د. السّفير محمّد محمّد خطّابي: سَمَر خُوري والدكتورجان توما ورواية الذّكريات العِجاف

د. السّفير محمّد محمّد خطّابي

يقول الأديب اللبناني الدكتور جان توما  فى خاطرته  الشعرية  الجميلة ” في البال رواية ” : ارتفعتِ الحِجارةُ هناك، بقيتُ هنا، أحكي رواياتي، أسردُ حكاياتي، لماذا نسيَ أحبّتي حضوري، وكلماتي، وبطولاتي؟ وحيدًا أبقى بلا ذاكرةٍ ،أضيعُ في ليالي البردِ ، في بقايا القصصِ ، وأفئدةِ السّردِ..”.

“خمرة في عرس قانا ملتقانا”

وتقول الأديبة اللبنانية سمر خوري  معلّقةً  : ” بكلماتٍ بين ال هنا وهناك يرسم الأديب الدكتور جان توما وصيته الأخيرة، رواية الذكريات العِجاف، في عالم بارد حتى العظام. ارتفعت الحِجارة هناك، في شوارع الغضب والجنون. حجارة ترجُم الأنبياء والمرسلين. حجارة القلوب الباردة حتى الأعماق. ارتفعت الحِجارة لينحدرالإنسان إلى دركات الفوضى غير الخلاقة. وبقي الأديب في مكانه، هنا، في عالم الرّوايات والحكايات السندبادية العطور. عربة مهملة هجرها الحوذي، وانكسرت فيها العجلات. هي حكايات متقاعد يموت قاعداً ، وتسدل الستارة في مسرح العطاء.ولكنّ طائر الفينيق لن يموت. وإن مات فمصيره الانبعاث من الرّماد مرّاتٍ ومرّات. التقاعد ليس نهاية الحياة. ولكن الغربة أقسى من الغياب. ووحدة الرّوائي، خارج روايته، منبع للكثير من الجراح. لا يا صديقي الأديب، لم ننس قصصك والروايات. ما زال سردك حيّاً في عروق فضائنا الحياتي، ورؤيتنا للعالم. وما زالت المسرحية تبحث عن بطلها الشقيّ اللهفات.حضورك النسيم في صحرائنا القاحلة. وحيد أنت لأنّ سلاحك الحبر وسلاحهم الحجارة من بقايا ذواتهم الركام ..وحيد أنت لأنّ المغول هدموا دارَ الحكمة ، وحوّلوا كتب السّرد والتاريخ إلى رماد ، وأحرقوا الورد في الأكباد  والأكمام ،أيّها السّارد البطل الهمام، عجيب كيف تَحَوّل جسّاس إلى بطل مقدام، وفخر الدين إلى خائن بلا مقام، وأصبحت مقامات الرجال كالأيتام على مائدة اللئام،.سردك الحرّ لنا النبراس، وإبداعك الآس بلا مقياس. فاهنأ على عرش قلوبنا، خمرة في عرس قانا، ملتقانا، سنبلة ملأىَ بالحَبّ والحُبّ، في بيدر الإحساس”.

فوّارة من ظمأ زلال

 وجاء ردّنا إعجاباً بهذا الإفصاح، والإجهاش، والإبحار، والإبهار يقول : الناقدة الحصيفة ، والأديبة الشّفيفة، سمر خوري.. كلماتُ قراءتك  واستقرائكِ لقصيدة الأديب ، والرّوائي ، والشاعر الدكتورجان توما ( فى البال رواية) كلماتُ إطرائكِ له رائعة ،وحروفُ ثنائك لإبداعه ناصعة، ومعاني حروفك عنه زاهرة ، ومشاعر قلبك نحوه حالمة مُرهفة، وإحاساسكِ بنصوصه هائمة مُترفة ، باقاتٌ بلّورية متلألئة من الجمال الأخّاذ يحلّق بك، وبنا،وبالشاعر المُكرّم، وبقرّائك، وقارئاتك فى الأفق البعيد، و يطير بنا فى الفضاء اللاّزودي الفسيح ، ثمّ ينسكب هاطلًا ،نازلاً، كفوّارةٍ من ظمأ زلال ،أو كأتيٍّ مُنهمرٍ من رذاذٍ لُجينيّ متسربلاً  برونق الحلل عذباً سجيّاً جميلاً .

بيانكِ سَمَر سامرٌ آسر ،وكلامكِ شذىَ عِطرٍ فوّاحٍ ساحر ، ونسائم صَباً عبق زكيّ ،وخيالك المُستنير يتطاير، ويتناثر ويفجّر ميازيبَ الدّموع ..دموع كأنّها لآلئ بلّوريٍّة صافية تُمطر فتسقي نرجساً ،وتعضّ على العنّاب بالبَرَد..!..فرحاً ،ومرحاً ،وجذلاً،وإنشراحاً، وإبتهاجاً ، ومُهجةً، وبهجةً، وإهتياجا فتشعل القناديل، وتُوقد الشّموع فى محفل مخمليٍّ راقصٍ بهيّ إحتفاءً بهذا اللسان الرّقيق، والجَنان الرّشيق، فإذا الكلمات الوضّاءة متراصّة فى خنوع وخشوع فى صفوف متساوية، منحنية الهامة ،مطأطئة المتن والقامة، إجلالاً  وإكباراً لهذا الإبداع الرّقراق.

وكلماتكِ عن  “خمرة في عرس قانا، ملتقانا” تعود بنا الزمانَ القهقرىَ، وتسافر بنا عبرالمدىَ البعيد،  وتُبحر بأرواحنا فوق ثبج المحيطات، وصُوىَ الأزمان والمسافات لتحطّ بنا فى سالف الأعوام، وماضي الأيام مع النوّاسيّ الشادي الذي كان يتفوّه شعراً، ويتحدث شعراً ، ويتكلّم شعراً ،ويتغنيّ شعراً ،ويشرب شعراً ،و يحتسي خمراً حتى الثمالة .. أليس هو القائل فى بيتيْن رائعيْن حيّرَا كلَّ من قرأهما أوسمعهما من الشّعراء والنقاد عرباً وعجماً وغربييّن لبلاغتهما ورقتهما، وعمقهما خاصّةً وأنّ الخمرة المعتقة كثيراً ما تُشبَّه بالمشروبات الرّوحية كما يقال لها فى كثير من البلدان .. وحارَ القوم ، وتساءل الخلْق، وتعب الناس فى إيجاد تفسيرٍ أو تبريرٍ لهذا التشبيه أو لهذه الإستعارة المجازية، أو لهذا القول الجميل عندما صدح أبو نوّاس شادياً وقال  :

  (ما زِلتُ أستلّ رُوحَ الدنِّ في لَطَفٍ / وأسْتَقي دمَهُ منْ جوْفِ مَجْرُوحِ ..                                           حتى انْثَنَيْتُ ولي رُوحان في جسدٍ / والدنُّ منْطَرِحٌ جسْماً بلا روحِ ) .

لبن رائب أم خمرة معتّقة !

 وذات ليلة مقمرة كان أبو نوّاس ساهراً فى جلسة شعرية جميلة مع خلاّنه وندمائه الذين كانوا قد أقسموا على سهر الليل طال أم لم يطل..وطال ليلهم ، ولكنّ سُلوتهم المُعتّقة نفذت..فعمّ الحزنُ الأصدقاءَ ،وعلت مُحيّاهم أمارات الوجوم ، وغشيتهم قسَمات العبوس .. فقال لهم أبو نوّاس : لا عليكم أنا سآتيكم بالرّاح المعتّقة حالاً ( فقد كان أثيراً  مُدلّلاً لدى الخليفة يجولُ ويصولُ فى القصر وفى جنباته وردهاته ومطموراته كما يحلو له) فانطلق فى حديقة القصر الفسيحة ،وعاد بسرعة البرق ، ولكنّه فى طريق العودة إلتقى بالخليفة هارون الرّشيد الذي كان  قد تمنّع وإستعصىَ عنه الكرىَ فخرج يتجوّل فى حديقته الغنّاء .. وعندما دنا من أبي نوّاس قال له : ماذا بيدك يا أبا الحَسَن ..؟ فصار النوّاسيُّ يُخبّئ وراء ظهره الدنّ الذي كان ممتلئاً بالخمرة المعتقة ..وقال للخليفة : إنه لبن يا أمير المؤمنين ..!  فقال الخليفة أرني إيّاه فلمّا رآه كان لونه يسطع مع إنعكاس ضوء القمر عليه فبدا للخليفة مشعّاً قانياً لمّاعاً أحمر اللون يتوسّط قعرَ الدنّ .. فقال له : ويحك أتكذب عليّ ..؟! فقال أبو نواس بل إنه لبن يا أمير المؤمنين إلاّ أنه إحمرَّ وجهُهُ خجلاً عندما رآك..! فضحك الخليفة حتى دمعت عيناه ، وهزّ رأسَه متعجّباً من دهاء وذكاء وسرعة بديهة النوّاسيّ وانصرف لحاله .

الأخطل وعبد الملك ابن مروان

 وتذكّرنا هذه الطرفة بأخرى شبيهة بها أو قريبة منها هذه المرّة عن الشاعرالمسيحيّ الأخطل  التغلبي الذي كان يُكنّى بأبي مالك والذي جعله الخليفة عبد الملك بن مروان شاعرَ البلاط ، يدافع عن دولة بني أمية، ويهاجم خصُومَها، والذي أقحم نفسَه في المهاجاة بين الشاعريْن جرير والفرزدق حين فضّل الفرزدق على جرير، وامتدّ الهجاء بينه وبين جرير طوال حياته، وقد جمع الشاعر أبو تمام الطائي  نقائض جرير والأخطل  الشهيرة .. هذا الشاعر كان مصقولَ الألفاظ، حسنَ الديباجة، حلوَالعبارة، ذكيّ الإشارة ، في شعره إبداع، وإمتاع، كان يدخل على الخليفة وهو يمشي الهوينىَ ، متهاداياً، مترنّحاً ،متمايلاً،وهو يحمل صليباً من خشب  مُعلّقاً إلى عنقه، هكذا دلف ذات يومٍ على الخليفة وهو فى مجلس وقور، وصاح فى حاجبه قائلاً : اسقني..، فأتوه بماء، فانتفض ودهق،ودلق الماءَ وأفْرَغَه إِفْراغاً شَديداً على الأرض وهو يقول لمن أتاه بالماء : ويحك يا هذا أتسقيني شرابَ الحمير.؟! فضحك الخليفة الذي كان الأخطل شاعراً أثيراً، مُقرّباً، ومُدلّلاً عنده وقال  لجلسائه هاتوا له ما يريد، فأتوه بدنٍّ من خمرةٍ معتّقة كسُلوَةِ أبي نوّاس..!

 تحيّة عالية لكِ، ولأديبنا جان توما الذي كان حضورُه وما يزال وسيظلّ نسيماً طيّباً في قفار ومفاوز وفلاة صحرائنا القاحلة بصباحيّاته الباسمة ، وبمختلف أعماله وإبداعاته الجميلة .

*****

* كاتب وباحث من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم – كولومبيا-

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here