د. السيد الزرقاني: فن الارتجال في ديوان “الخالة ” للشاعرة” سعدية عبد الحميد”

د. السيد الزرقاني

– “انا شفت عين من الآسي باكية وشكيانة

وعين من كتر ….إلهنا هايمة وسرحانة

– هكذا تطل علينا الشاعرة الارتجالية ” سعيدة عبد الحميد” في ديوانها الأول تحت عنوان “الخالة ” وهو ليس من اختيارها بل ربما جاء الاختيار من الدكتور مصطفي النجار  الذي تحمل عبء نشر هذا الديوان أيمانا  منه بتلك الموهبة  التي جاءت من الريف لا تحمل ورقا ولا فلاما بل تحمل في عقلها  فكرا ولونا أدبيا  ،ليس بالجديد بل هو أصل الفن والأدب العربي فيما قبل الإسلام ،حيف كانت معظم القصائد والقصص والروايات شفهية تحكي في حفلات السمر الليلي في خيام وأسواق العرب ،حتي جاء التدوين في القرن الثاني الهجري ،الشاعرة في ارتجالها لم تحدد نوعا  معينا تصول وتجول فية بل جاءت شاعريتها  متنوعة في كل المجالات و”الخالة” هو إيقاع لحني شعري متوارث عند العرب يعود أصل الزجل اللحني إلى العصر الجاهلي، وكان من أشهر الزجالين الشاعرة الخنساء، ينتشر الزجل بشكل كبير في لبنان وشمال فلسطين وشمال الأردن وغرب سورية.

الزجل هو فن من فنون الأدب الشعبي، وهو شكل تقليدي من أشكال الشعر العربي باللغة المحكية.

وهو أيضًا ارتجالي، وعادة ما يكون في شكل مناظرة بين عدد من الزجالين “شعراء ارتجال الزجل” مصحوبًا بإيقاع لحني بمساعدة بعض الآلات الموسيقية.

وتعني “الزجل” بالعربية “الصوت”، والزجل في اللغة هو التصويت والتطريب، وهو اسم أطلقه الأندلسيون على شعرهم العامي الذي شاع، وأشتهر في القرن الثاني عشر الميلادي، خاصة على يد ابن قزمان وجماعته.

وفي أوائل القرن العشرين، أطلق اللبنانيون وصف “الزجل” على شعرهم العامي، إذ كان يعرف قبل ذلك في سوريا ولبنان، بـ “القول” أو”المعنّى”.

كما كان يسمى الشاعر “بالقوّال”، وكان يعرف في فلسطين بــ “الحدا” أو “الحدادي” وعرف الشاعر بال”حادي”

يقول صفي الدين الحلي أن مخترعي الزجل هم أهل المغرب العربي، ثم انتقل إلى العراق وباقي الدول العربية.

ويعتبر الأندلسيون السبّاقون في مجال الشعر المحكي، إلا أنّ الشعب الذي عاش في جبال لبنان، مما عنده ثروة طبيعية ضخمة وفنون متعددة أضاف العديد من ألوان الشِّعر الشعبي.

ولئن كان الشعر الشعبي نتيجة طبيعيّة لظهور اللّغة العاميّة، فإنّه من الثابت أنّ تطورّه في لبنان كان بتأثير الألحان السريانية الكنسية. وقد أشار ناقدنا المتميز “حسام عقل” ان الإنسان المصري يميل بطبيعته إلي الإيقاعي اللحني في تعاملاته اليومية  في كافة نواحي الحياة  وهذا ينصب تلقائيا ، في بوتقة الإبداع الشعري عامة والشعر العامي بصفة خاصة  وطذا مجال الأغنية وتطورها ، وفي ديوان” الخالة “نجد الارتجال الموسيقي في الشعر التمثيل الغناء والموسيقى والإنسان معظم أفعاله ارتجاليه ومن التاريخ قد اعتمدت الموسيقى منذ القديم على الارتجال في الأداء، إذ إن الارتجال، عموما، هو من أصول الموسيقى الشعبية. المغنين العرب يرتجلون البرنامج المفضل أكثر وكان الشعر ومع لحنه في آثنآء الغناء. وبقيت هذه الظاهرة واضحة في كثير من أنواع الغناء الشعبي، ويكون الارتجال فيه إما كلاما أو لحنا أو كليهما معا، حيث نجد الشاعرة تبدء الديوان بقصيدة ” عيون البشر”حيث تقول :

انا شفت عين من الاسي باكية وشكيانة

وعين من كتر الهنا هيمانة وسرحانة

وعين في عشق  النبي بايتة وسهرانة

وعين سجدة لربها  ع الارض بكيانة

هنا الشاعرة أخذتنا في تنقل هادئ وجدانيا بين  أربع صور متنوعة   وكل منهما في اتجاه مختلف ففي الأولي  أخذتنا الي العين الباكية من كثرة القسوة المجتمعية والحياتية وعي لحظة فارقة في حياة الإنسان عندما تقسو عليها الحياة  وفي الثانية انتقلت بنا الي طريق مضاد تماما  إلي العين الحالمة من كثرة السعادة والراحة الحياتية  وفي الثالثة تتحول الي قمة التصوف في رحاب الني “صلي الله عليه وسلم  وفي الرابعة حالة روحانية وهي السجود لله  والخشوع فيها والبكاء والتذلل  إلي الله طمعا في الرحمة  والعفو والمغفرة

– وفي  فصيدة “جمال مصر ” نجدها تأثرت بما ترسب في وجدانها  السمعي من صور جمالية في إشعار  الخال ” عبد الرحمن الابنودي ” تارة وتارة أخري بإشعار سيد حجاب الوطنية وراحت تغزل علي منوالهما الشعري قصيدتها ولكن بثقافتها ولحنها الإيقاعي الذي يميزها عن الآخرين حيث تقول :

الله عليك يا ام الملاية اللف

خليتي عقلي يدور

 ويلف ويجلك

ويلف ويدور

ويجود علي نيلك

وعيونه تسرح فيه

هنا الشاعرة حاولت رسم الصور الجمالية في مصر في ثوبها البلدي والملاية اللف التي كانت تميز كل نساء مصر قديما خاصة في المناطق الشعبية  ، التي رسمها كاتبنا العظيم نجيب محفوظ في رواياته العديدة  ، النيل الذي يعتبر ملاذ لكل المصريين المهمومين في حياتهم ، حيث تؤكد شاعرتنا ان النظر الي النيل هو حالة التوأمة بين المصريين والنيل

وفي قصيدة “علي حناحك نطير ” نجد ان الشاعرة الارتجالية “سعيدية عبد الحميد ”  تنتقل بينا الي عالم أخر وهو كتابة الأغنية ليس هذا فحسب بل وتلحينها وأدائها وقد سعدت في احدي الندوات بالاستماع إليها  ونالت استحسان الجميع ، وهي حالة رومانسية جميلة تطرحها الشاعرة علي مسامعنا  حيث تقول :

 – علي جناحك يادنيا خدينا

علي جناحك خدينا

لابعد مكان ودينا

ويلا متعينا يادنيا يلا متعينا

دا إحنا الاتنين أحبة

وأوعي تفرقينا

-حالة من حالات السمو والعشق والحلم في مذهبها الغنائي و نجحت في رسم تلك الصورة الإبداعية  الناضجة ،”لابعد مكان ودينا”…..”دا إحنا الاتنين أحبة وأوعي تفرقينا “

– وفي قصيدة ” نبينا الزين ” نجد الشاعرة تدوة في فن الرباعيات الشعرية وهي حالة من حالات التطور في شكل القصيدة العامية ولجاء إليه كثير من الشعراء المصريين مثل شاعر الجنوب ” عبد الستار سليم ” والابنودي ” وغيرهم الا انها عاشت مع هذا الثراء الإبداعي في قصيدها البسيطة في مجملها والبليغة في تناولها حيث تقول :

نبينا الزين كحيل العين

دارت علية اليمامة

والعنكبوت شد الخيوط

ومخافش يوم الملامة

الشاعرة  تمتلك من الخيال الفني ما يجعلنا نحلق معها في دور شعرية في غاية الجمال والإبداع  فهي تمتلك تلك المهارة التي تجعلها ترسم بالكلمات أجمل اللوحات التعبيرية من خلال هذا الخيال الخصب  مما جعل القصائد عبارة عن لوحات تشكلية تجانسن فيها الألوان بيد فنانة رقيقة المشاعر

وأخير ان إصرار الشاعرة علي كسر النمط المألوف بين اقرانها أعطاها تميزاً شعرياً وأن كانت مازالت في مفتتح الطريق الصعب بين المبدعات وتحتاج كثيراً إلي ثقل تلك الموهبة وتعدد أفكارها من خلال وعاء ثقافي هي قادرة علي الخوض في مناهله والاستزادة منه حتي تبلغ العلي ولكني أؤكد أنها تمتلك تلك المقومات التي تأخذها إلي مبتغاها في درب الإبداع الشعري

 كاتب وناقد أدبي – مصر

– للتواصل zrkany.sa@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here