د. بشير محمد الخضرا: المؤامرة أم الاستراتيجية؟

د. بشير محمد الخضرا

 فتحنا عيوننا وقد وجدنا آباءنا يتحدثون عن “المؤامرة”، أي أن الكثير مما يحدث لنا كعرب أو كفلسطينيين هو نتيجة مؤامرة علينا من قوى خارجية، وقد حُددت تلك القوى الخارجية بانها عموما الدول الغربية. وكان من الطبيعي، إن كانت هناك مؤامرة أو مؤامرات، أن تتوجه أصابعنا الاتهامية إ لى تلك الدول، لأننا في الواقع اكتشفنا أن معظم الدول العربية كانت، حين ولادتنا ونشوئنا، تحت الحكم الأجنبي، ثم علمنا أنه بعد الحرب العالمية الأولى وانتصار الحلفاء وهزيمة السلطنة العثمانية وحليفتها ألمانيا، كانت هناك ثورة عربية كبرى بقيادة الشريف حسين الذي تحالف مع بريطانيا لطرد العثمانيين على وعد من البريطانيين أن يُمَكّنوه من أن يكون رئيسا لدولة عربية موحدة تضم كل الجزيرة العربية والهلال الخصيب ومصر. ولكن الإنجليز، الذين لبسوا ثياب “المحررين”، كعادتهم مع كل الشعوب المسكينة، حنثوا بوعدهم ونفَوا الشريف حسين سجينا في قبرص، وقسموا التركة العثمانية بينهم وبين فرنسا من خلال ما عُرف باتفاقية سايكس بيكو. كما أنهم أصدروا “إعلان بلفور” الشهير ب “وعد بلفور” الذي لم يقف عند الإعلان، بل تم إضافته لصك الانتداب الاستعماري بقرار من “عصبة الأمم”، التي صنعوها لتخدم أهدافهم الاستعمارية، ويُصبح “الوعد” برنامج عمل سلطة الاحتلال البريطاني بالتنسيق مع الصهيونية العالمية، ويؤدي في النهاية إلى طرد غالبية أهل فلسطين من مدنهم وقراهم وتدمير مئات القرى والمعالم الفلسطينية، عدا عن مئات المجازر التي ارتكبوها في فلسطين، وقيام دولة إسرائيل بدعم من تلك القوى الغربية بكل ما أوتيت من سطوة. يُضاف إلى ذلك أن معظم الدول العربية كانت تحت الاحتلال البريطاني أو الفرنسي أو الإيطالي. إن هذه التجارب وغيرها جعلت من الطبيعي للإنسان العربي أن يفكر بأن هناك قوى معينة تتخذ قرارات فردية أو ثنائية أو جماعية لتغزو دولا أخرى وتستولي على سيادتها وثرواتها وكل قراراتها، كما هو حاصل الآن في كل من العراق وليبيا وإلى حد ما، في سوريا، والحبل على الجرار. وكل ذلك عزز تفسير الأحداث بتوظيف فكرة المؤامرة.

ومن المهم أن نلاحظ أن التفكير بوجود مؤامرة كان من قبلُ منتشرا في الفكر السياسي والاجتماعي والقانوني العالمي لدرجة أن التفسير المعتمد على وجود مؤامرة أصبح يُعرف ب “نظرية المؤامرة”. كما أننا كعرب لسنا الوحيدين الذين تعرضنا للمؤامرات ولسنا الوحيدين الذين نعتمد على نظرية المؤامرة لتفسير الأحداث الكبرى التي تحيط بنا. ويكفي أن يبحث أحدنا عن مدى انتشار فكر نظرية المؤامرة لِيجدَ مئات المواقع وربما آلاف المقالات والكتب حول الموضوع. وقد وجدتُ أيضا أن الكثير من المؤامرات التي تنفذ يسبقها الإعلان عن نوايا أصحابها والحديث عن البرامج والخطط التي يُعدونها، ولكنهم بالطبع لا يُسمونها بتسمية المؤامرة، بل يذكرونها  من خلال اتهام بلاد أخرى أو دول أخرى بتهم الإعداد للعدوان أو تهمة وجود أسلحة دمار شامل أو اضطهاد الأقليات أو بظلم مواطنيهم عموما أو باتباع نظم “غير ديموقراطية” أو “غير إنسانية” في حكم شعوبهم، أو قد يشعلون الحروب البينية داخل الدولة أو بين دولتين أو أكثر كما حصل في الحرب بين العراق وإيران في القرن الماضي، وكما هو حاصل الآن في اليمن حيث يُعِدّون حاليا لحروب بين إيران ودول الخليج العربي. وغالبا ما يُهددون بماذا سوف يفعلون إزاء ذلك. ومن مهازل القدر أنهم يستعملون ما يُسمى ب “المساعدات” لدعم تلك الدول لتكون أخطر أداة في السيطرة والتدمير. وقد أظهر الخبير الاقتصادي الأمريكي جون بيركنز مؤامرات بلده الولايات المتحدة على الدول الأخرى المسكينة والمستكينة في كتابه “اعترافات قاتل اقتصادي”، وفي ما تلا الكتاب من عشرات الفيديوهات على الشبكة العنكبوتية،  التي ما زال يُفصل فيها في طرق الإجرام التي كان هو ورفاقه “الخبراء” يتبعونها ضد تلك الدول المستكينة من خلال توريطها في مشاريع كبرى فاشلة وفي الوقوع تحت ديون طائلة لا يستطيعون تسديدها، والنتائج معروفة.

لكن صانعي المؤامرات لم يعجبهم انتشار تفسير الأحداث بتوظيف فكرة المؤامرة، لأنهم يريدون تثبيت الادعاء بأنهم ما احتلوا أي بلد إلّا لتمدين أهل البلد تحت الاحتلال أو لتنمية بلدهم أو لمنع العدوان عليهم أو نقل الديموقراطية و”القيم المدنية” لأولئك الناس. لذلك بدأ “مفكروهم” بنشر أفكار تُسَخِّف فكرة الاعتماد على نظرية المؤامرة في تفسير الأحداث، حتى انتشر التسخيف إلى بعض مثقفينا، وبخاصة الذين يتماهَون مع الغرب ويحملون كل ما هو آت من الغرب من أفكار، ويعتبرون مثل هذا التفسير شكلا من أشكال التخلف. لذلك من المألوف أن نشاهد نماذج من هؤلاء المتحدثين في الحوارات مع بعض المفكرين العرب يقولون: “أنتم مسكونون بنظرية المؤامرة! ولماذا لا تلومون أنفسكم وحكامكم لما وصلتم إليه؟”، وهم الذين يُعيّنون حكام العرب!. وقد انتشر بيننا تعبير “الحق على الطليان”، أو “الحق على الشيطان” كطريقة تهكمية لتسخيف الاعتماد على نظرية المؤامرة. وقد شعرتُ بأن بعضنا أصبحوا يخجلون من ذكر “المؤامرة” لئلا يُنظر إليهم كمتخلفين أو هاربين من منطق العقل.

وإني لأعجب للبعض منا الذين أصبحوا يخشون الحديث عن المؤامرة لئلا يواجَهوا بالتسخيف. وسبب عجبي أن الأحداث التي ذكرتها في أعلاه عن تجارب العرب مع الغرب منذ سايكس بيكو حتى اليوم يجب أن تكون أكثر من كافية للإيمان بنظرية المؤامرة. وهذا يتضمن أشكال الاحتلال الأجنبي السافر لأكثر من دولة عربية، وما فعلوا في فلسطين بخاصة، وإنشاء الكيان الصهيوني الاستعماري الاستيطاني العنصري (ليكون) قاعدة غربية عسكرية دائمة في وسط عالمنا العربي وتُحكم سيطرة الغربي علينا وتُعزز تقسيمنا إلى كانتونات متحاربة (ونحن نعيش فعلا هذه الأحداث الآن).

 وبناءً على هذا الوضع، وضعتُ تفسيرا آخر يُبعدنا عن كلمة “مؤامرة” ويريح أفكار المترددين والمتخوفين من أبناء العروبة الذين يَخشون من أن يُتهموا بالسخافة عند لجوئهم لنظرية المؤامرة. فإن ما يواجهنا كدول مسكينة ومستكينة هو ليس “مؤامرة” بالضبط، بل هو أكبر بكثير من المؤامرة. عندما تفكر دولة قوية أو حركة عالمية قوية (صهيونية عالمية، ماسونية عالمية، إلخ)، أو عندما تتفق دولتان قويتان أو أكثر، أو حركة عالمية أو أكثر، على أن تغزو أو تخترق بلدا ما تحت أي مبرر، أو أن تُدمر اقتصاد الغير، فإن ذلك لا يأتي في لحظة غضب أو “فزعة” عابرة (كما يفعل المسؤولون العرب)، بل يأتي بعد تفكير وتدبير طويلين، ووضع الأهداف والخطط والبرامج والقوى والمعدات المطلوبة والبرامج الزمنية اللازمة والتمويل اللازم، والموازنات المالية، والأدوات وبدائلها، والتوقيت الزمني للبدء، وغير ذلك من تفاصيل تكون جميعها موثقة لديهم بسرية تامة، لكنهم يُفصحون عنها باتهامات الآخرين وتهديدهم وتحريك عملائهم في تلك الدول. أتدرون ماذا نسمي هذه التشكيلة في علوم الإدارة والعلوم العسكرية؟ إنها تُسمى “الاستراتيجية” أو “الاستراتيجيات. ولا أظن أن أحدا مثقفا يجهل معنى “استراتيجية”. لذلك، أدعو أبناء جلدتنا، عندما يُناقشون شخصا يستهزئ بفكرة المؤامرة، أي أنه ينكر أن لا شيء أسمه مؤامرة في العالم، أن يوافقوه على ذلك بالقول: نعم، إن ما يُنفّذه الغرب علينا أكبر بكثير من المؤامرة، لأنه استراتيجيات بعيدة المدى، فيها الأهداف النهائية والأهداف المرحلية وكل مكونات الاستراتيجيات المذكورة في أعلاه. أتذكرون ماذا قال الرئيس الأمريكي بوش الأب بعد “تحرير الكويت؟” لقد رسمنا الآن تاريخ المنطقة لمئة عام قادمة”.

  bashir.khadra@gmail.com

باحث أكاديمي، عمّان

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here