د . السّفير محمّد محمّد خطّابي: حرائق الكتب في الأندلس.. جريمة أخلاقيّة وتاريخيّة لا تُغتفر

د . السّفير محمّد محمّد خطّابي

ما أكثر التظاهرات والمعارض الدولية التي تترى وتنظّم في عالمنا العربي، وفي مختلف بلدان العالم حول الكتاب على إمتداد الحوْل، إنطلاقاً من معرض القاهرة الدولي للكتاب فى دورته الـ51 الذي افتتح  يوم 22 يناير الحالى  حتى 4 من شهر فبراير  2020  . ومروراً بمعارض الدار البيضاء، ومسقط، والبحرين، وأبو ظبي، وتونس، والجزائر، وصنعاء، والشارقة، والكويت، وعمّان، والدوحة، وبيروت وسواها من المعارض الدولية العربية الكبرى التي تقام كلّ عام ويُحتفى فيها بالكتابة، والكُتّاب، والكتاب في مختلف عواصم البلدان العربية فضلاً عن المعارض الدولية الأجنبية للكتاب التي تقام في مختلف أنحاء المعمورة،ناهيك عن المسابقات والجوائز التكريمية والتقديرية العالمية والمحلية التي تنظّم بين الفينة والأخرى في هذه البلدان حول الكتابة والكتاب وعالم الخلق والإبداع .

أيّ سِرٍّ أو سِحرٍ كامن فيك..؟

أيّ سرّ، أوأي سحر كامن بين أعطاف وأوراق وصفحات ودفّتي هذا الصديق الرفيق، والجليس الأنيس، والساهر السامر حتىّ تخصّص له هذه التظاهرات الهامّة، واللقاءات المتوالية داخل العالم العربي وخارجه..؟ما أصله..؟ ما قصّته وتاريخه وتطوّره..؟ ما هي معاناته..؟ ما هي المخاطر التي تحدّق به والتهديدات التي تلازمه وتلاحقه..؟ وما نوعيّة الجرائم والفظائع التي إرتكبت وما زالت ترتكب في حقّه..؟ما هي مآسيه ومحنه، وإغترابه وإستلابه ..؟ وأخيرا ماهي أخباره وحكاياته وطرائفه..ومكانته عند الخلفاء الأدباء والشعراء ..؟ فيما يلي سياحة عجلى في عالم الكتاب، الذي ما أن تلفظه المطابع حتى يصبح كائنا حيّا يدبّ على قدمين :

‘ الكتاب’ هذا الجليس المعلّم الوفيّ الصامت الناطق الصادق الذي رافق الإنسان منذ أقدم العهود، وما زال يلازمه، ويصاحبه، ويؤنسه إلى يومنا هذا، حتّى في زخم عصرالتطوّر التكنولوجي الهائل، وفي دنيا الإعلاميات، وما تطلع به علينا كل يوم من إختراعات وإستنباطات متطوّرة ومحيّرة في عالم الحواسيب، والعقول الإلكترونية، والإنترنيت وشبكاته العنكبوتية المتشعبة، واستعمالاته المذهلة من ذاكرة كومبيوتر، وكتبه الإلكترونية، والفايسبوك، والتلفاز وسواه من الجديد المتواتر الذي ما إنفكّ يفاجئنا به هذا العصر العجيب، مع ذلك ما زال الكتاب موجودا ومحبوبا ومطلوبا وحاضرا بقوّة بيننا،بل إنه ما فتئ يحتلّ مكان الصدارة بين ظهرانينا ورقيّا وإلكترونيّا.

القرطاس والقلم

بدأت الكتابة في العهود الغابرة من الأزمان في شكل صور تدلّ على معان ومدلولات ملموسة في الحياة اليومية للإنسان القديم، وقد تمّ العثورعلى الكثير من النقوش والصور والرموز التي تدل على معاني ومفاهيم معيّنة في منطقة الهلال الخصيب، خاصة في الحضارة السومرية قبل حوالى ستّة آلاف سنة، وقد عرفت الكتابة عندهم بالمسمارية أو الإسفينية، كما تمّ العثور في مناطق أخرى من العالم على بعض الرسوم والصورمثل تلك التي عثر عليها في كهوف ‘التاميرا’ في إسبانيا، و’لاسكو’ في فرنسا أو رسوم ‘ناسكا’ في البيرو عند شعوب الأنكا والموشيك وسواها من المناطق الأخرى من العالم . وفي مرحلة متقدمة من التاريخ البشري جاء الفينيقيون وابتكروا الكتابة مستعينين بالسومرية والمصرية القديمة، ثم جاء الإغريق وطوّروا أبجديتهم نقلا عن الفنيقيين، ثم أصبحت عندهم أبجدية خاصة بهم والتي أصبحت فيما بعد الأبجدية الخاصة بالغرب، ثم جاء الرومان وأخذوا الأبجدية الإغريقية، وقد سادت اللغة الرومانية واللاتينية في مختلف الأصقاع الأروبية بعد سيطرة الإمبراطورية الرومانية على بلاد الغرب. وجاءت الكتابة العربية متأخرة، وبدأت تنتشر في الأصقاع بعد أن قرّر الخلفاء الراشدون تدوين القرآن الكريم على عهد الخليفة عثمان بن عفّان، ثم انتشرت الكتابة العربية انتشارا واسعا مع إنتشار الدين الإسلامي الحنيف .والابجدية العربية مشتقة من الكتابة السامية التي اشتقت بدورها من الابجدية الفنيقية والتي وصلت العرب عن طريق الأنباط الذين تأثّروا بحضارة الآراميين وطريقة الكتابة عندهم. وفي القرن الثامن للميلاد شرع العرب في إستخدام الورق الذي إبتكره الصينيون بدلا من الرق أو الجلود، بعد ذلك أسّست مصانع للورق، وعنهم أخذته البلدان الأوروبية في القرن الثاني عشر.وقد أنشئ أوّل مصنع للورق في إنجلترّا في القرن الخامس عشر. وفي عام 1436إخترع ‘غوتينبرغ’ الطباعة فكان ذلك الاختراع قفزة عظيمة، وفتحا مبينا في تاريخ الكتابة ثمّ الكتاب الذي تمّ نقله من طور القرطاس والقلم، والمخطوط النفيس،الى المكتوب أو المطبوع الصقيل .

جريمة باب الرّملة

تعرّضت الكتب والمخطوطات منذ أقدم العصور الى المتابعة والمصادرة والرقابة والحرق والتدمير،فقد كان الكتاب منذ القدم هو الوسيلة التي تنقل بواسطته العلوم والمعارف وأسرار الحروب وخطط الدفاع والهجوم، وفيها كانت تسجل الاختراعات وأسرار الدول والصنائع، بل كان الكتاب هو السلاح الأفتك والوسيلة المثلى للتنوير والتعليم، وتثقيف العقول، وتهذيب النفوس، وتغذية القلوب، ونشر الوعي. وكان أوّل ما نزل من القرآن الكريم ‘إقرأ’. وفي سورة البقرة يرد اسم الكتاب (كتاب الله) فيقول جلّ من قائل: (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين).

وكانت كتب المسلمين في الأندلس تثير الرعب والهلع في قلوب الإسبان المتزمّتين منهم، في حين كان يحتفي ويعنى بها آخرون، فهذا الكاردينال سيسنيروس أمرعام 1501م بحرق مكتبة ‘مدينة الزهراء’ التي كان بها ما ينيف على 600000 مخطوط،  وكان مسرح هذه الجريمة مكان يسمّى ‘باب الرملة’ بغرناطة وهي ساحة كبرى معروفة ما زالت موجودة بها بنفس هذا الإسم العربي القديم حتى اليوم، يؤمّها السيّاح من مختلف أنحاء العالم، ويشرئبّون بأعناقهم لمشاهدة اللوحة الرخامية التي كتب عليها هذا الاسم الذي أصبح لصيقا ومقرونا باسم هذا الكاردينال ولكنهم لا يعرفون شيئا عن فعلته الشنعاء، وجريمته النكراء التي دمّرت واختفت على إثرها العديد من المخطوطات وأمّهات الكتب النفيسة التى أبدعها علماء أجلاء في مختلف حقول العلم، وفروع المعارف بالأندلس، ويقال إن الجنود الذين كلّفوا بالقيام بهذه المهمّة كانوا يخفون بعض هذه الكتب أثناء إضرامهم النار فيها في أرديتهم لفرط جمالها وروعتها إذ كان معظمها مكتوبا بماء الذهب والفضّة، ولقد ظلّت هذه الحماقة الهوجاء وصمة عار، ونقطة قاتمة في التاريخ الأسود لإسبانيا المتزمّة إبّان محاكم التفتيش .

وقد وصف لنا العديد من شعراء الاندلس بحسرة ما بعدها حسرة في هذا السياق كيف أنّ الإسبان بعد حروب الاسترداد كانوا يحرقون الكتب والمخطوطات والمصاحف ويلطّخونها على مرأى من المسلمين، وفي ذلك أشعار كثيرة مؤلمة منها هذه الأبيات التي يخبرنا فيها شاعر أندلسي متحسّرا أنّ ‘سلطان الإسبان وكبيرهم’ قد فعل بهم كيت وكيت من الفظائع والأهوال، إلى أن يقول:

وأحرق ما كانت لنا من مصاحف وخلّطها بالزبل أو النجاسة

وكلّ كتاب كان في أمر ديننا ففي النار ألقوه بهزءة وحقرة

ولم يتركوا فيها كتابا لمسلم ولا مصحفا يخلى به للقراءة

وها هو ذا التاريخ يعيد نفسه في بلدان أمريكا اللاتينية حيث قام الاسبان عند إكتشافهم لها بحرق العديد من المخطوطات والكتب القديمة التي تعود لشعوب المايا والأزتيك في المكسيك، ولشعوب الإنكا والموشيك في البيرو، وقد تمّ ذلك أمام أعين أربابها السكان الأصليين في هذين البلدين وفي سواهما من بلدان أمريكا اللاتينية.

وحرق الكتب أي تدميرها بالنار يجري في بعض الأحيان لأسباب أخلاقية أو سياسية أو دينية أو إنتقامية. وقد يتمّ التخلّص من الكتب سريّا كما حدث لملايين الكتب التي تمّ إحراقها في الكتلة الشيوعية الشرقية قبل سقوط حائط برلين .ويذكر لنا التاريخ العديد من الأمثلة لهذه الجرائم التي لا تغتفر. فبالإضافة الى حرق كتب المسلمين في الأندلس،وكتب المايا والإنكا في المكسيك والبيرو نذكر حرق الكتب على عهد أسرة ‘ تشين’الصينية، وحرق النازيين لكتب خصومهم في أوروبا.وتعتبر عمليات حرق الكتب جرائم في حق العلم والفكر والإنسانية والتاريخ.

محنة خزانة المنصور الذهبي وابنه زيدان

يظنّ الكثيرين أن مكتبة الاسكوريال الشهيرة القريبة من مدريد المليئة بالمخطوطات العربية الثمينة هي من مخلفات العرب في اسبانيا، والحقيقة أنّ محاكم التفتيش الكاثوليكية كانت أحرقت كلّ الكتب العربية أينما وجدت، ولم يبق بعد خروج المسلمين من شبه الجزيرة الايبيرية كتب عربية تستحق الذكر .وفي أيام السعديين بالمغرب كان المنصور الذهبي مولعا باقتناء الكتب وجمع منها خزانة عظيمة، وسار خلفه ابنه زيدان على سنته في الاهتمام بالكتب، فنمّى الخزانة التي كانت عند والده.ولمّا قام عليه أحد أقاربه واضطرّ للفرار كان أوّل ما فكر فيه خزانة كتبه فوضعها في صناديق ووجّهها الى مدينة آسفي لتشحن في سفينة كانت هناك لأحد الفرنسيين لينقلها الى أحد مراسي سوس. فلمّا وصلت السفينة إنتظر رئيسها مدّة أن يدفع له أجرة عمله، ولما طال عليه الامر هرب بمركبه وشحنته الثمينة، فتعرض له في عرض البحر قرصان إسباني وطارده حتّى إستولى على المركب الفرنسي وأخذ الصناديق، فلمّا فتحوها ولم يجدوا بها الا الكتب، فكروا، من حسن الحظ أن يقدّموها هدية لملكهم. ولما وصلت هذه الكتب الى الملك فيليبي الثاني، الذي كان منهمكا في بناء الدير الفخم للقدّيس ‘لورينثو ‘ بالمحل المسمّى الإسكوريال أوقفها على هذا الدير، وهي التي لا تزال الى اليوم موجودة به، ويقصدها العلماء من كل الأقطار للإستفادة من ذخائرها ونفائسها الثمينة .

طرائف الكتاب

كان العرب يعنون عناية خاصة بالكتب، وكان الكتاب وما يزال يحظى عندهم باهتمام بالغ، وقد جمع الخلفاء في المشرق والمغرب الآلاف من أمّهات الكتب والمخطوطات، فهذه مدينة قرطبة كانت تحفل بالمكتبات وأروقة العلم وبيوت الحكمة، كانت تزيّن خزانة ‘الحكم المستنصر’ بها (861-976 م) أزيد من أربعمائة ألف مخطوط، هذا الرجل الذي قال عنه ‘بول لين’ إنه دودة كتب، والذي عنه يقول ابن خلدون: ‘إنه جمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله’. كما إعتنى هارون الرشيد في المشرق بجلب العديد من الكتب والمخطوطات من الديار التي فتحها. وقد بلغ نشاط بيت الحكمة ببغداد ذروته على عهد الخليفة المأمون الذي أولاه عناية خاصة ووهبه كثيرا من ماله ووقته. وأهمّ ما ميّز بيت الحكمة الخزانة العظمى التي كانت بها وقد تمّ تدمير العديد من نفائسها على يد المغول عام 1258 م.

كان العلماء العرب يحبّون الكتب حبّا جمّا، وقد شغفوا بها شغفا كبيرا، الجاحظ مات تحت أكوام كتبه، وكانوا يتحمّلون المشاق وعناء السفر لطبع كتبهم أو إقتنائها أو بيعها، وفي الأندلس كان يقال: إذا أفلس عالم في غرناطة باع كتبه في قرطبة، وإذا أفلس موسيقيّ في قرطبة باع أدواته في غرناطة. وكانت إعارة الكتب شيئا ممقوتا عندهم، وكان شاعرهم يقول في ذلك :

ألا يَـا مُـسْـتَـعـيـرَ الــكُـتْـبِ دعْــنِــي

فَــإنَّ إعَـــارتــي لـلـــكُــتْـــبِ عَـــارُ

و مَــحْــبُـوبـي مــنَ الـدنْــيَــا كِـتـابٌ

و هَـلْ أبْـصَــرتَ مـحـبـُـوبــاً يُــعَـــارُ

وكانوا يقولون إنّ الكتاب الذي يعار لا يردّ إلى صاحبه، وهم محقّون في ذلك، إذ يحكى أن الكاتب الفرنسي’ إميل زولا” زاره ذات مرّة أحد أصدقائه في بيته، وعندما بدأ الصديق يطّلع ويتفقّد مكتبة’ زولا ‘الكبيرة، فيأخذ كتابا يتمعّنه ثم يردّه إلى مكانه في رفوف المكتبة، وفجأة وقع نظره على كتاب كان يبحث عنه منذ مدّة، فقال لصديقه  زولا : هل لك أن تعيرني هذا الكتاب إنني أبحث عنه منذ مدّة طويلة ؟ فقال زولا له على الفور: لا، لا أستطيع أن أعيرك إيّاه، فالكتاب الذي يعار لا يردّ إلى صاحبه أبداً، والدّليل على ذلك أنّ معظم الكتب التي ترى في هذه المكتبة معارة.!

وقال أحد الكتّاب الكولومبيين :إنّ الذي يعير كتاباً إقطع له يداً واحدة، أمّا الذي يردّه الى صاحبه فاقطع له الاثنتين .!

وكان برنارد شوّ يتجوّل ذات مرّة بسوق الكتب القديمة، وفجأة وقع نظره على كتاب له كان قد صدر مؤخراً، وكان قد أهداه لأحد زملائه الأدباء، فباعه هذا الأخير دون أن يفتح أوراقه التي كانت لا تزال لصيقة ببعضها كما كانت تصدر الكتب في ذلك الوقت، فاشترى شوّ الكتاب، وكتب تحت الإهداء القديم : برنارد شو يجدّد تحيّاته، ثمّ بحث عن صديقه وسلّمه الكتاب من جديد..!

وكان أمير الشعراء أحمد شوقي يقول:

أنا من بدّل بالكتب الصّحابا    / لم أجد لي وفيّا إلاّ الكتابا

ونختم هذه العجالة ببيت المتنبّي المشهور:

أعزّ مكان في الدّنى سرجُ سابحٍ    /  وخيرُ جليسٍ في الزّمان كتابُ.

******

*كاتب من المغرب ،عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم  كولومبيا.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. كلما قرات عن الأندلس تذكرت أجدادي العظماء لمل حسرة وألم من أرادوا خيراً للبشرية بالعلوم والمعرفة بينما كانت أوروبا تتخبط في ظلمات الجهل والخرافات … رحم الله أجدادنا وغفر لهم من سبقونا بالإيمان وتقطعت بهم السبل وأوذوا في سبيل الله وقاتلوا وقتلوا؛ أن وقالوا ربنا الله!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here