د. تدمري عبد الوهاب: حركة التحربر الفلسطينية بين حل الدولتين والتحرير الشامل.. أي مشروع تحرري ممكن؟

د. تدمري عبد الوهاب

تتجه الانظار مجددا للساحة الفلسطينية وما يختمرها من نقاشات تهدف لإنجاز مشروع طالما تم تاجيله لظروف منها ما هو داخلي مرتبط بالاحتراب السياسي علاقة بالجراحات التي بصمت العلاقة بين مختلف الفصائل الفلسطينية، خاصة ما تعلق منها بالاقتتال الذي دار بين حماس و  فتح عقب انتخابات المجلس التشريعي  الاخير، الذي ادى  الى تشكيل حكومة في الضفة  واخرى  في غزة. وما تلا ذلك من اتهامات متبادلة  بالخيانة  رغم الجهود التي بذلتها الفصائل الاخرى من اجل رأب صدع الاخوة الاعداء !. خاصة ان الكل خاضع للحصائر والاحتلال من طرف عدو مشترك ابى الا ان يصادر حقوق الشعب الفلسطيني في اقامة وطن يصون كرامته وسيادته.

وما زاد من هذا  الانقسام الناتج عن  التباين الحاصل في  اليات مواجهة الاحتلال بين خيار العمل السياسي السلمي   والعمل المسلح ،هو غياب مشروع سياسي مجتمعي لدى الطرفين  يرسم ملامح مستقبل القضية الفلسطينية بعيدا عن المواقف المبدئية التي تم تبنيها في بداية النكبة. والتي صيغت وفق معطيات ذاتية و دولبة كانت  صائبة في حينها لكنها  لم تعد قائمة الان .و كذلك بعيدا عن  الانفعالات العاطفية او المواقف الشعبوية التي تغيب الوقائع بتفاعلاتها الاقليمية  والدولبة  .و  تنظر الى  فلسطنيي الداخل والشتات كملاحق ترفع من خلالها منسوب الصراع، اما  لخدمة شعار تحرير كل فلسطين والقاء اليهود الاسراىيليين الى خارج الحدود ،دون الاخذ بعين الاعتبار واقع دولة قائمة الذات  بغض النظر عن الاخطاء التاريخية التي ادت لقيامها ، وتعد  عضوا  في الامم المتحدة.  بالشكل الذي  يجعل من   شعار تحرير فلسطين كما طرح في بدايات النكبة     مشروعا لا أفق له .  مشروعا  ينتفي فيه مفهوم  المقاومة  كالية هدفها خدمة المشروع المجتمعي، لتصبح المقاومة  الية وهدفا تشتغل دون رأيا  سياسية تحتمل ما هو مرحلي، و ما هو استراتيجي.

  او لرفع منسوب الضغط    بالنسبة لاصحاب الخيار السياسي السلمي، من اجل التفاوض مع الاحتلال الصهيوني   لتحصيل بعض المكتسبات الهزيلة  التي تضمنتها اتفاقية أوسلو. والتي لا تؤمن الحياة عمليا  لاي كيان فلسطيني مستقل . وهو ما يجعل منها اتفاقية تكرس الاحتلال على حساب حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال .

ان ما يجعل الحوار الاخير بين مختلف الفصائل  متميزا عن سابقيه ،هو ان حركة التحرير الفلسطينبة قد بلغت من النضج ما يكفي لان ترى الاشياء بمنظور اخر، بعيدا عن الاندفاعات العاطفية التي افرزتها هزيمة   1948  وبعدها هزيمة 1967 .و افرزت كل تناقضاتها الداخلية  بعد ان انتفت الشروط الاقليمية والدولية المصاحبة لعملية التاسيس، التي كانت متأثرة بالمد التحرري العالمي، في مقابل الوضع الحالي المتسم بالغطرسة الامريكية التي قوضت اي امكانية لحل القضية الفلسطينية وفق القرارات الاممية ذات الصلة. و بالتطبيع مع الكيان الصهيوني من قبل معظم الانظمة العربية ، ومنها  بعض  دول ما كان يسمى بدول الطوق ، وتحييد اخرى من الصراع نتيجة مؤامرات دولية عملت على زعزعة اسقرارها الداخلي .

امام هذا الواقع سواء ما تعلق منه بالداخل الفلسطيني وما يتسم به من مستجدات تجعل من قيام دولة فلسطينية مستقلة في حدود ما قبل 67 غير ممكنة عمليا خاصة مع اتساع رقعة الاستيطان من اجل  معادلة فلسطينيي الداخل بالمسنوطنين ، و فصل غزة عن الضفة الغربية ، و ضم اسرائيل  لاراضي  غور الاردن وتوسيع الاستيطان  . او ما تعلق بالوضع الدولي الذي جعل من الكيان  الاسرائيلي   امرا واقعا معترف به امميا ، ومساندا من كثير من القوى العظمى،  وقوى اقليمية عرببة اسلامية ترى فيه  منقذا من التوسع  الفارسي الشيعي ومن كل  ما تختزله المنطقة من قوى مقاومة للهيمنة الامريكية الاسرائيلية.

 كل هذا   يجعل من شعار تحرير فلسطين، بمعنى اخلائها من الاسرائيليين شعارا شعبويا غير ممكن الانجاز .شعارا  يدخل المقاومة ضد الاحتلال   كحق مشروع للشعوب  في الحرية  والاستقلال والديموقراطية  في متهاهة  مستنزفة للمقاومة  بشقيها السياسي والمسلح، كما يجعل من خيار التفاوض من اجل دولة ليس لها ادنى مقومات الحياة والاستمرارية خيارا فاشلا حبيسا لشعار غير ممكن التحقق على ارض الواقع حتى وإن إلتزمت اسرائيل بمضامين اوسلو.

 في كلا الحالتين يبقى شعار تحرير كل فلسطين بإخراج  اليهود الاسرائيليين منها. او تأسيس دولة على اقل من 24 % من الاراصي الفلسطينية اي ما يعادل 6 الاف كلم مربع ، موقفا يخدم الكيان الصهيوني من خلال تغذية الالة الدعائية الصهيونية  داخل المجتنع الاسرائيلي، على ان الصراع مع الفلسطينيين هو صراع وجود  من جهة،  او من خلال خلق محطة مشاغلة وهمية للفلسطينيين تسجنهم  في مطلب تاسيس الدولة وفق  اطار حل الدولتين من جهة اخرى .

اذن امام هذه الاوضاع و بعد مرور اكثر من سبعة عقود عن النكبة  .هل لازال شعار تحرير فلسطين من البحر الى النهر وفق مفهوم التأسيس ممكنا؟ . وهل لازال شعار دولة مستقلة على الضفة وغزة امرا مقبولا وفق ما تسمح به مضامين اتفاقية اوسلو؟. وهل من المفروض على الفلسطينيين ان يبقوا حبيسي  مواثيق  لم تخرج يوما من رفوف الامم المتحدة؟. .الم يكن من الافيد اعتبار هذه الاتفاقية مرحلة انتفالية ، اجابيتها الوحيدة هو انها  مكنت من عودة القيادات الفلسطينية الى اراضي فلسطين بعد مرحلة من الشتات  التي تلت خروج فصائلها من بيروت سنة 1982 الى  بلدان تبعد بألاف الكلوميترات عن فلسطين  ؟. الا يمكن اعتبار  هذه المرحلة مناسبة للم شمل منظمة التحرير على اساس ميثاق وطني جديد قائم على   مشروع سياسي وطني تحرري بديل ،  يسعى لتحرير الانسان الفلسطيني من الصهيونية ،وكل اشكال التعصب الديني ضمن اطار الوطن الواحد للجميع ؟. الوطن الضامن للمساوات والحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية لكل مكوناته وتعبيراته الدينية واللسنية والثقافية.

صحيح ان تعديل الميتاق الوطني الفلسطيني سنة  1996 بالنسبة للمنظمات المنضوية تحت سقف منظمة التحرير،  و لاحقا  تعديلات  حركة حماس لميثاقها  المؤسس سنة 1917،  شكلا نقطة تحول مهمة في مسار منظمة التحرير وحماس، كسرتا من خلالها الكثير من الطابوهات الملازمة للتاسيس . الا ان اكراهات اتفاقية اسلو والرغبة  في تحقيق دولة فلسطينية كيف ما كان شكلها بالنسبة لحركة فتح اولا ،وحماس ثانيا بعد ان قبلت  بدولة  فلسطينية على اراضي ما قبل 1967  بما يعيدها عمليا الى مربع اوسلو ،  قد كبلا قدرتهما على التفكير الاستراتيجي .ولم يسمح لهما ولباقي الفصائل الفلسطينية  بتحويل هذه الارادة في مراجعة مسلمات التأسيس، الى فرصة  لطرح مشروع سياسي تحرري يجمع بين النضال السياسي والمقاومة من اجل وطن فلسطيني  ديموقراطي متعدد يتسع للجميع ،ما دامت القرارات الاممية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية لم تخرج يوما  الى حيز التطبيق، ولم بعمل بها الكيان الصهيوني. هذا في الوقت الذي نعلم فيه ان الثابت في هذه المعادلة هو الشعب الفلسطيني . وبالتالي طرح السؤال لمذا علينا كفلسطين التقيد بها وجعلها اطارا يتحدد من خلالها  طبيعة نضالنا و سقف مطالبنا؟ .ولماذا لا نحول نضالنا الى مشروع سياسي تحرري   يطال كل فلسطين بما فيها اراضي ما قبل 1948 ؟.وبالتالي تحويل  وجهة المقاومة ومعركة التحرير ،من مفاومة من اجل فتات وطن  غير قابل للحياة ،او من اجل انجاز شعار اخلاء اليهود الاسرائيليين  من اراضي فلسطين  الغير القابل عمليا للانجاز ،   الى مقاومة من اجل تحرير الانسان الفلسطيني من الاحتلال و الصهيونية،  والتطرف الديني، و اللامساوات  بين مختلف مكونات الشعب الفلسطيني ، يهودا ومسلمين  ومسيحيين .وهو ما سيربك النظام الصهيوني المتمترس وراء  معادلة الصراع الوجودي ببن  اليهود/ الاسرائيليون  و المسلمون / الفلسطينيون ، خاصة و أن واقع قواعد الاشتباك حاليا  أصبحت لصالح المقاومة. وان معظم المدنيين الاسرائيليين يدركون ذلك، و ليس لهم من خيار سوى الهجرة او العيش في وئام وسلام مع مختلف مكونات الشعب الفلسطيني  في اطار دولة مدنية ديموقراطية  واحدة تضمن حقوق الجميع.

ان الحوارالفلسطيني الحالي اذن يجب ان يسمو على مسألة الانتخابات التشريعية والرئاسية،  ليعانق مشروع تحرري وطني جديد يهد اركان النظام الصهيوني من الداخل،  ويطرح بديلا سياسيا مجتمعيا جديدا، على اساس الممكن المشترك لشعوب فلسطين .مشروعا  ياخذ بعين الاعتبار ما راكمته نضالات فلسطينيي الداخل  لما قبل 48 ،و كذا لما راكمته  المقاومة المسلحة  من قوة ردع  للغطرسة الصهيونية حيث اصبحت  قادرة على نقل المعركة الشاملة الى داخل اراضي فلسطين التاريخية،  دون ان تترك اي مجال امن لملايين المدنيين من الاسرائيليين الذين اوهمتهم الالة الصهيونية تاريخيا ،على انهم في منأى عن الحرب حين كان الكيان الصهيوني يدير معاركه خارج حدود فلسطين.

طنجة

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. الاخ الكاتب تحية واحتراماًً : يبدو انك لم تسمع ببلد عربي مسلم اسمه الجزائرخضع للاستعمار 132 سنة ثم انتزع استقلاله وحريته ، لقد هزم فرنسا العظمى دون ان يحتاج الى القضاء على كامل شعبها او كامل سلاحها . لقد الحق بها من الخسائر والالام ما جعلها تهرب ليلا لا نهارا. وهي التي كانت تقول : الجزائر قطعة من فرنسا فصلها البحر . الشعب الجزائري كان يرفض مشاركة اي اخ عربي في الثورة وفقط كان يقبل منهم المساعدات بانواعها مالية وعسكرية وسياسية . قدم قوافل الشهداء مع عزيمة صادقة وارادة فولاذية لا تلين . كان البسطاء من العب يعتبرون مفجري الثورة مجانين إذ كيف يثورون على فرنسا هل لديهم امل حتى في احلامهم في اخراجها . لكنهم احتفلوا بعيد الاستقلال الجزائري ، اكتب هذا وانا ارى ان السيناريو هو نفسه : ففلسطين تستعمرها دولة عظمى ولكن هزيمتها ممكنة اذا استفدتم من التجربة الجزائرية ، لكن اذا اعلنتم الثورة وانتم مهزومون نفسيا فلن تنجحوا . ليس هناك اسهل من تحرير فلسطين ( بالخنجر والسكين تتحرر فلسطين ) وليس برباطات العنق والبذلات الغالية .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here