د. تدمري عبد الوهاب: شمال افريقيا والشرق الاوسط : الولادة الجديدة للمنطقة والعالم.. سياقات منهجية

 

 

د. تدمري عبد الوهاب

عندما قررت ان اقوم بمساهمتي المتواضعة هاته في تحليل مجريات الاحداث بمنطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط كمنطقة تجمع بين شعوبها خصوصيات جغرافية وتاريخية وثقافية وروحية مشتركة رغم ما تعرفه من تعدد عراقي وديني ومذهبي،  فضلت تناول الموضوع ليس من خلال ما يكثفه من أعمال عسكرية عدائية ضد شعوب المنطقة بصفة عامة وبعض كياناتها السياسية المصنفة “مارقة ” من طرف امريكا تتناولها بالتفصيل الممل جميع القنوات الاعلامية الدولية

 بل من خلال المعطى الاساسي،  المغيب في التعاطي الاعلامي الموضوعي،  الذي يتمثل في ما تشهده شعوب المنطقة من حراك شعبي تواق للحرية والدموقراطية والعدالة الاجتماعية،  والذي لم تشهد له المنطقة مثيلا في قوته وامتادادته وديمومته، رغم تفاوت زخمه من دولة لاخرى ورغم الطابع الدموي الذي اتسم به في بعض الدول والمجتمعات.

ان تناولي للموضوع من هذا الجانب،  هو بالنسبة لي امتثال لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها الاقتصادي والسيلسي والاجتماعي، وفي نفس الان ايمانا مني بقدرة هذه الشعوب على صناعة مستقبلها الامن،  وصيانة قرارها السياسي،  وفي نفس الان ضحض لنظرية المؤامرة التي تحصر اسباب ما يجري من احداث في المنطقة في مجرد مؤامراة خارجية حطبها الفىاة المهمشة من هذه المجتمعات تارة و الصراع السني الشيعي تارة اخرى. بهدف خلق حالة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في هذه البلدان،  وهي بذلك كمن يريد ان يحيد شعوب المنطقة من معادلة الصراع التي في نظري تشكل عامل الحسم الأساسي وعليها يعتمد مستقبل المنطقة في الحرب وفي السلم .

كما اني ومن خلال هذه المقاربة لا الغي من تحليلي وجود مثل هذه التدخلات،  خاصة مع ما تعرفه المنطقة من تقاطبات أقليمية ودولية تؤشر على ولادة عالم جديد متعدد الاقطاب . الا ان هذه التدخلات كذلك لا يمكن ان تكون محددا اساسيا لارادة ومصير الشعوب المنتفضة ضد الهيمنة والقهر والاستبداد .وان هذه الشعوب بانتفاضاتها وحراكاتها الشعبية ومقاوماتها التي تثبت انها لا زالت تختزن الكثير من مقومات المناعة ضد الهينة والاستبداد رغم ما مورس عليها من أستيلاب هوياتي ثقافي وروحي .وأنها تعبر عن حاجة موضوعية قاىمة على مناهضتها لواقع مأساوي تغيب فيه الكرامة الأنسانية والحرية والدموقراطية .وهو الواقع الذي ساهمت في خلقه تلك الانظمة السياسية المحلية الفاسدة والمستبدة. وهي بذلك من شرعت الأبواب للتدخلات الخارجية من أجل الاستثمار قدر الامكان في ما تشهده المنطقة من أحداث سياسية وتوترات اجتماعية وما تصبو اليه شعزب المنطقة من مطالب مشروعة ومحقة .

اذن ومن خلال هذه المنهجية يمكن القول ان ما تشهده المنطقة من غليان اجتماعي واحتقان سياسي نتيجة الاسباب الموضوعية التي سبق ذكرها يصيب في المقتل الانظمة السياسية المستبدة والفاسدة،  و هو من فرض على القوى الخارجية وعلى راسها الولايات المتحدة الامريكية التي اعتبرت المنطقة لعقود من الزمن مجال نفوذ حصري لها،  الرفع من منسوب تدخلاتها المتعدد الأشكال والأليات،  كون ما يجري من مخاض اجتماعي وسياسي ممانع في المنطقة وما تعبر عنه شعوبها من مطالب مشروعة تقع بالضرورة على نقيض المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية كمتزعمة للنظام الرأسمالي اللبيرالي في طبعته المتوحشة.

 الحراك الشعبي بين مشروعية المطالب ونظرية المؤامرة.

استمرارا في نفس المنهجية التي تنطلق من المحلي الى الكوني يمكن القول اذن ان ما تشهده شعوب المنطقة من اهتزازات اجتماعية وسياسية عنيفة تارة وسلمية تارة أخرى ومن حراكات شعبية منفلتة عن الدول والأحزاب. حراكات مناهضة لكل أشكال الاستبداد والفساد رغم بعض الانحرافات التي تشوبها،  وذلك بعد أن شاخت التنظيمات الحزبية الدموقراطية والحداثبة،  وففدت قدرتها على تجديد نخبها السياسية بعد ان تعرض بعضها لكل اشكال القمع والحصار، والبعض الأخر استانس الريع ونظام الامتيازات التي تغدقها الانظمة السياسية على الفاعلين السياسيين والنخب الفكرية والثقافية حتى فرغت الساحات السياسية من المعارضات الجادة. و أصبح ما تبقى منها يساهم بدوره في أعادة أنتاج دورة الحياة للانظمة السياسية الفسادة .

بالتالي فأن بروز هذا الشكل من الحركات الاحتجاجية المنفلتة عن الجميع،  لا يسقط عنها مشروعيتها الشعبية، بل انها ومن خلال ما تراكمه ميدانيا وما تعبر عنه من مطالب محقة تضحض ما دأبت على تصنيفه انظمة الحكم في المنطقة ضمن نظرية المؤامرة .

 كما يمكن القول انها بقدر ماهي استجابة موضوعية لحالة الاحتقان الاجتماعي والسياسي ااتي تعيشها هذه المجتمعات نتيجة الأوضاع الكارثية التي تمر بها،  بقدر ما يمكن اعتبار أنفلاتها عن الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني هو نتاج موضوعي لحالة الفراغ السياسي الذي احدثه انكفاء الكثير من الأحزاب السياسية والمثقفين عن دورهم الطبيعي في التأطير والتوجيه الذي ساهمت فيه بشكل كبير أنظمة الحكم الاستبدادية التي قضت على جل التعببرات السياسية الوطنية المعارضة في مجتمعاتها .وهو ما حدى بهذه الحركات الاحتجاجية الى التموقف منها،  و اعتماد أشكال وسائل غير تقليدية،  قوامها القطع مع الأشكال التنظيمية النمطية في تدبير الصراع،  معتمدة غي ذلك بشكل أساسي على ما يتيحه لها العالم الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي التي اضحت في متناول الجميع، و خاصة الشباب كفئة عمرية غالبة من حيث العدد وفاقدة كل امل في الحاظر والمستقبل،  واعتماد خطابات مباشرة ولغة سياسية تلقاىية وبسيطة تلامس المكنون الثقافي والهموم المشتركة لاوسع الشرائح المجتمعية،  لغة مباشرة حسية منفعلة مع الأحداث تعكس حالة الأحباط التي تشعر بها فئاة واسعة من هذه المجتمعات اتجاه السياسات التفقيرية التي تنهجها دولها وحكوماتها،  و هي ببساطتها ابانت عن قدرة كبيرة على التعبئة والاستمرارية،  لغة تعكس فقدان الثقة في الحكومات والمؤسسات تكثفها الشعارات المشتركة لهذا الحراك الشعبي في عموم هذه الدول، المتمثلة في معاداتها للانظمة و الأحزاب الفاسدة والمؤسسات الوسطية،  بحيث اضحت هذه المجتمعات في غاابيتها،  بما تعيشه من غليان شعبي عربا وامازيغا وكردا،  سنة وشيعة ومسيحيين الخ في مواجهة مباشرة مع انظمة حكمها وما يعتريها من فساد بنيوي وكذي نزوع غالبية هذه الشعوب الى التقدم والتحرر من هيمنة قوى الرأسمال العالمي،  الذي تلتقي مصالحه بمصالح انظمة الحكم الفاسدة محليا،  هذا رغم محاولة هذه القوى الاخيرة التشويش على هذه الصراع بما تمتلكه من امكانيات ووساىل حتى يبدو صراعا افقيا قاىما على اساس مذهبي وطائفيا وعرقي ينسجم واستراتيجتها القاضية بخلق ما يصطلح عليه بالفوضى الخلاقة . وليس صراعا سياسيا واقتصاديا قوامه الحق في الثروة والتنمية والديموقراطية .

الحراك الشعبي في مواجهة الهيمنة

 بما ان الطبيعة لا تحتمل الفراغ يمكن القول ان هذه الاوضاع المحتقنة التي كانت وراء اندلاع ما نشهد من حراكات شعبية منفلتة،  ساهمت في خلق شروط اندلاعها و استمرارها بشكل أساسي قوى الرأسمال العالمي في طبعته المتوحشة،  وذلك بتوجيهها لسياسات الدول وحكومات المنطقة،  بما يخدم مصالحها الاستراتيجية التي تتواجد على نقيض مصالح الشعوب . كما ان مصادرتها للفرار السياسي والاقتصادي من هذه الانظمة و سكوتها على ما تنهجه من سياسات قمعية في حق الاصوات المعارضة المنتقدة لما تعتمده من سياسات عمومية غير شعبية وغير ديموقراطية، هي من دفع بشعوب المنطقة الى فقدان الثقة في حكوماتها ومؤسساتها واتساع الهوة فيما بينهما وكذى تحميل امريكا وحلفائها الاوروبيين مسؤولية ما ألت أوضاع بلدانهم .وبالتالي فأن هذه المساحات الفارغة التي تشكلت بين الشعوب والحكام هي من شكل مجال جذب لمختلف التدخلات الخارجية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية كقوة مهيمنة،  عابثة بالعلاقات الدولية وبما أقرته من قوانين ومؤسسات أممية،  كقوة لا تعير اهتماما لمصالح الشعوب في التقدم والتحرر،  بقدر ما يهمها تكريس المزيد من السيطرة والهيمنة أستجابة لجشع النظام الاقتصادي اللبيرالي،  الذي انتقل بشكل رجعي من اللبيرالية الاجتماعية كما نظر لها كل من طوماس هيل جرين وجون هوبسون واخرين في الثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي وذلك بعد صدمة الازمة الاقتصادية العالمية،  الى اللبيرالية المتوحشة كما نظر لها الاقتصادي ادم سميث في القرن الثامن عشر سنة 1776 في كتابه “ثروة الامم”،  وذلك بشكل متزامن مع نهاية الثنائية القطبية التي تأسست ابان مرحلة الحرب الباردة،  وبروز أمريكا كقوة وحيدة مهيمنة على العالم.

. اذن فأن هذا التحول الذي يعرفه السلوك المجتمي العام والوعي الجمعي لشعوب منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا علاقة بما تشهده من اوضاع اقتصادية وسياسية فاسدة ومقلقة،  و ما يجتاحها من اضطرابات اجتماعية وسياسية و من احتجاجات منفلتة عن الدول والمؤسسات نتيجة ارتفاع منسوب فقدان الثقة بها،  لا يمكن الا ان يكون في المحصلة الا مناهضا للهيمنة الامريكية وللانظمة الفاسدة . كما ان هذا المخاض العسير سيكون مفيدا وأيجابيا لشعوب المنطقة على المدى المنظور،  رغم العنف المفرط الذي شهدته ولا زالت بعض هذه المجتمعات التي بلغت حد الحروب الاهلية،  وذلك في اتجاه تحرير المشهد السياسي والحزبي داخل هذه المجتمعات من الكائنات السياسية الفاسدة،  عبر خلق منظمات حزبية جديدة ونخب سياسية قادرة على استيعاب هذه التحولات الكبرى من خلال اعتماد مراجعات نقدية لما دأبت عليه الممارسة السياسية التقليدية حتى تسترجع قدرتها غلى التأطير والتوجيه وحث ما تبقى من الاحزاب المناضلة والشريفة الى الانخراط في هذا الحراكات الشعبية،  في افق خلق مجتمعات جديدة يعد أن يئست من الحروب والفوضى،  مجتمعات منتفضة الى حد القطيعة مع القيود التي فرضها عليها لعقود تحالف الفساد السياسي وتجار الدين المتمترسين في جلباب الأسلام السياسي،  وذلك في استجابة تامة لما سبق وقاله الشاعر الراحل مظفر النواب : لا بد لهذه “الأمة أن تتعلم درسا في التخريب” حتى يستقيم أمرها وأمر انظمة حكمها.

بموجب كل هذا فان نزوع هذه المجتمعات نحو التحرر والتقدم والديموقراطية بقدر ما يشكل تهديدا للانظمة الفاسدة فهو يشكل كذلك تهديدا استراتيجيا صريحا للمصالح الامريكية التي تتعارض،  في طبيعتها المتوحشة،  مع مصالح شعوب المنطقة. وهو ما انتبهت له امريكا وتعمل جاهدة من اجل تعطيله والتشويش عليه. وبالتالي دخولها على خط هذه الحراكات الشعبية مستغلة تلك المساحات المظلمة التي تشكلت بين الشعوب والانظمة.

 يمكن القول اذن ان هذا الترابط بين المحلي والدولي هو من يؤدي بنا الى القول ان ما تكثفه المنطقة من أحداث تراجيدية اجتماعية وسياسية وعسكرية،  لا يمكن عزلها عن ما يشهده المنتظم الدولي من تطورات قوامها في البداية نظام دولي قائم على الأحادية القطبية بقيادة الولايات الامريكية المتحدة كبديل عن الثناىية القطبية التي تبلورت بعد الحرب العالمية الثانية في أطار التوازن بين الشرق والغرب ودون اغفال ما نشهده مؤخرا من بروز واضح لقوى اقليمية ودولية صاعدة تعمل من اجل خلق عالم أخر متعدد الاقطاب الذي بدأت ملامحه في الظهورخلال هذا العقد الاخير من القرن الحالي . وكان من نتائج الاحادية القطبية ما شهده العالم من هيمنة مطلقة للظام الراسمالي المتوحش،  لثلاثة عقود متتالية،  على الاقتصاديات الوطنية لاغلب دول النامية،  ومن ضمنها دول هذه المنطقة الجغرافية ذات الموقع الجيو سياسي الهام،  لما تشكله كممر اساسي للتجارة العالمية،  و بما تختزنه من موارد الطاقة،  و احتضانها لكيان حليف لأمريكا،  غاصب لحق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة،  والذي لا يمكن ان يستمر ككيان سياسي الا في اطار ما سمي بمشروع الشرق الاوسط الجديد،  المتمثل في تفتيت المفتة وتجزيئ المجزء على اساس , كنطونات عرقية ومذهبية ضعيقة .

لكن كذلك واستشعارا منها للتهديدات التي تشكلها هذه الحراكات الشعبية على مصالحها الاستراتيجية في المدى المنظور وعلى هذا الكيان الغاصب والانظمة التابعة لها في المنطقة . كان عليها االعمل من اجل استدامة هذه الهيمنة،  التي أصبحت من جهة مهددة بصحوة الشعوب وما تعبر عنه من مطالب مشروعة متمثلة في الحرية والدموقراطية والتنمية التي تتواجد بالضرورة على نقيض مصالح الرأسمال العالمي في طبعته المتوحشة،  ومن جهة اخرى بما يتهدد هذه الاحادية القطببة خلال العشرية الاخيرة من تهديد جدي بالزوال نتيجة بروز قوى عالمية واقليمية جديدة تعمل على اعادة التوازن للفوضى التي تشهدها العلاقات الدولية نتيجة الهيمنة والغطرسة الامريكية التي تجاوزت كل الخطوط الحمر في علاقتها مع دول العالم،  بما فيها حلفائها الاوروبيين،  الذين لم يستثنوا من نظام العقوبات الاقتصادية والتجارية الاحادية وذلك خارج نطاق القانون الدولي .

انطلاقا من هذا التهديد المزدوج،  وانطلاقا من ادراك هذه القوة المهيمنة المتمثلة في الولايات المتحدة الامريكية باستحالة التدخلات المباشرة بحكم كلفتها الباهضة،  كان عليها الاعتماد على وسائل أخرى ناعمة في تدخلاتها من اجل توجيه وتضليل الراي العام في كثير من شعوب هذه الدول بهدف تعطيل عملية التغيير التي هي يالضرورة ضد مصالحها القائمة على نهب واستغلال الموارد الاقتصادية للشعوب الاخرى،  وذلك عبر ما تمتلكه من وساىل اعلامية محلية ودولية سواء التقليدية منها او الحديثة المتمثلة في وساىل التواصل الاجتماعي .

الهيمنة الامريكية ؛ البداية والنهاية

في هذا السياق ايضا كان لا بد من الوقوف بشيء من التفصيل عند هذا الاهتمام المتزايد بالمنطقة من طرف أمريكا،  وذلك من اجل استيعاب ما يجري من أحداث وثورات اجتماعية تكثف الصراع الدولي الحاصل فيها حاليا بين هذه الاخيرة وقوى دولية واقليمية اخرى صاعدة تعمل على تقويض الاحادية القطبية الامريكية لصالح عالم متعدد الاقطاب. لكن فقط للقول ان هذا الاهتمام الأمريكي بالمنطقة حتى وان كان تقليديا الا انه عرف في العقديين تزايدا وعرف شكلين مختلفين .

المرحلة الأولى بدأت مع العشارية الاولى من القرن الحالي، عندما كانت امريكا تشكل الفوة المهيمنة ااوحيدة في العالم،  وهي المرحلة التي عمدت خلالها الى ادراج الشرق وشمال افريقيا في سلم اولوياتها بعد ان استكملت تدخلها في دول اوروبا الشرقية مباشرة قبل وبعد انهيار جدار برلين،  بما شهدته دولها من ثورات ملونة موجهة،  وسعت من خلال هيمنتها ونفوذها عليها حتى باتت على حدود روسيا الاتحادية .فكان من أوليات استراتيجيتها في المنطقة الانتقام من الدول والانظمة التي كانت تابعة للمحور المنهزم، وهي الدول التي كانت مناوئة لها ولاسرائيل أبان الحرب الباردة . وهي المرحلة التي توفرت لها كل الشروط الدولية للتدخل المباشر بذرائع مختلفة كاذبة،  وبتزكية من المؤسسات الأممية الدولية،  او عبر استراتيجية اذكاء الصراعات الاجتماعية و الطائفية والمذهبية فيها حتى تسهل عملية غزوها لاحقا بمجموعات ارهابية محلية ودولية .

اما المرحلة الثانية التي انطلقت مع العشرية الثانية من نفس القرن فقد تزامنت مع انتفاضة شعوب المنطقة ضد الظلم والفساد والتهميش والتي طالت حتى الدول والانظمة التابعة لها تقليديا، وهو ما اربك حساباتها ودفعها الى الاستثمار فيها مستغلة تلك المساحات الفارغة التي تحدثنا عنها سابقا .لكن هذه المرة وفق استراتيجية جديدة تاخذ بعين الاعتبار مستجدات الوضع الداخلي لهذه البلدان وكذا مستجدات الوضع الدولي والاقليمي الذي افرز قوى اقليمية ودولية صاعدة تعاكس مجرى المصالح الامريكية في المنطقة وفي العالم،  مما صعب من أشكال تدخلاتها المباشرة بتغطية أممية كما كان الحال من قبل،  بعد ان اصبح الفيتو الروسي والصيني معطلا لكل مشاريعها التوسعية،  لتنتقل الى اعتماد استراتيجية جديدة قائمة على الحروب بالوكالة،  اضافة الى الحملات الاعلامية التضليلية،  وصنع معارضات سياسية على المقاس،  ومليشيات مسلحة لعبت دور الوكيل بعد تقمصت التطرف الديني والطائفي وذلك بعد ان استثمرت فيهم تاريخيا في صراعها مع انظمة الحكم المناهضة لها وللكيان االغاصب في المنطقة ابان مرحلة الحرب الباردة . هذا بالاضافة الى ممارسة التاثير والتضليل الاعلامي على شعوب هاته الدول مستغلة تلك المساحات الفارغة التي تشكلت وتوسعت هوتها بين الحكومات وشعوبها . ومستثمرة في ما تعيشه شعوب المنطقة من هشاشة اقتصادية واجتماعية وثقافية وروحية نتيجة فساد أنظمة حكمها ومؤسساتها السياسية والدينية،  وذلك بغاية خلق رأي عام محلي مشحون بطاقة سلبية يجعل من الصراع الدائر في المنطقة،  صراعا طائفيا و عرقيا وليس سياسيا تحكمه المصالح المتنافرة بين الشعوب وحكوماتها المستبدة من جهة،  وبين الدول في نزوع بعضها نحو التحرر والتخلص من الهيمنة الامريكية من جهة أخرى . اعمالا لنفس الاستراتيجية اذن عززت الولايات المتحدة الامريكية حضورها في الحقل الاعلامي،  عبر جيش من الاعلاميين والكتاب المأجورين لمواكبة ما ينجزه وكلائها الميدانيين من تقتيل و تخريب للبنيات الأساسية والتراثية والحضارية لهذه الدول،  التي هي ملك وارث حضاري لشعوب المطقة وللانسانية جمعاء،  بدعوى محاربة الكفر والتوغل الشيعي تارة،  ومن اجل الحرية والدموقراطية تارة اخرى .

انها بهذه الطاقة السلبية التي تحاول غرسها عنوة وبكل الوسائل في مجرى التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الجمعي لشعوب المنطقة المتتفضة على الاوضاع والتواقة للحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية،  فانها تعمل على تحويل مجرى الوعي الجمعي في الاتجاه الخاطئ والتشويش عليه بدعوئ ان كل من هو مناهض للاستبداد ومدافعا عن استقلالية القرار الوطني ومقاوما للهيمنة والغطرسة الامريكية في المنطقة وحليفتها دولة الاحتلال الصهيوني الغاصب للحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، فهو مشكوك في انتمائه وفي دينه ويتم تصنيفه شيعيا صفويا تابعا لأيران . وكان حالهم يقول على المسلم السني ان ينصاع لامريكا ولحلفائها من الانظمة السياسية الفاسدة، ولدولة الاحتلال وما يقدموه من مشاريع تخريبية،  وان العدو الاساسي في المنطقة هو ايران وليس دولة الاحتلال الصهيوني والفساد السياسي الذي ينخر انظمتنا السياسية.

بهذه الاشكال المختلفة تعمل،  الولايات المتحدة الامريكية على استدامة هذه الاوضاع قدر الامكان عبر محاولاتها احلال وعي جمعي قائم على فقدان الثقة في العمل السياسي المنظم و الاحزاب و الفكر والثقافة،  في مقابل تحويل مسالة الحكم والتنمية والدموقراطية الى مجرد مسالة تقنية تجاوزها يتم عبر حكومات تيكنوقراط غير مسيسسين . وبما انها مدركة ان هذا الوعي الجمعي هو في المحصلة منفلت عنها،  ولن يتأثر في مجمله بما تمارسه من تضليل ممنهج،  وسيبقى مناوئا وصداميا مع الحكام والانظمة السياسية الفاسدة نظرا لما تشهده هذه الشعوب من ازمة خانقة ترشح موضوعيا هذه المجتمعات لان تعرف حالة عدم استقرار سياسي واجتماعي قد تؤدي عاجلا ام اجلا الى ربح الرهان الدموقراطي، وكذلك مقاوما لكل اشكال الهيمنة والاحتلال التي تسلب حق الشعوب في التحرر والتنمية . كل هذا اذن دفع بامريكا للعمل وفق استراتيجية اقل الضرر،  حتى تجعل الوضع متحكم فيه لاطول وقت ممكن سواء من خلال اعمال عسكرية انتقائية،  او من خلال ما تسخره من وساىل اعلامية هاىلة سواء التقليدية منها او تلك المتمثلة في وسائط التواصل الاجتماعي التي اصبحت تشكل بنكا مفتوحا للمعلومات، و مختبرا لتطبيق اخر ابتكارات برامجها التضليلية . او عبر ما ما تضخه من اموال لشراء الذمم والضمائر،  او عبر ما خلقته من شبكات جمعوية وقيادات حزبية وسياسية ودينية موالية داخل هذه الدول والمجتمعات . لكن في النتيجة تبقى أمريكا مدركة أن زمن التحكم في ارادة شعوب المنطقة قد شارف على نهايته، وان انتصار الشعوب للحرية والدموقراطية امرا محتوما حتى وان تم تعطيله الى حين،  وان العالم ومن من خلال ما تكثفه هذه المنطقة الاستراتيجية من أحداث أجتماعية وسياسية وتدخلات دولية ذاهب نحو التحرر من الاستبداد السياسي و من الهيمنة الأمريكية والأحادية القطبية لصاح عالم جديد متعدد الأقطاب.

خلاصة

اننا فعلا امام مرحلة دقيقة ومفصلية في تاريخ شعوب المنطقة والعالم .أمام مرحلة تؤشر على ولادة عسيرة لكنها أتية لا محالة لمجتعات جديدة منتصرة على الهيمنة والاحتلال،  وعلى كل عاهاتها .في نفس الان قادرة على الاستفادة من محنتها الحالية وما عرفته من فضاعات انسانية باسم الدين تارة والحرية تارة اخرى، و التي لم يشهد لها التاريخ المعاصر للمنطفة نظيرا . استفادة ستدفع بشعوب المنطقة الى القطع مع المقدس الذي نسجه تحالف الفساد السياسي وتجار الدين لعقود من الزمن، وفي نفس الان ولادة دول ومجتمعات قادرة على تحقيق ما تصبو اليه من حرية ودموقراطية وتقدم.

كما ان هذه المرحلة المفصلية في تاريخ المنطقة ستؤشر لا محالة على ولادة عالم جديد متعدد الأقطاب،  قائم على الاحترام المتبادل لسيادة الدول وقراراتها،  وكذى قائم بشكل اساسي على التكتلات الاقتصادية التي تراعي في مشاريعها مصالح الدول والشعوب بديلا عن التكتلات العسكرية التي شكلت أساس الاحلاف فى زمن الثانئية القطبية و في زمن الهيمنة الامريكية لمرحلة ما بعد انهيار جدار برلين والتي تستند الى منطق الهيمنة المرادف للقوة العسكرية التي لا تعير اهتماما لتوازن المصالح الاقتصادية والسياسية المشتركة في العلاقات الدولية .

طنجة

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here