع الارتباط بين حزب الله وحلفائها بما فيها ايران وعزلهما عن محيطهما الإقليمي، وبعد هذا كله، سيتحقق توفير الأمن والاستقرار لإسرائيل والتصدي لسياسات تركيا التوسعية في المنطقة وسيوفر التبرير اللازم لتنفيذ سياسة الأنظمة العربية المتمثلة في تطبيع علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي في إطار خطة السلام الأمريكية المسماة بـــ«صفقة القرن».

صحفي وباحث إيراني

Jalal.cheraghi@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here