د. السيد الزرقاني: “ستانلي” أنشودة الحب و البقاء  للكاتبة “ريم أبو عيد” 

 د. السيد الزرقاني

“من عاش بلا مبدأ مات بلا كرامة.. ومن عطل عقله عن العمل عاش ومات كالبهيمة”

– علي درب الإدهاش والإبهار جاءت رواية “ستانلي” الجزء الثالث من ثلاثية الإسكندرية  للكاتبة ريم أبو عيد، حيث تعتبر هذه الرواية نقلة نوعية في تطوير لغة السرد الروائي، بتقنياتها المتعددة الأساليب في الحبكة الفنية الحديثة. وحتى التطوير في منصات الضمير المتكلم، الذي يجمع صوت السارد والمسرود وصوت الكاتب. أي أن هناك تداخل بين صوت بطل الرواية أو الشخصية المحورية، وصوت الكاتب أو (السارد العليم) والمنولوج الداخلي في حواس المشاعر الداخلية، هذا التنوع بالصياغة التعبيرية وأدواتها السردية. وظفت في براعة متناهية أسلوب التداعي الحر، الذي يسلط الضوء الكاشف على العالم الداخلي في الشخصية. هواجسه في التوجس في القلق الحياتي الذي يلفها بالخوف والرعب، أو كشف كابوس الحالة النفسية والسيكولوجية لهواجس الذات. في تدفق الأحداث الجارية وفي صراع الذات، إن الرواية استخدمت، حركة استرجاع الماضي في خزين شريط الذاكرة (فلاش باك) والنافذ التي يطل من خلالها على الواقع ومنصات تداعياته الجارية، أو في العالم المحيط به، يراقب ويرصد ويلاحظ تحولات الواقع والشارع. في مؤثراته، في صياغة الوضع العام القائم للواقع. أي إننا بصدد الزخم في الوصف والتصوير للعالم الداخلي والخارجي، بهذا الكم الهائل من الأحداث الجارية والمتلاحقة، في أسلوب توظيف التداعي الحر الذي يكشف بانوراما الحياة والواقع. ولذلك جاءت تلك الرواية لتطرح علينا العديد من المعادلات الصعبة في العلاقات الإنسانية والاجتماعية عبر انطلاقة من نهايات أزمنه متعددة، حاملة بداخلها أطروحات  متعددة وتدفع القارئ إلي حالة من حالات التخيل البصري والزمني عند الانخراط في تلك الرواية التي تعد علامة متميزة في البناء الأدبي والفني بما تحمله من رؤى متعددة، وصراع مشوق بين شخوص أراها قد أحسنت الاختيار في المسميات  الزمنية والمكانية لتحريكها لهم علي مسرح الرواية من خلال تبني نظرية سردية في غاية الجمال،  حتى أن القارئ لا يمكنه الهروب من بين السطور بما تحمله من إسقاطات رمزية أضافت إلي النص الأدبي الكثير من القيم  الأدبية التي تتميز بها الكاتبة، فهي تعشق عبق الماضي بكل مؤثراته الزمنية والمكانية وتنسج حكايات مترابطة المضمون والأفكار والرؤى  تأسر القارئ داخل مكنون اللغة الجميلة بأفكار وصراعات،  تحلق فيها بكل استمالة وإثارة، ثم تهبط في نهايات منطقية ليولد عالم جديد في واقع حياتي، حيث  نجدها تواصل المسيرة في نص أدبي جديد والذي يعد استكمالا لروايتيها السابقتين ” متروبول وسان ستيفانو “والتي أشارت إليها في أكثر من موضع بالرواية.  إن الكثير من القصص حول الإسكندرية مازالت ممتدة في المستقبل، فهي تعتمد دائما علي إنهاء حدث ليبدأ بداخلها حدث جديد وأقصوصة جديدة وبطل جديد في حس روائي جديد وهذا ما نراه في مقدمة الرواية  حيث تقول في مستهلها ” كان أول ما دونت، هو تفاصيل لقائي بذلك الغريب الذي التقيته في الإسكندرية قبل رحيلي، يحيى غريب. أطلقت عليه اسم الغريب ربما لأنه غريب حقًا عن الزمان والمكان مثلي، أو ربما لأني لم أصادف مِن قبل مَن هو مثله في زمننا هذا. أعني من يكرس حياته من أجل قضية يؤمن بها، ومن يدافع عن الجمال في كل الموجودات من حوله. ما زلت من آن لآخر أتأمل تلك الصور التي أهداني إياها قبل مغادرتي للإسكندرية وأرى الجمال الكامن في تفاصيلها. أهي جميلة بالفعل إلى هذا الحد؟ أم أن عدسته هي التي أضفت ذلك الجمال عليها؟

– واحتفاظ الكاتبة باسم” يحيي الغريب” هو من قبيل الربط الضمني بين الجزء التاني والثالث  بالإضافة الي تلك الانطلاقة من الإسكندرية  ونجحت في  الإمساك بعناصر الحدث والأبطال ففي الفصل الثاني نجدها تقول ” تنهد بحسرة على ما آلت إليه أحوال الإسكندرية والحي العربي الذي يقطنه هو وغالبية المصريين من أهالي الثغر وممن وفدوا إليه من مدن مجاورة، إذ ترجع أصول عائلته إلى مدينة رشيد، وكان دائمًا ما يتفاخر بين جيرانه في الزقاق الذي يسكنه بحي اللبان بأن أباه كان في طليعة المقاومة الشعبية ضد الإنجليز في رشيد حين أتى إليها فريزر غازيًا.” ومن هنا كان انطلاق الكاتبة الي عالم السياسة خاصة عملية المقاومة الشعبية في الاسكندرية ضد أي غاز أو محتل. ونجحت بعبقرية فائقة في تحريك هذا العنصر بشكل سلس دون عوار يصيب البناء الدرامي وهذا ما نشاهده في الفصل الرابع  حين تقول: “كانت تلك كلمات صادق الرشيدي وهو يجلس وسط نفر من الناس، اعتادوا التجمع كل مساء، بعد يوم المذبحة في بيت شحاته ملاك  – الذي كان يعيش فيه بمفرده  – للتحدث في شؤون البلاد والعباد بعيدًا عن أعين الرقباء. لم تصفُ سماء الإسكندرية بعد ذلك اليوم، لم تعد كما كانت من قبله، مثلما لم تعد حياة صادق الرشيدي كما كانت قبل ذلك اليوم المشؤوم.

   أصبح ثائرًا على كل الأوضاع، وكأن روح جده بعثت فيه من جديد، بل بات يحث جميع من يعرفهم على التصدي لكل جائر في الثغر، ولكن الحكمة التي ورثها عن جده حالت كذلك دونه ودون أية حماقة أو تهور. تصدى لكل محاولات إثارة الفتن بين مسلمي ومسيحي المدينة، والتي زعم مروجوها أن المذبحة كانت بين مسلمين ومسيحيين. بذل قصارى جهده لكي يُفهِم العامة بأنها كانت بين مصريين أصحاب حقوق في بلدهم، وبين وافدين أوروبيين منحتهم قنصلياتهم امتيازات جائرة، جعلتهم متغطرسين في تعاملاتهم مع المصريين.”

– الكاتبة بطبعها تحاول الربط القوي بين ما هو خيالي وما هو واقعي  وهذا ليس بالأمر الهين أو السهل لأي كاتب، لا يقدم عليه إلا المتمكن  في طريقة السرد القصصي، والقارئ الجيد للمشاهد  الدرامية  داخل الحدث. وأعتقد أن “ريم أبو عيد” من الكاتبات المتمكنات من ذلك، مثلما ظهر  في كتابات بعض الروائيين الكبار مثل نجيب محفوظ في ” حديث الصباح والمساء” حيث اعتمد علي الانطلاق مما هو خيالي للوصول إلى الواقع، والكاتبة في الفصل الثالث أخذتنا إلي تلك الحاله الخيالية من خلال مشاهد لقطة تظهر وتختفي لا يراها إلا البطلة  حيث تقول: “نهضتُ من الفراش وبحثتُ عن أبي بين أرجاء البيت فلم أجده.  خمنتُ أن يكون في حديقة المنزل يتناول قهوته ككل يوم، فاتجهت إليها، وقبل أن أصل إلى الباب الزجاجي الذي يفصل بينها وبين غرفة الاستقبال، لمحتُ قطة بيضاء تجلس أمام الواجهة الزجاجية ونظرها مصوبًا نحو الحديقة تطالع حركة الطيور على الأشجار.  تعجبتُ من وجودها لأني لم أرها من قبل منذ مجيئي، ظننتُ في أول الأمر أنها أتت من إحدى البيوت المجاورة، وتسللت إلى بيتنا، ولكن الغريب أنها كانت تجلس باسترخاء تام وكأنها اعتادت الجلوس في هذا المكان.  والأغرب أن الباب الزجاجي كان مغلقًا، فازداد تعجبي، إذ كيف دخلت إذن إلى غرفة الاستقبال؟!”

– وفي الفصل الخامس تأخذنا الكاتبة إلى تلك الحالة النفسية لاسترجاع تلك العلاقات  العاطفية لتصنع مشهدا دراميا جديدا عندما تتذكر عمر الذي تركته في مصر فنجدها تقول: ” فكرت في مغادرة لندن حتى لا أشكل عبئًا نفسيًا عليه، ولكني لست مستعدة بعد للعودة إلى مصر، ما زلت أحمل بقايا حنين لعُمَر، وأخاف أن يخذلني قلبي أمامه من جديد، ولكي أقطع عليه كل سبل العودة حذفت جميع تطبيقات ومواقع التواصل من على هاتفي المحمول منذ اليوم الأول لي هنا. انعزلت تمامًا عن كل ما له صلة بالعالم الافتراضي، وامتنعت عن استخدام أية وسيلة من شأنها أن تجعل اتصاله بي أمرًا يسيرًا،”  الكاتبة رغم أنها  تسير  بالرواية في خطوط متوازية إلا أنها تحرص على إيجاد مناطق للتقاطع العرضي فهي تشير إلى وسائل التواصل الحديثة مثل الفيس بوك أو  الواتس أو غيره لتؤكد على الحضور الزمني رغم بعد المكان بينها وبين عمر.  ونجحت في توظيف تلك الوسائل في مواضع عدة لتجعلنا نتعايش في كل زمان علي حدة.

– في الفصل السادس وكما هي عادتها تحرص “ريم أبو عيد” على الغوص في بحر لغتها البليغة لتسرد لنا جملا عبقرية في اللفظ والمعني  والحكمة حيث تقول: ” ليس هنالك أفظع من أن تمتلىء نفسك عن آخرها بشعور مرير بالقهر. أن تُغتال أحلامك وآمالك أمام عينيك، أن يُقبر صوتك فلا تستطيع التأوه مهما تعاظمت آلامك. ما أقسى أن تحيا الموت بعد أن ماتت بداخلك كل تفاصيل الحياة.” لم يكن البعد الزماني هو ما يشغل الكاتبة فحسب، بل كان البعد المكاني أيضا، حينما يتنقل أبطال الرواية ما بين المركز الرئيسي وهو مدينة الإسكندرية،  ولندن حيث بلد الغازي الذي حاول تدمير المدينة، والقاهرة بما تحويه من عمق تاريخي  في أزمنة مختلفة. ويبدو التأثير الكبير للروايات التاريخية علي طريقة السرد لدي الكاتبة فهي تحاول نقل تلك الصور الحسينية في القاهرة القديمة  بما يحتويه هذا الحي  من ذكريات كبري في مقاومة الحملة الفرنسية واجبار قادتها علي مغادرة البلاد  فنجدها تقول: ” مرّت الأيام به ثقيلة، مضنية. لم يخفف من وطأتها على نفسه سوى صلواته الدائمة في المسجد الحسيني الذي يقع على مقربة من المنزل.  كانت المرة الأولى التي يأتي فيها إلى القاهرة، ولولا صديقه شحاتة لكان الآن بلا مأوى. أمضى مساءاته القليلة الأولى يطوف بأرجاء الخان العتيق، الذي أسسه السلطان جاهركس الخليلي أحد المماليك الجراكسة في عام 1382م، على أنقاض تربة الزعفرانة التي ضمت رفات الخلفاء الفاطميين قبل ذلك التاريخ، ليصبح الخان في عهد المماليك واحدًا من أسواق القاهرة الثمانية في عهدهم.  رغب في العودة مرة أخرى إلى الإسكندرية”.  وتستمر الكاتبة في رصد تلك الصور المحتمعية التي تنتشر في المدن المصرية، والتي نجحت في توظيفها بشكل جيد لخدمة البناء الدرامي وتطوره حيث الدور الرئيسي للمثقفين في التجهير في المقاومة من خلال تشكيل الجماعات السرية أو التحركات العلانية ضد الغزو الجديد، فنقلت لنا تلك الصورة القاهرية حيث تقول: ” فزع صادق وكاد قلبه أن يتوقف، ثم حوقل مشفقًا على حال المجذوب.  أحس بيد تجذبه من ذراعه إلى داخل باحة السبيل، كانت يد الشيخ أمين سلامة، الذي سمع صوت المجذوب من الداخل فخرج لاستطلاع الأمر.

   صعد الشيخ بصادق إلى الطابق العلوي من السبيل حيث يجتمع بعض الأشخاص على ضوء مصابيح خافتة وقدمه إليهم، ليبدأ صادق رحلته الطويلة معهم في النضال ضد كل من أتى إلى بلاده طامعًا أو غازيًا.”

-وتنتقل بنا الكاتبة إلى عمق الحدث لتقطع علينا حالة الدهشة الزمنية في روايتها من خلال علاقتها ب”أحمد” وتحاول الهروب من “عمر” في علاقة وضعت قواعد لها وأساس زماني ومكانيـ وتحاول الربط بين ما هو ماضي بما هو حاضر  حيث نجدها في الفصل السابع تحاول ربط هذا التشتت الذهني مع خلق واقع جديد ،حيث تقول في بدايته ” تذكرتُ فجأة ذلك الحديث الذي دار بين (سارة سمعان) و(أنطونيو جيانو) ذات حياة مضت، حين أعلن لها كراهيته لليهود، مما دفعها إلى إخفاء هويتها الحقيقية عنه وأدى إلى مصرعها في النهاية.  ولكني لست إنجليزية على أية حال حتى يكرهني أحمد. نفضت هذه الأفكار عن رأسي، وأمعنت النظر في وجهه، كانت ملامحه هادئة وكأن ما تفوه به طبيعي وعادي ولا يدعو للانزعاج بأي حال من الأحوال. ثمة غموض يكتنفه، لا أستطيع تفسيره، وربما لا أرغب في تفسيره لأني أستمتع بصحبته وحديث”  إلا أنها في نهاية هذا الفصل إلي بناء القاعدة التاريخية التي تحاول التأسيس عليها بين الأبطال الجدد في روايتها حيث تقول في نهاية الفصل السابع “

  • هو التاريخ إذن؟

  • بلى.. والتاريخ الذي يربط بيني وبينك طويل جداً يا سارة..

   قالها وهم بالرحيل، وتركني ذاهلة عن كل شيء، حتى أنني لم ألحظه وهو يتوارى تمامًا عن ناظري، وكأنه يتعمد إبقائي معلقة على مشجب الحيرة حتى موعد اللقاء التالي بيننا. وكأنني ما عدت أملك من أمري شيئًا أمام رغبتي العارمة في اكتشاف ذلك المجهول الذي يطل من نافذة عينيه العميقتين، ويشدني معه إلى بئر سحيق محفوف بالمخاطرة.

– “ريم أبو عيد” تهتم بشكل كبير بالتحليل النفسي لكل شخوص روايتها حتي لو كان تواجده بين سطور الرواية بسيط جدا وكما نجحت في ذلك من خلال الأجزاء السابقة من الثلاثية  نجدها الآن  تحتاج إلى ذلك في إثارة الحدث وتصاعده وخلق بيئات للتصاعد الدرامي من خلال السرد النفسي والعلمي وتحاول نقل العلوم الأخرى من خلال نص أدبي متكامل  فنجدها في الفصل الثالث عشر تقول ”  هل يخدعني قلبي للمرة الثانية، أم أقول الثالثة، فعمر وأنطونيو، لم يكونا ذات الشخص وإن كانت الروح التي سكنت كل منهما واحدة

   وصل السائق بعد حوالي نصف ساعة، ركبت السيارة وأنا ذاهلة تمامًا عن كل ما يحيط بي، أفكر في أحمد، هل أبلغ الشرطة عنه، وعما أعلنه لي من كراهيته للإنجليز، كما يحتم عليّ الواجب الإنساني ولكي أريح ضميري، أم أنتظر حتى موعدي معه في الغد وأواجهه بكل شكوكي، وانفجرت في البكاء وارتفع صوت نحيبي والسائق يتأملني من خلال المرآة المعلقة في أعلى زجاج السيارة الأمامي، بوجه بارد خالٍ من أي تعبير.” تتصاعد الأحدث الدرامية بين البطلة وأحمد حتي يأتينا  الرد القاطع بل والصادم علي لسانه فيقول: ” فمن لا يقرأ التاريخ جيدًا.. لا يستطيع حماية الجغرافية من أطماعهم.. صحيح أن التاريخ ليس منصفًا دائمًا.. ولكنه على الأقل يمنحنا الفرصة لسماع أحاديث من دفنوا بين صفحاته..” وربما تكون تلك حكمة الكاتبة في إنتاجها الأدبي المتشعب  بل ومعظم  الأحداث التاريخية العالقة بذهنها فيما تكتبه، وتلك ميزة تميزها عن أقرانها في مجال الكتابة الروائية. الكاتبة دائما تجنح إلى الخيالي والأحلام واللامعقول  لتخلق حدثا دراميا يماثل واقعا ربما لم تعايشه في حداثة عمرها بل تتعايش معه على الورق وربما  هذا ما جعلها  تقول علي لسان أحد ابطال روايتها: “اقرأي التاريخ بعقلك لا بعينيك.. استمعي إلى من يروونه بضميرك لا بأذنيك.. وستعرفين كل شيء.. وستفهمين الحقيقة.. فمن لا يقرأ التاريخ جيدًا.. لا يستطيع حماية الجغرافية من أطماعهم.. صحيح أن التاريخ ليس منصفًا دائمًا.. ولكنه على الأقل يمنحنا الفرصة لسماع أحاديث من دفنوا بين صفحاته..”

– الرواية في مجملها تحمل حالة من حالات التضاد الروحي والمعنوي بين شخوص من زمن مضي وشخوص أحياء في قلب الحدث. إلا أن الكاتبة برعت في إيجاد وسائل حريرية روحية، ربما في خلق حالة الترابط الأبدي بينهاـ ولذلك لا يمكن أن نتكهن بانها  سوف تنهي الثلاثية بتلك الرواية، ولكني أتوقع المزيد من الأجزاء  الدرامية، فما زالت الإسكندرية تحمل في جعبتها المزيد من الأحداث ما تثير غريزة الكتابة الدرامية في نفوس المبدعين سواء في مصر أو خارجها من رواد المدينة،  ونجد الكاتبة في لحظة تأمل ذاتي تتوحد مع البطلة  حيث تقول: ”   لا أنكر أن كريم يتمتع بشخصية قوية ذات (كاريزما) عالية، لديه قدرة على جذب انتباه من حوله دونما حديث، وكأن حضوره وحده كافٍ لتتوجه إليه كل الأنظار.  ولا أنكر أيضًا، أنه كان يثير إعجابي في جوانب كثيرة، ولكنه مجرد إعجاب لا أكثر، فقلبي يمتلكه شخص آخر، وعقلي منشغل بالتفكير في رجل آخر، وروحي هائمة في ملكوت روح رجل آخر.”

– تلك الرواية  تحتوي على العديد من القصص كلها معزوفة على وتريات الرجل والمرأة في علاقات متعددة تختلف باختلاف الزمن ومرور العلاقة بينهما، وتطورها سواء بالشكل السلبي أو الإيجابي، إلا أنها كانت حريصة كل الحرص على إظهار هذه العلاقات في شكلها المرضي لها ولثقافتها الممزوجة بين الحاضر بكل أبجدياته المعلوماتية وتقنياته الحديثة والماضي بكل مفرداته المكانية والزمنية ومسماياتة اليومية ، حيث تقر بان اللذة والألم وجهان لعملة واحدة، تربط بينهما نهايات أعصاب لا تفرق بين هذا الشعور وذاك، حين يصل أيهما إلى ذلك العمق، فيمتزج الشعوران ليصنعا معا تلك النشوة باللذة أو النشوة بالألم.

– هذه الرواية تحتوي على ما يميزها عن غيرها من الروايات من حيث الانتماءات الواقعية والاجتماعية والنفسية، وتتميز بقوة بنائها الفني. ونجحت الكاتبة “ريم أبو عيد” في الإمساك ببراعة بعناصرها الفنية سواء المكانية أو الزمنية ، واحتوت علي عنصر التشويق بشكل دائم ومستمر، وظهور الشخصيات بشكل مرحلي حافظ علي البناء الدرامي للرواية دون إخلال. وقد سارت الكاتبة على نفس النهج الأدبي المتدرج والرابط بين عنصري الإبداع الابتكاري في القصة والعمق الفلسفي.  ونجحت “ريم أبو عيد ” في توظيف الشخصيات في خدمة الصراع الدرامي المتصاعد حيث عرضت كل الأنماط البشرية بتوازن، مما أضاف متعة للقارئ من خلال تلك الجمل السردية السهلة والبسيطة وتلك العقد وتصاعدها وحلها في حالة من حالات الابتكار والإبداع الأدبي .

 – وأخير علينا  أن نقر أن الكاتبة “ريم أبو عيد” تمتلك من الثراء الإبداعي والثقافي  مما يجعل،  تلك الرواية   تتميز  بثراء مضمونها، وتعدد مشاربها، وانتماءاتها ما بين

 الواقعية والرومانسية والاجتماعية والنفسية؛ فهي مجموعة  تنتمي لكل هذه التصنيفات، الأمر الذي يمكن معه أن نطلق عليها الرواية   الشاملة المتحررة من التصنيف التقليدي لكثير من المجموعات النمطية، أضف إلى ذلك قوة بنائها الفني؛ والإمساك ببراعة بعنصري الزمان والمكان، والابتكار في تعدد المكان ورحابته، وتعدد العقد بشكل مرحلي بنائي؛ يسهم في تكوين العقدة الرئيسة والحل، والمحافظة على عناصر التشويق بشكل دائم ومستمر، مع نوع من التوتر الشيق، ورسم الشخصيات بهدوء  دون إخلال في البناء الفني والدرامي.

 -كاتب وناقد أدبي – مصر

– للتواصل zrkany.sa@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here