د. بشير محمد الخضرا: لبنان والعراق بين الطائفية السياسية… وإيران والقوى الخارجية

 

د. بشير محمد الخضرا

عندما بدأت الحراكات العربية منذ عام ٢٠١١ كانت تتخذ الشكل الأحادي في البداية بمعنى أنها كانت تحدث في دولة معينة، ثم تحدث في دولة أخرى ثم أخرى ثم تتزامن الحراكات وتنقطع وتنشط حسب ردود فعل الحكومات والتدخلات الدولية والإقليمية وقدرة المتحركين على التنظيم والاستمرار والصمود. في السنوات الأخيرة بدأت الحراكات تتخذ الشكل الثنائي أو “المثنوي”، بمعنى تزامن انطلاق حراكين في بلدين عربيين في وقت واحد تقريبا، كما حدث في السودان والجزائر ثم في لبنان والعراق كما هو حاصل حاليا. وسوف أتناول في هذا المقال مثنوية لبنان والعراق.

إن التزامن المثنوي في العراق ولبنان بشكل خاص يلفت النظر. وهذا التوافق يذكّرني بالزيارة التي قام بها الرئيس ميشيل عون للعراق خلال شهر شباط من عام ٢٠١٨، حيث قال الرئيس العراقي فؤاد معصوم حينها في مجرى لقائه مع الرئيس عون إنه “بعد تغيير النظام في العراق، بدأنا نبحث عن نموذج لتوازن المكونات، ووجدنا النموذج اللبناني.” ومن الواضح أن الرئيس العراقي يتكلم من منطلق التجربة الطائفية التي مورست في حكم العراق منذ أن رتّب بريمر، وكيل الاستعمار الأمريكي، أمور الحكم في العراق فحوله من دولة مدنية علمانية تعترف بكل مواطنيها إلى دولة طوائف، فوضع الدستور الحارس للطائفية ولم يترك العراق إلا بعد أن اطمأن إلى استقرار النموذج الذي قرره بريمر ورئيسه الأمريكي بوش الابن ممثلا للغطرسة الاستعمارية الأمريكية التي لم يكن بإمكانها الهدوء دون أن ترى العراق مقسما لطوائف لا تستطيع أن تُفكر كعراقيين بمعزل عن انتماءاتهم الطائفية والعرقية.

ولا أدري كيف كان شعور الرئيس عون إزاء ما اعتبره الرئيس العراقي إطراءً للتجربة اللبنانية في الطائفية السياسية، ولكن ما نشهده اليوم في لبنان يعطينا الكثير من الدروس التي لا شك في أنها بعيدة عن تفكير الرئيس العراقي في ذلك الوقت، ولكني أجتهد من قراءتي لموقف الرئيس ميشيل عون المعلن حاليا (٢٠١٩) من رفض للطائفية، فأتصور أن الرئيس عون كان يقول في سرّه “شو بَدَّك في وجع الرأس ياريّس”، أي الطائفية. ولكن الرئيس العراقي، شأنه شأن زعماء “المجاميع” أو “المكونات” الأخرى، لا يمكن إلا إن يكون طائفيا لأنه يمثل الأكراد في كردستان وهو حريص على بقاء الوضع بهذه الصفة. أما الرئيس عون، يما لديه من خبرة طويلة في ذلك النظام، فقد استوعب كل الدروس التي مرت على لبنان خلال العقود الماضية نتيجة للنظام الطائفي، من حروب أهلية وانتشار الفساد المالي والإداري والسياسي وتعطل حركة التنمية بكافة أشكالها وتعطيل استثمار الموارد الطبيعية وتعطل الخدمات العادية مثل تراكم القمامة في الشوارع وعدم تزويد السكان بالكهرباء وعدم تحديث البنية التحتية والبنية التعليمية والصحية وغيرها. وهذه تمثل الواجبات الأساسية التي تبرر وجود نظام حكم في أي بلد. وها نحن نرى تلك المصائب قد حلت بالعراق خلال فترة قصيرة نسبيا مقارنة بالفترة الطويلة التي حلت خلالها كل تلك المصائب بلبنان. وفي هذا درس عظيم لمن أراد أن ينظم دولة قوية تخدم كل شعبها ولا تجعل الانقسام أساس تنظيم تلك الدولة. وهو درس أيضا لمن أراد إقامة دولة مبنية على “المجاميع” والطوائف والمحاصصة.

من الأمور المُطمئنة أن جيل الشباب اللبناني في حراكهم الحالي أثبتوا رغبتهم في تجاوز الطائفية لأنها لم تقدم إلى لبنان إلا كل شر، (باستثناء ظهور المقاومة اللبنانية)، وأكدوا على ضرورة الانتقال لنظام مدني لا مكان فيه للتأثير الطائفي المؤدي إلى المحاصصة في كل الوظائف السياسية والإدارية والمنافع العامة المختلفة. لكن المشاهد للأحداث في لبنان يشعر بأن الطائفية قد تجذرت بعمق في خيالات بعض القيادات السياسية الحالية والذين هم مجمع الفساد والتشوهات التي ألمّت بلبنان الجميل وشعبه المُبدع.

ولكن من المهم جدا ألا ننسى أنه، بموازاة الإيجابية المذكورة في الحالة اللبنانية، هناك جهات دولية وإقليمية ومحلية تريد تحويل الحراك إلى حركة لعزل المقاومة اللبنانية ومن يناصرها في لبنان، ومن ثَمّ، إبعاد الجمهورية الإسلامية الإيرانية ودعمها للمقاومة ولسوريا، من خلال الشعار الذي فيه بعض الحق ليراد به الباطل، وهو: “كلُّن يعني كُلُّن”، وهو شعار صيغ بذكاء لينطلي على بعض أتباع التنظيمات التي لا هَمَّ لها إلا الرضوخ لمطالب أعداء المقاومة المعروفين. ولكن هذا يدل على مدى صعوبة الوصول لما يريده غالبية الشباب اللبناني من تجاوز للطائفية والانتقال إلى نظام مدني يتساوى فيه الجميع. ولذلك ما زال أمام لبنان الكثير لعمله على ضوء التدخلات ومدى الصعوبة البالغة التي يواجهها الرئيس عون، أعانه الله، في هذا الظرف الدقيق. الجميل في لبنان أن الإيمان بالدولة المدنية بدل الطائفية السياسية أصبح له انتشار واسع بين فئات الشعب اللبناني، وليس فقط بين أجيال الشباب. وكان أجملَ وأبلغ تعبير عن دعم الشعب اللبناني للتغيير ما قامت به السيدات المسيحيات والمسلمات في حَيَّيْن متجاورين بالتلاقي والعناق والبكاء مرددين (إننا شعب واحد ولا نريد أي حرب أهلية). وهذا عنصر إيجابي يوحي بأن الحراك اللبناني قد ينجح ويضع المقدمة اللازمة للوصول إلى دولة مدنية تحتاج إلى تعاون الجميع وإلى جهود تخطيطية استراتيجية تتضمن جهودا تثقيفية اجتماعية سياسية على كافة المستويات، عدا عن تغيير الكثير من القوانين والأنظمة والتنظيمات وإحداث الإصلاح الإداري المترتب على ذلك. وهذا مشوار طويل يحتاج إلى العمل الدؤوب والصبر والشفافية وعدم وضع العصي في الدواليب.

وعلى الرغم مما يبدو من عفوية للحراكين في العراق ولبنان، لا يمكن للمراقب إلا أن ينتبه إلى أن التزامن في التوقيت ليس بالضرورة مجرد صدفة. وكسائر الحراكات العربية من أولها، يبقى الجدل مستمرا حول “هل الحراكات عفوية أم مُوجّهة؟” وفي رأيي منذ بداية الحراكات العربية، أن العنصرَين متواجدان في آن واحد في كل الحراكات هذه. فمن جهة، إن الحراكات العربية هي نتاج شدة استبداد الحكومات العربية وإلغائها كل أشكال المعارضة والرأي الآخر وخضوعها للإملاءات الأجنبية لقاء بقاء الأنظمة في الحكم بحماية الخارج، بينما الفساد بكافة أشكاله مع ما يرافقه من فقر وبطالة وفشل الخدمات العامة مستشرٍ باعتراف الجميع. وقد أثبتت الشعوب العربية استجابتها العفوية بقوة وصدق وتضحيات كبيرة، تلك التضحيات التي فُرضت على المتظاهرين والتي لم تكن لتحدث لولا الجرائم التي ارتكبتها الأنظمة الفاسدة دفاعا عن مصالحها. ومن الجهة الأخرى، يجب ألا نتفاجأ من تدخل الأجنبي في أمورنا كأنه أمر جديد علينا، لأن الغرب (الغريب) لم يغب أبدا عن التدخل في حياتنا منذ أكثر من مئة عام أبرزها ما فعله بنا الحلفاء منذ عقود طويلة قبل الحرب العالمية الأولى بعقود طويلة وخلالها وبعدها حتى ما شاء الله. والشواهد أكثر من أن تحصى على هذا التدخل من أهمها نجاحهم في تعيين الحكام عندنا وفرض القروض المُفسدة وسرقة فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني الاستعماري، وإثارة حروب القائمة بين الأنظمة العربية والسيطرة على ثروات العرب ومنع أي تقدم أو أي زعامة تُعارضهم. فملخص القول أن الغرب موجود عندنا دائما ويعمل على حرف وإفساد أي شيء صحيح نعمله وجعلنا دائما في ذيله. وأقول لمن يستهزئ بهذا التحليل بحيث يعتبرنا ضحية الوقوع في “وهم نظرية المؤامرة”: إننا فعلا لا نؤمن ب “نظرية المؤامرة” لأن هذا الاصطلاح لا يرقى لما يفعله الغرب بنا، فما يفعلونه بنا هو أكبر كثيرا من المؤامرة، بل هو تطبيق استراتيجيات كبرى بعيدة المدى (يعني الاستراتيجية الكبرى توضع لمئة عام قابلة للتعديل والتجديد) تضعنا في مرمى الاستهداف دون كلل أو ملل. وإدراكنا لهذا يجب ألا يؤدي إلى تجاهلنا لجدية التفاعل الشعبي في كل بلد عربي مع الأحداث والرغبة في حياة أفضل. فكلما جد لدينا جديد من فرص للتنمية أو التحرر أو التقدم كانت الشبكة الخماسية جاهزة لتخريبه وتوجيهه الوجهة التي تخدم مصالحهم (بلغة الاستراتيجية: تحويل فرصنا إلى تهديدات!). وما التزامن في الحراكين اللبناني والعراقي في منأى عن هذا التحليل. لذلك أرثي لمن يصرون على أن الحراكات العربية “كلها من أولها لآخرها من الخارج ” ولا دور فيها للشعوب التي عانت كثيرا من الظلم وانهيار الأوضاع التي حركتها.

ولكن إذا كان الحراك اللبناني يواجه ما يواجه من عقبات ربما تؤدي إلى إفشاله (لا سمح الله)، فإن الوضع في العراق يبدو لي أكثر صعوبة بدرجة مُقلقة. فبسبب التزام المتظاهرين بالطرق السلمية وحكمة الرئيس اللبناني وفريقه لم يؤدِّ الحراك اللبناني إلى ضحايا، بينما تصرفت بعض القوى المرتبطة بالقيادات الطائفية في العراق بطرق أدت إلى مئات الضحايا من شهداء وجرحى. والقضية أعمق بكثير من مجرد الحكم على ضابط بالإعدام وعلى آخر بالسجن المؤبد، بينما القوى السياسية المسؤولة عما آلت إليه الأوضاع السيئة متمسكة بمواقعها ولا تريد أن تتخلى عن مكاسبها التي حصلت عليها بعد ان قام “المندوب السامي الأمريكي” بْرِمَر بتثبيتها ووضع لها “دستورا” ونظام محاصصة يستحيل التخلص منه، إلاّ إذا قرر أولئك الزعماء تغليب المصلحة العامة على مصالحهم الأنانية، وهذا يبدو أمرا طوباويا في هذه المرحلة.

 ولا شك في أن تجربة الحربين الأهليتين تحت أعيننا في لبنان خلال العقود الماضية قد علمت اللبنانيين أن الحروب الأهلية خسارة على الجميع وليس فيها منتصر. وليت بعض الزعماء المتلذذين برؤية الدماء يتعلمون الدرس نفسه وينتبهون إلى مصلحة لبنان للجميع. فهل يستطيع هؤلاء التغلب على ولاءاتهم الخارجية ومداخيلهم المجزية مقابل السلام والمحبة في لبنان؟ أعني هل يستطيع أولئك القادة المتشبثون بالطائفية العمل المُخلص الجاد لإلغاء الطائفية؟

من أهم العوامل المتشابهة في البلدين رغبة القوى الخارجية وملحقاتها المحلية إسقاط إيران والمقاومة. ولكن من المؤكد أن وضع العراق أصعب بكثير من الوضع اللبناني. فإذا كان لبنان قد فرض عليه الأجنبي هذه التشكيلة الطائفية في عهود لم تعشها الأجيال الفاعلة اليوم مع ما جلبته الطائفية من أوجاع إلى لبنان، فإن ما يحدث في العراق قد تم عقب احتلال أجنبي مقيت معاصر دمر كل ما في العراق أمام أعيننا، بما فيها السلام المجتمعي المميّز للشعب العراقي منذ قرون، وفرَضَ الاحتلالُ الطائفيةَ والجهوية والإقليمية على شعب احتُل ظلما وتعديا لأجل سيطرة الشبكة الخماسية على مقدراته، ولأجل الإبقاء على الكيان الصهيوني بوصفه القوة الوحيدة المهيمنة على العالم العربي بأكمله. وقد حدث ذلك بتواطؤ فئة من أبنائه (الذين أصبحوا في الحكم منذ ذلك الوقت) بحجة أنه لم يكن أمامهم طريق للتخلص من “استبداد” صدام حسين إلا إن يستعينوا بغزو أكبر عدو للأمة العربية، وهو النظام الأمريكي المسيطر على العالم والضامن لاستمرار هيمنة إسرائيل. وترى بعضهم اليوم، بعد فوات الأوان وبعد أن “أبصروا” الغايات الحقيقية للاحتلال الأمريكي، يقولون إننا لم نكن نتوقع أن يكون الأمر هكذا! ماذا تظنون؟ هل درستم يا (سادة) تاريخ الولايات المتحدة وحليفتاها بريطانيا وفرنسا، ومن ثَمّ الصهيونية العالمية وإسرائيل التي اخترعوها لتكون حاكما علينا جميعا؟ (هذه المجموعة هي ما أسميها الشبكة الخماسية). ماذا نسمي توجهاتكم وسلوككم في السياسة؟ إن الرائد المستحق للريادة لا يكذب أهله ولا يدعو الأعداء لاحتلال بلده للتغيير السياسي، ومعرفة هذه الحقيقة لا تحتاج لتجريب المحتل! ومع ذلك قبلتم باللعبة لأن مستر بريمر ومن يقف وراءه كانوا يريدونكم أن تستمروا في إيمانكم بأن صدام حسين كان يمثل “حُكم السنة” لكي تتصرفوا على أن الحل الأمثل للعراق هو أن يكون الآن “حكم الشيعة”، ومن خلال هذه المعادلة فتحوا لكم أبواب الفساد على مصاريعها، واستمرأتُم اللعبة لأنها جعلتكم من الحاصلين على أكبر الثروات والنفوذ وأصبح كلٌ منكم له رجاله ونساؤه وقواته الأمنية وأتباعه المستفيدون من “طائفية المكونات”، بينما الشعب يعاني من الفقر والبطالة وفقدان الخدمات ما جعل الشباب يائسا من كل إصلاح. ألهذا قاومتم صدام وحشدتم له جيوش الغزو الإجرامية؟  ومع ذلك ومع أنكم أنتم الظالمون فتحتم النار بالرصاص الحي القاتل على الشباب وقتلتم ما قتلتم من الأبرياء، واتهمتموهم بالعملاء. ولكن من الغريب أن نرى الشباب يستمرون في عنفوان الحراك غير مبالين بالموت الأحمر الذي يرونه أمامهم، لأن الموت والحياة أصبحا سواءً عندهم.

ومن أكثر الأمور خطورة في الحالة العراقية وجود نمط جديد من الحكم يرتبط بشيء اسمه “المرجعية”، وهذه جديدة على أسماعنا، وبخاصة في نظام يسمي نفسه “ديمقراطية”! المرجعية هي التي تبارك أو تُحرّم ما يجب وما لا يجب فعله في النظام. أديمقراطية ومرجعية؟ مرجعية شخص واحد أهم من كل الفاعلين في النظام الديمقراطي! وبهذا قد ثبت فعلا فشل هذه الديمقراطية لأنها لا تستطيع أن تحكم بالعدل والحق والتي تقتل أبناءها بالرصاص الحي لأنهم يتظاهرون! والعيب ليس في الديمقراطية، بل فيكم. ومن المؤسف أن هذا الوضع المأساوي يرتبط في أذهان الكثيرين بشكل أو بآخر بنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تمثل لي وللكثيرين من العرب الالتزام بتحرير فلسطين ومقارعة الشيطان الأكبر ودعم سوريا المقاومة ودعم المقاومات اللبنانية والفلسطينية والعراقية. وهذا شيء عظيم عز وجوده لدى الحكومات العربية مع الأسف. فهذه هي الازدواجية المقلقة في النظام الإيراني متمثلة بموقف إيران الإيجابي المقدَّر نحو المقاومة كما ذكرتُ، من جهة، وأدوار أخرى متناقضة مع هذا الدور، أهمها مباركته للنظام الطائفي الذي أحدثه بريمر ودعمهم بوصفهم شيعة يترأسون أحزابا تدل أسماؤها على جوهرها بوصفها أحزابا دينية لها “دعوة” دينية أو جهوية، فأصبحوا لا يريدون التزحزح عن تلك النعم. إن ارتباط تنظيم أي دولة بفكرة عقائدية مغلقة سواءً كانت فكرة غيبية أم بشرية هي من أخطر الأمور على الدول، فكيف إذا كانت القرارات الكبرى لا تصح إلاّ بالرجوع إلى مرجعية دينية لها سلطة توجيه البوصلة؟ وفي رأيي أن هذا الوضع هو خسارة كبيرة لسمعة إيران بالنظر للدور الآخر الإيجابي الذي تقوم به نحو المقاومة بكافة أشكالها. ولا شك في تقديرنا لموقف المرجعية الأخير الذي أعلنت من خلاله تأييد المتظاهرين وطلبت من السلطات الاهتمام بمطالب المتظاهرين كما طلبت استقالة الوازرة وتشكيل وزارة تلبي مطالب الجماهير، ولكن المراقب الدقيق لما يجري في العراق لا يسعه إلا أن يتساءل: إين كانت المرجعية خلال كل تلك السنوات وهي تعلم عن الفساد وانغلاق جهود التنمية المرجوة وجهود حل المشكلات التي يعاني منها شعب طيلة المدة منذ اغتيال صدام حسين؟

إن معظم المعجبين بدور الجمهورية الإسلامية عندنا لا يرون بأسا في النظام السياسي العراقي. ولكنني أرى، بالإضافة لما ذكرته سابقا، أن الطائفية والجهوية اللتين تميزان هذا النظام هي جوهر المشكلة التي يواجهها المحتجون على المظالم التي نتجت عن نظام المحاصصة هذا، لأنه، حتى حين، قضى على فكرة إقامة دولة مدنية مبنية على أساس المواطنة، وليس الانتماء الديني أو الطائفي أو الجهوي أو العشائري. لذلك لا تبدو الاحتمالات جيدة لاستجابة النظام للمطالب التي ينادي بها المتظاهرون، وإلغاء نظام المحاصصة الطائفية ومحاسبة الفاسدين، ما يضمن تغيير القيادات السياسية، وتفسير هذا التشكك أن تلك القيادات السياسية لا تزال تعيش في أحلام الاستمرار في تضخيم الثراء الفاحش الذي وفره لهم هذا النظام متسلحة بشعارات الدعوة الدينية والجهوية. وأرجح أنه ما زالت نسبة كبيرة من “المكونات” في العراق “مؤدلجة” طائفيا ولم تنسلخ عن توجيهات زعمائها. كما يبدو أن الصحوة التي أظهرتها النساء اللبنانيات، أمهات وبنات، والتزام اللبنانيين، متظاهرين وحكومة، بالطرق السلمية، ما زالت بعيدة المنال لدى نسبة مؤثرة من تلك “المجاميع” المؤدلجة، التي تتبع قياداتها المتحكمة في الدولة. وهذا يعني أن الحراك في العراق ما زال بعيدا عن الحل السلمي. وفي كل الأحوال إن اصطلاح المجاميع أو المكونات الذي ساد بعد اغتيال صدام حسين هو تعبير كريه اجتماعيا وسياسيا، لأن فيه روح الحدود الاجتماعية والتفرقة والتمييز السلبي، وهي صفات تدمر الفرص لظهور أي نظام مدني ديمقراطي. ولذلك يبدو أن المستقبل الذي يواجه العراق لا يبشر بخير، ما دامت هذه القيادات، ومن يأتي بعدها ضمن التركيبة ذاتها، متمسكين بمكاسبهم ومعهم “أتباعهم” المستفيدون والمستعدون لعمل أي شيء للمحافظة على مكاسبهم أيضا. ولا يمكن للوضع في العراق أن يسير في الطريق الصحيح إلاّ عندما تتفكك الأحزاب المبنية على الأسس الدينية والجهوية وتنشأ مكانها أحزاب عابرة ل”المجاميع” على أُسس البرامج والأهداف المشتقة من أهداف “الدولة للجميع”. ويبدو أن هذه القيادات ما زالت مستعدة للمغامرة بأن تغسل عقلها وذاكرتها بالدماء حتى تتعظ، وإلاّ، فلتكتفِ بالاتّعاظ بدراسة التجربة اللبنانية التاريخية، ليس كما طرح الرئيس السابق فؤاد مصوم، وتُجنِّب الوطن والشعب ما هو واضح من ويلات. وإلاّ، فإن العراق ما زال ينتظر ما هو أسوأ. وأرجو أن أكون مخطئا في هذا.

باحث أكاديمي   عمان

Email: bashir.khadra@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. من المؤسف أن يفشل ألعقل العربي في رؤية ارتباط الحرية بالعلم والمعرفة والتطور والتقدم المجتمعي. وكذلك فشل العقل العربي في نقل انظمة الحكم العربية من رعوية الى مواطنية أي من أستبداد وارتجالية الى حرية وعمل مؤسسات جماعي. لذلك يسارع النظام الرعوي الى اتهام اي حراك سلمي من اجل الحرية وألأصلاح وضد الفساد المتنوع بالمؤامرة وألأرتباط بالخارج وألأدعاء بالحرص على السلم ألمجتمعي ومواجهة ألأعداء!! بكلمات أخرى, الضغط على الناس عدم ألأعتراض على الوضع الراهن! سؤال: ألا يمكن مواجهة أعداء ألأمة بدون فساد واستبداد وطائفية ومذهبية؟ جواب: يمكن. لا بل تستحيل مجابهة أعداء ألأمة وألأنتصار بدون دولة مواطنة ومؤسسات وحريات وعدالة اجتماعية. دولة المواطنة ضرورة قصوى وعاجلة كما انها لم تعد رفاهية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here