د. بسام روبين: علم هندسة العقول يغيّب الشعوب!

د. بسام روبين

يعد علم هندسة العقول سلاحاً صامتاً تمارسه السياسة الفاسدة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالمخدرات وانحدار الاخلاق وتبادل المنافع ،ويستهدف العقل الباطن للإنسان لتطويع أدمغة الشعوب وغسلها ،بالتعديل على ارائها وافكارها والتلاعب فيهما ايضا ،وقد نشأ هذا العلم على يد النازيين الألمان في ثلاثينيات القرن الماضي ،عندما امتلأت المعتقلات بالمعارضين السياسيين وجيء بعدد من علماء الاجتماع لإجراء التجارب والبحوث  على المعتقلين فيها ،بهدف اختراق عقولهم كمنطلق لهندسة عقول الجماهير والسيطرة عليها ،وبعد انتصار الحلفاء واكتشاف تلك المعتقلات جرى ترحيل العلماء الألمان إلى أمريكا ،ووضعهم أمام خيار المحاكمة أو العيش الكريم ،شريطة استكمال البرنامج الذي بدأوه ،وقد فضلوا استكماله خوفاً من الاعدام ،ونظراً لأهمية هذا العلم في صناعة العقول المغيبة وتأثيراته المباشرة على استمرار الأنظمة ،من خلال التحكم في فكر الجماهير واتجاهاتهم خارج ارادتهم.

فقد استمرت التجارب لهندسة العقول التي تشكل خطراً كبيراً مع نزولها للشارع في تجمعات كبيرة يصعب السيطره عليها ،فالجماهير عندما تحتشد يصبح من السهل اقتيادها والسيطرة على عقولها ،فتقع فريسه لسيطرة من يقودها ،وهذا يؤدي حتماً لاندفاع العقول المحتشدة خلف قائدها مرددة ما يقوله دون تدقيق ،ومن ثم استدراجها تباعاً نحو شعارات بلا سقوف.

لذلك جاء علم هندسة العقول ليتحكم في هذه الجموع ،عن طريق ادارة  العقل الباطن لها ،والتأثير عليه بمجموعة متوازية من الاجراءات الاستراتيجية التي كانت سبباً في اصابة بعض الشعوب بحالة من الغيبوبة بعد المبالغة في تلك الاجراءات ،والتي اقعدتها وجعلتها عاجزة عن التفاعل مع قضاياها القومية والتاريخية والوطنية ،حتى انها وصلت لمرحلة من الذل لم تغضب معها عندما تم الاساءة للرسول العظيم صلى الله عليه وسلم من قبل مجلة فرنسية متطرفة ،بل اصبحت هذه الفئات المستهدفة تتحالف مع العدو ،وتعادي الأشقاء منقلبة على تاريخها ودينها وقيمها ،ومع ذلك كله وقف هذا العلم عاجزا أمام أول موجة للربيع العربي ،الا ان المؤسسات الأمنية تداركت ذلك العجز بعدما تشكلت لها قناعات تقضي بضرورة منع الجماهير من الوصول لمراكز التجمعات من خلال فرض اكثر من طوق امني على المناطق المحيطة بالميادين الكبيرة ،والاستعانة بالعمل الاستخباري والرقابة الإلكترونية ،وقد نجحت هذه الاجراءات في تفادي فشل قواعد هندسة العقول الى حد كبير ،واعتقد ان هذا العلم سيستمر في  استهداف العقول الهشة لتمرير افكار سياسية او اقتصادية او دينية ،باستخدام مجموعه من الاستراتيجيات التي تتفاوت  من دولة الى اخرى وفقا للبنية الاجتماعية والدينية لكل منها ،في حين اصبحت هذه الاستراتيجيات حاجة ملحة عند بعض الحكومات لا يمكن لها العيش بدونها ،بالرغم من أنها ترهق الخزينة ،وتدمر مفاهيم العدالة والقيم والانسانية داخل المجتمعات ومع محيطها ايضا ،الا أن بعض الحكومات والأشخاص النافذين يرون فيها نفعا كبيراً ،وسأتحدث بإذن الله ضمن سلسلة حلقات ،عن أهم  الاستراتيجيات المستخدمة في علم هندسة عقول الجماهير ،والتي كانت سبباً  في السيطرة عليهم واخضاعهم وقيادتهم كقطيع ،وسيكون حديثي في الحلقة الثانية عن استراتيجية شراء الذمم ،وهي من أهم قواعد هندسة العقول الفاعلة مع بعض الفئات الرخيصة المستهدفة من الاعلاميين والمحللين الاستراتيجيين العسكريين والمدنيين ورجال الدين ،وبعض الشخصيات الحزبية  والشعبية التي ما زالت تنجح في خداع الرأي العام.

عميد اردني متقاعد

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. رجاءا التعمق في كشف أساليب التحكم وطرح طرق عملية للتحرر و مواجهة هذا السلاح المخربين للعقول…مع الشكر

  2. وقد يكون من أكبر الأمثلة ما حدث في سوريا سنة 2011من أكذوبة الثورة السورية التي يديرها مجرمي CIA والموساد و المخابرات التركية والبريطانية..
    جزاك الله خيرا.. نحن بالانتظار

  3. ارجو من الكاتب ان يضمن حديثه القادم اشارة الى النقطة التالية والتي اراها برأيي المتواضع ذات صلة مهمة بالموضوع الا وهي :
    عبارة (نظرية المؤامرة) فبعد ان بدأنا نشاهد بعض العقول العربية والاسلامية الواعية للمخطط الذي يراد بالامة تحاول توعية الجماهير المغترة بما يطرحه الإعلام المعادي والذي يحاول التحكم بالعقل الجمعي لها نرى ان هذه العبارة (نظرية المؤامرة) قد كثر ضخها اعلاميا سيما على ألسِنة انصاف المثقفين والسذج من الاعلاميين والمحللين السياسيين و الجاهلين بخبث الاجهزة الاستخبارية والطبيعة القذرة لبعض الاعمال المخابراتية بغية تسفيه العقول الواعية للمخطط وكتم اصواتها المبحوحة وسط هذا الاعلام الاصفر فما ان يخرج احدهم عن السياق العام المطروح اعلاميا ويحاول لفت انظار الجماهير الى العامل الاجنبي في حالة تردي الامة الا ويتهم بمحاولة التبرير وانه من اتباع نظرية المؤامرة .

  4. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الأخ الفاضل
    د. بسام روبين العوده
    نفعك الله بعلمك ونفع بك الإسلام والمسلمين
    والناس أجمعين اللهم آمين يارب العالمين

    ؟ ؟ ؟ وفيما ذكرت عن هندسة العقول ؟ ؟ ؟ مما يوجد من أدواته وهو ؟ ؟ ؟ طاعون فيروس كورونا المصطنع وهو بعلم الله سبحانه وتعالى ؟ ؟ للإدمان على الدراسة عن بعد ليتم التدريس بترسيخ الثقافة الغربية والشرقية لقوى الاستحمار لتوطيد التطبيع مع اليهود العدو الأساسي لكافة الشعوب العربية والإسلامية ؟ ؟ ؟ يحفظك الله ويرعاك

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here