د. بهيج سكاكيني: حالة الغليان الشعبي في لبنان

د. بهيج سكاكيني

حالة الغليان الشعبي التي تشهدها المدن الرئيسية في لبنان والمستمرة على مدى عدة أيام ما هي الا النتيجة الطبيعية والحتمية لما وصلت اليه الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان الى درجة كبيرة من العهر السياسي والفساد المالي المستشرس الى جانب الفساد الادراي والاخلاقي والاستخفاف بالمطالب المحقة للشعب اللبناني وخاصة الفقراء منهم وعلى مدى عقود من الزمن.

 لقد استطاعت الطبقة السياسية الحاكمة ولعقود من الزمن استخدام عامل الخوف الطائفي والمذهبي والطبقي في ضبط المجتمع اللبناني واستغلته للبقاء في مراكزها والمحافظة على مصالحها الخاصة الضيقة وتكديس الاموال الطائلة على حساب الشعب المحروم من كل الامتيازات الضرورية للعيش الكريم من تعليم وصحة وفرص عمل وضمان إجتماعي..الخ ولقد وصل العجز في الميزانية الى أكثرمن 80 مليار دولار كما ذكر البعض.  وهذا في معظمه ناتج عن النهب والسلب من مشاريع حكومية وعطاءات وعقود مع شركات محلية وأجنبية الى جانب سوء الادارة لوجود اناس عديمي الكفاءات والخبرات في مراكز مفصلية في الدولة، وكذلك زيادة كبيرة في عدد موظفي الدولة لارضاء هذه الطائفة او تلك دون ان يكون هنالك حاجة لهذه الوظائف الوهمية أو المفروضة.

ولا شك ان الشعب اللبناني المتواجد بالشوارع الان قد توحد خارج نطاق الطائفية والمذهبية والحزبية والمناطقية ليقول وبصوت واضح وقوي وموحد لهذه الطبقة السياسية الفاسدة من رأسها الى أخمص قدمها والتي قام البعض منهم بنهب مليارات من الدولارات، كفاكم تضليلا واستغلالا ونهبا لاموالنا ومقدرات بلدنا ولنا كل الحق في ان نعيش بكرامة في ارضنا.

وهؤلاء من نزلوا الى الشارع ليسوا “بزعران” كما يحلو للبعض من اللبنانيين وغيرهم ان يطلق عليهم. فالأزعر هو من يأكل مال الشعب…من ينهب من خزينة الدولة دون حساب…من يستخدم رجاله ليقوموا بتصرفات المافيا ويضع نفسه فوق القانون والمحاسبة لانه من العائلة الفلانية او الحزب الفلاني او انه ينتمي الى الطائفة او المذهب الفلاني…الأزعر هو من يعطل اجتماع حكومة لحين ان تحل الامور عشائريا وتصفية حسابات مع فلان او فلان…الأزعر هو من نهب اكثر من عشرة مليارات دولار ويقول دعونا من الماضي ولنبدأ صفحة جديدة وعفى الله عما مضى…الأزعر هو من ينشر رجاله في منطقته ويمنع الاخرين من دخولها وكأنه زعيم مافيا خارج عن القانون ولا يعيش في دولة اسمها لبنان….

والبعض الاخر اصدر فتوى منذ البداية من ان هذا الحراك الشعبي تحركه ايدي من الخارج لزعزعة الاستقرار في لبنان وقام بربط الاحداث بما يجري في المنطقة كمحاولة توطين الفلسطسنيين وصفقة القرن …الخ. وهذا البعض لم يعتبر ولو للحظة ان هنالك شعب محروم من اساسيات الحياة الكريمة وأن هنالك عشرات الالاف من العائلات اللبناية وربما اكثر تعيش في حالة مزرية وتحت خط الفقر بدرجات وعلى ان الكثيرون يموتون لعدم قدرتهم توفير العلاج المطلوب وخاصة للامراض المزمنة. هذا البعض يحاول ان يخلص نفسه من مسؤولية تردي الاوضاع المعيشية ويرمي هذه المسؤولية على غيره في محاولة تبييض صفحته السوداء.

ان معضلة لبنان كما ذكرنا في العديد من المرات تكمن في النظام السياسي الطائفي والمذهبي والمحاصصة في المراكز وأجهزة الدولة من قمة الهرم الى قاعدته وهو النظام الذي اوجده الاستعمار الفرنسي وتضمنه في الدستور اللبناني. وطالما بقي هذا النظام الطائفي والمذهبي ستبقى المشاكل قائمة وتتفاقم بإستمرار. الحل لا يكمن في الغاء هذه الضريبة او تلك أو التراجع عن فرض بعض الضرائب. الحل الجذري يكمن في القضاء على النظام الطائفي والمذهبي برمته ونظام المحاصصة المقيت ومحاسبة كل الفاسدين والمفسدين وإخضاعهم بالكامل للقانون.  وكما قالت احدى المسنات من بين المتظاهرين موجهة كلامها للجيش اللبناني” روحوا شلحوهم المصاري اللي نهبوها منا بدل ما توقفوا على الحواجز لمنعنا من الوصول الى مجلس النواب”.

 والمشكلة لا تحل بالتوجه الى صندوق النقد الدولي للحصول على مزيد من القروض فالبنك الدولي لم يساعد اية دولة في العالم بل عمد على إفقار الجماهير الشعبية وتردي ظروف معيشتها وخلق فئة وطبقة سياسية فاسدة منتفعة تقوم بتكديس الاموال وحرمان الشعب من الحياة الكريمة. هذه هي حقيقة تجارب الدول التي دخلها البنك الدولي “للمساعدة” حيث قامت هذه المؤسسة بتغيير جذري للهيكل الاقتصادي للدولة المعنية وفرض على الحكومات رفع الدعم عن السلع الاساسية والمحرقات …الخ التي تضرر من نتائجها الطبقات المعدمة والوسطى وترك لحيتان الراسمالية المحلية حلب هذه الطبقات برفع الاسعار والضرائب والفوائد..الخ. ومهد لها الطريق “لشفط” مئات الملايين من المساعدات والهبات المالية المقدمة للبلد وهذا جزء من المأساة الحالية التي يشهدها الشعب اللبناني.

ويبقى السؤال هل ستنجح التحركات الجماهيرية في لبنان على تحقيق ذلك أم سيتم الالتفاف على مطالبها من قبل الطبقة السياسية والمافيا اللبنانية؟ هذا ما ستجيب عليه ربما الايام القليلة القادمة.

 كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here