د. تدمري عبد الوهاب: مشروع صفقة القرن.. أو المنتوج الاخير للتفاهة الامريكية

د. تدمري عبد الوهاب

من خلال ما تشهده القضية الفلسطينية من مستجدات أنية تمثلت في ما قدمه الرئيس الأمريكي  بطريقة احتفالية لرئيس الكيان الصهيوني لما سمي بصفقة القرن. وهي  المستجدات التي تشكل في اعتقادي  نقطة تحول مهمة  في تاريخ هذه القضية   منذ هزيمة 1948. ومن خلال ما واكب الاعلان عن الصفقة من  تحاليل،  تنكب في مجملها على الاسباب الكامنة وراء الاعلان عنها في هذه اللحظة ، وعلاقة ذلك  بالانتخابات في كلى البلدين ،وبالوضع  العربي المهترئ الذي يبدو انه  لم يشفى بعد من الهزيمة التي لا زالت أسبابها تغذي العقل  الرسمي السياسي لغالبية الدول الخليجية  والعربية ، رغم  ما أبدته ولا زالت تبديه بعض دول وشعوب المنطقة من ممانعة ومقاومة للتحالف الأمريكي الصهيوني  ولمشاريعما التقسيمية التي تروم أساسا الى انهاء القضية الفلسطينية ،عبر مباركة امريكا لخطوات الضم  التي تمارسها اسراىيل لاراضي ما قبل وبعد سنة 1967 .وذلك  في أعلان صريح  لنهاية اتفاقات أوسلو القاضية  بحل الدولتين .

 وفي نفس الأن ترسيخ مسار أقتلاع القضية الفلسطينية من وجدان الوعي الجمعي لشعوب المنطقة  ، عبر اختراقها  للانظمة السياسية للكثير من الدول العربية خاصة الخليجية منها .والدخول معها في عملية تطبيع شاملة  في مقابل  توجيه بوصلة الصراع في اتجاه ايران الفارسية، بدل الكيان الاسرائيلي الغاصب لحقوق الشعب الفلسطيني .او حتى من خلال ما يمكن ان يذهب   الىه البحث   في  ما يخص تداعيات هذا المخطط  بما يشكله من مخاطر على فلسطين ارضا شعبا ، لاجئين ومقيمين ، سلطة و مقاومة .

كل ما أود قوله في قضية فلسطين كقضية شعب محتل من طرف نظام الفصل العنصري ،بتواطئ من المنتظم الدولي ومن ممالك وامارات  دول الخليج  ،حتى قبل الأعلان عن تأسيس ما سمي بدولة اسرائيل   .هو ان ما تم طرحه الأن من مشروع سمي بصفقة القرن ، اود قرائته من زاوية اخرى  تلامس  ثلاثة عناصر أساسية:

1/ ان المشروع الحالي ليس وليد اللحظة   ، بل هو تتويج  لمسار من المؤامرات انطلقت مع وعد بلفور وتكرست في القرار الأممي 181 القاضي بتقسيم فلسطين الى دولة يهودية ودولة فلسطينية . وما تلى هذا القرار من شرعنة لكل اشكال العنف المسلح  ضد الفلسطينيين ، وتهجيرهم  من اراضيهم. وقد وتوج هذا المسار من المؤامرات بهزيمة الجيوش العربية سنة  ،1948  التي ثبتت الوجود الأسرائيلي ، و ابانت تفوقها  على العرب “مجتمعين” .وكأن لسان حال بعضهم يقول، علينا ان نرضى بالهزيمة ونقبل التقسيم. كما ان توقفي عند هذه المحطة ليس للتذكير بالهزيمة  ،ولا لاني تغافلت  هزيمة 67  ،ولا بعض الانتصارات الجزئية لبعض الجيوش العربية  على اسرائيل .بل فقط للتاكيد  على كون هذا المشروع جاء تتويجا ليس فقط للهزائم العسكرية بل لهزيمة  الانظمة الرسمية العربية ،  التي وجدت نفسها بين مطرقة شعوبها  بما تشكله  القضية الفلسطينية من حظور في الوجدان الشعبي، وسندان الخيانة بحكم تبعية هذه الانظمة  لامريكا الحليف اااستراتيجي لاسراىيل. و ما يجعل المرء يشك في مدى صحة هذا العجز المفضي للهزائم المتتالية هو قدرة هذه الانظمة على حشد مواردهم المالية والعسكرية، و الاعلامية ،وما بختزنونه من فتاوي الجهاد والتكفير  من اجل   احداث هذا الكم الهاىل من الخراب في من يعتبرونهم  أشقاء لهم في العروبة والدين ،وما بالك باسرائيل  لو توفرت لديهم ارادة التحرير  والانتصار. لكن يبدو ان  الخيانة  افة عابىرة للاعراق  والاديان كما  المفاومة والممانعة قيمة متاصلة في الانسان.

اذن فالمشروع الحالي هو تتويج لمسار طويل من الممارسات الخيانية الممنهجة ممن سوقوا لشعوبهم انهم مدافعون على القدس وعلى فلسطين ، وبعد ان مارسوا كل الضغوط  المادية والمعنوية باسم الاخوة على الفلسطينيين ،من اجل تقديم تنازلات تلوى الاخرى تقر ضمنيا بقبول الهزيمة كامر واقع يرضى به الفلسطينيون،  ليشكل مقدمة  للتطببع الرسمي  والعلاني لهذه الانظمة  مع الكيان الصهيوني، كدولة  قوية ضرورية لحماية امن الشرق الاوسط  من تهديدات ايران و المتحالفين معها في المنطقة.

اذن فاهمية ما سمي بصفقة القرن لا تكمن في تفاصيلها المرفوضة فلسطينيا  ،و الغير القابلة للتطبيق .بل في تعريتها لزيف الخطاب السياسي للكثير من الانظمة العربية ،التي تعرت مواقفها بعد ان دفع بها القائمون على هذا المشروع ،الى  الواجهة ،ولم يبقى لها مجال للمناورة   اوالتدليس .و بالتالي اتضحت الصورة لمن كان لا يزال يؤمن من القيادات الفلسطينية بالتضامن العربي خاصة الخليجي .

ان ما سمي بصفقة القرن اذن ،لم تكشف فقط النوايا الحقيقية للادارة الامريكية من جميع الاتفاقيات السابقة  ذات الصلة بفلسطين ، التي كانت في نظري مجرد  مقدمات تراكمية لما اعلن عنه الأن .بل كشفت كذلك زيف الخطاب الرسمي العربي من القضية الفلسطينية وحجم المؤامرة التي كانت تحيكها ،من خلف ما كانت تسوقه لشعوبها كون القدس عربية اسلامية ،وفلسطين  قضيتها  المركزية .

2/  يمكن القول كذلك ان    الاعلان عن هذا المشروع  بشكل انفرادي من طرف امريكا  واسرائيل، خارج المؤسسات الاممية الدولية التي كانت دوما  الاطار الملائم  لحل النزاعات الدولية ،و لاستصدار  جميع القرارات ذات الصلة بالقضية الفلسطينية لم يكن اعتباطيا. بل هو تتويج لمسار طويل من  العربدة الامريكية  على جميع القوانين الدولية ،خاصة بعد انهيار جدار برلين وما استتبعه من هيمنة مطلقة على العالم.لكن ما زاد من  تغول قادة هذه الاخيرة  ،الى حد التهور هو رفضهم استيعاب التحولات التي بدأ يشهدها  العالم في السنوات الاخيرة  . وان  ما كانت تمرره  من قرارات عبر هذه المؤسسات،  لم يعد متاحا بعد ان  تمكنت قوى دولية صاعدة   منافسة لها من  فرض وجودها  وسد الطريق عليها ،في اشارة واضحة للتغيرات التي تشهدها موازين القوى العالمية التي تتجه بخطى ثابتتة نحو التعددية القطبية .

ان الاعلان عن عن ما سمي بصفقة القرن بهذه الطريقة  ،وبهذا المضمون ،ينم اذن عن النوايا الامريكية الحقيقية من القضية الفلسطينية وعن مدى متانة علاقتها العضوية بالكيان الاسرائيلي المحتل  ،.كما انه في نفس الان يبين عن مدى غباوة الادارة الامريكية ، وعن مدى استهتارها بالقانون الدولي وبمؤسساته الاممية ، مما جعل هذا المشروع   فاقدا للمشروعية الدولية ، بعد ان تحفظت عليه الكثير من الدول المؤثرة في العالم  ، خاصة وانه  ضرب بعرض الحائط جميع القرارات الاممية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية. وابان عن الوجه الحقيقي لامريكا كدولة مارقة، لا تفي  بالتزاماتها  الدولية ،سواء ما تعلق منها بفلسطين او بباقي الاتفاقيات الاخرى كاتفاق 5+ 1مع ايران واتفاقية   كيوتو الخ…  وان المشروع في حد ذاته   يعكس حالة  العزلة التي بدأت تشهدها  امريكا عبر العالم ،التي   لم تعد قادرة على  حشد تلك التحالفات الدولية من اجل اعمال قراراتها  كما كان الشان مع  قرار غزو العراق.

ان ما وصلت اليه الولايات المتحدة الامريكية  من خلال تقديمها لهذا المشروع ،بحظور مهندسي التفاهة من اليمين المحافظ  في الادارتين الامريكية والاسراىياية وفي غياب ممثلين عن دول العالم ، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك  ان هذه الاخيرة وبأدارتها الحالية ستزيد الرفع من منسوب كراهية الشعوب لها ،وستزيد من عزلتها  واضعافها، في مقابل النمو المضطرد لقوى اقليمية وعالمية جديدة، اكثر اتزانا ومصداقية في علاقاتهم الدولبة .

3/  اذا كان  ما سوقت له امريكا  كانجاز تاريخي  لها  في الشرق الاوسط  يعكس  حالة العزلة الدولية  والضياع    الذي تعيشه هذه الاخيرة  لعجز استيعاب ادارتها المستجدات المتلاحقة في موازين القوى العالمية ، ولحقيقة ان  دفاع الشعوب عن حقوقها المشروعة  ،حق تضمنه  جميع التشريعات الدولية  و لا يسقط  بالتقادم  ولا بالصفقات ولا بالمؤامرات  ، وان النصر دائما حليف اصحاب الحق، حتى وان  بدى بعيد  المنال. .فان ما تم  الترحيب به اسرائيليا  كانجاز لا يعدو ان يكون ألا قننبلة موقوتة سيطال انفجارها البنية الداخلية للكيان المحتل  ،الذي سيجد نفسه امام واقع ديموغرافي   مناهض   ومقاوم  .كما  سيعمل  هذا المشروع على خلق الشروط الموضوعية لوحدة  صف الفصائل الفلسطينية  ،بعد ان كانت مشتتة تتلاطمها امواج  المقاومة  تارة  والاستسلام للامر الواقع   تحت مبررات البحث على الحلول السياسية والسلمية تارة اخرى .كما  ان هذا المشروع  سيدفع  بالفصائل الفلسطينية والشعب الفلسطيني عامة ،بالداخل ودول اللجوء ،لان   يحدد اختياراته بشكل صريح من ما يخترق المنطقة من محاور تتجاوز الانتماءات العرقية والدينية  والمذهبية ..وبما أن لا خيار عن المقاومة لاسترجاع الحقوق المغتصبة ،  فالاختيار سينصب موضوعيا في اتجاه محور التصدي والممانعة .و من خلال هذا المشروع  يكون الرئيس ترامب قد قدم  اكبر خدمة    لمحور  للمقاومة . وهي الخدمة التي   تعلو بكثير على  ما قدمه   لنتنياهو ، في حفل  هزيل حضره صناع التفاهة الامريكية ، بالاضافة  لبعض سفراء الدول العربية الشقيقة لأسراىيل.

خلاصة القول ان “مشروع صفقة القرن ‘  الذي اعتبر انجازا  من طرف اليمين المحافظ في الولايات المتحدة الامريكية ،وهدية  من ترامب  للكيان الصهيوني الغاصب لحقوق الشعب الفلسطيني ، هو في الحقيقة هدية مسمومة قاتلة ستعمل على تدمير اسرائيل  من الداخل .اذ ستجد نفسها كقوة احتلال  في مواجهة مباشرة مع  الشعب الفلسطيني، بعد ان  كانت تحتمي خلف مخرجات   اتفاقية اوسلو التي عمل هذا المشروع على وئدها  نهائيا ولم يترك اي مجال للمناورة لمن يعتقد بالحل السلمي والمفاوضات سبيلا اوحدا لاسترجاع الحقوق المغتصبة  . كما ان الوضع الحالي سيعجل من وحدة  الفصائل الفلسطينية المتصارعة على اساس برنامج وطني فلسطيني يجمع بين العمل السياسي والديبلوماسي والمقاومة الشعبية والمسلحة ،وذلك تجسيدا  لمضمون مقولة الشهيد ابو عمار في الامم المتحدة :لا تجعلوا غصن الزيتون يسقط من يدى، فالأخرى على الزناد  .

طنجة

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here