د. اسماعيل ابو صفية: ما لا يعرفه الناس عن علم التأمين (النظرية والتطبيق): تاريخ التأمين وتطوره

  • د. اسماعيل ابو صفية

– تاريخ التأمين وتطوره :-

يعد التأمين من أهم الدعامات التي تقوم عليها حضارتنا الراهنة لأن وجوده ساعد في ازدهار الحياة الاقتصادية واستقرار الأوضاع الاجتماعية ، بالإضافة إلى أنه من أهم مظاهر التعاون الدولي  .

كما أن التأمين يعدّ في أي مجتمع من المجتمعات من أهم المقاييس التي يمكن على أساسها تحديد وعي الشعور بالمسؤولية . وعليه سنلقي نظرة تاريخية على تطور نشأة التأمين :

ترجع مفاهيم التأمين من حيث جوهر الفكرة إلى عام 3000 قبل الميلاد اقتضتها متطلبات الحياة ، نورد منها على سبيل المثال قانون الألواح الإثني عشرللملك حمورابي الذي تضمن صورا من أنواع التأمين كتأمين الدين والنطيحة وأشار إلى الدية لمن قتل ..الخ (عاصر حمورابي سيدنا ابراهيم عليه السلام – 1790 قبل الميلاد-) .

وهناك أيضا أمثلة عديدة في تاريخ ما قبل الإسلام للقبائل والأقارب والعائلات في شبه الجزيرة العربية الذين كانوا يساهمون من مواردهم المالية طواعية ودون مقابل في صندوق مشترك كوسيلة لمساعدة المحتاجين . وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم تلك الممارسات وتبلورت في صورة مؤسسات في الدولة الإسلامية في الجزيرة العربية حوالي 650 ميلادية ، فقد أنشأ تجار مكة المكرمة صناديق لمساعدة ضحايا الكوارث الطبيعية – سيل مكة – ومخاطر الرحلات التجارية (رحلة الشتاء والصيف ) الى اليمن والشام حيث كانوا يفرضون ضمانا على التجار أو على كل بعير في القافلة يسمى ” ضمان خطرالطريق ” ضد خسائر الرحلات الناتجة عن مخاطر طرق التجارة .

كما كانوا يقدمون العون للأسرى و أسر ضحايا القتل وذلك من خلال ما يسمى بالعاقلة ، كذلك كانت هناك عقود تسمى عقود “الموالاة” لتقوية التفاهم المتبادل ولوضع حد للعداوة المتبادلة و الثأر ، كذلك كان هناك اتحاد عن طريق ما يسمى  بالحلف وهو اتفاق على العون المتبادل بين الناس .

” كذلك قبل مئات السنين وبعد أن افتتح البحارة والمستكشفون المسالك التجارية الكبرى حول العالم ، كان التجار الذين يشحنون بضائعهم بحراً يخاطرون بموارد عيشهم وأرزاقهم ، إن لم يكن كلها فجلها ، كلما أقلعت السفن التي تحمل بضائعهم من الموانئ المختلفة ، وطالما أدى ضياع السفن وحمولاتها إلى خراب مالي مدمّر سواء لأصحاب السفن الضائعة أو لأصحاب البضائع المشحونة بها وبالإضافة إلى ذلك كانت ثمة مخاطر هائلة في تلك الأيام تتراوح بين مسالك البحر غير المطروقة وأعمال القرصنة .

 وجدير بالذكر أن ننوه هنا بأن قدماء المصريين كونوا جمعيات تقوم على فكرة التعاون سميت جمعيات دفن الموتى بغرض تحمّل عبء مراسم الوفاة من تحنيط للجثث وبناء وتجهيز للقبور بكافة مستلزمات الحياة – اعتقاداً في الحياة الأخرى بشرط احتفاظ الموتى بأجسادهم سليمـة –  وحيث إن ذلك كان يتطلب تكاليف باهظة يعجز عن تحملها عامة الأفراد وخاصة التحنيط فهداهم تفكيرهم للتغلب على هذه المشكلة بإنشاء مثل هذه الجمعيات ليتعاون الكل في تحمل الخسائر التي تحدث للبعض بفعل تحقق خطر الوفاة ” .

وفي عهود الحضارات القديمة كالإغريقيين والبابليين والآشوريين والهندوس ازدهر التبادل التجاري فيما بينهم عن طريق البحر ولكن مخاطر القرصنة البحرية وغرق السفن البحرية حالت إلى حدٍ ما من ازدهار هذا التبادل فظهر ما يسمى بالقرض البحري للمحافظة على استمرار ازدهار التجارة .

ويرجح الكثير من الكتاب أن التأمين البحري قد بدأ في رودس حيث كانت مركزاً للإمبراطورية الشرقية مستندين في ذلك إلى وجود قانون صادر في رودس خاص بالخسارة العمومية وما لذلك من علاقة بفكرة التأمين ، وقد قيل أن التأمين البحري كان معروفاً في الإمبراطوريات المتناثرة على البحر الأبيض المتوسـط .

غير أن المؤكد أن الإمبراطورية الرومانية هي أول من ابتدع فكرة التأمين البحري إذ كان يُطلب من تجار الأسلحة المخاطرة باستثمار رؤوس أموالهم وذلك بإرسال الأسلحة بحراً لتزويد قوات الإمبراطورية بها فكانت الدولة تضمن للتاجر أمواله إذا فقدت الأسلحة بفعل

 العدو و الأخطار البحرية .

ولا شك في أن المدن الشمالية بإيطاليا المعروفة ” باللومبارد ” ومنها فلورنسا وجنوا كانت مركزاً هاماً للتجارة وبالتالي للتأمين البحري على أساس علمي منظم وقد قيل أنهم بدأوا حوالي القرن الثاني عشر ، فكان التاجر يحصل على مبلغ ما مقدماً يرده إلى من أقرضه إياه إذا وصلت السفينة بسلامة إلى ميناء الوصول وهو ما يسمّى بالقرض البحري ، ويحتفظ بالمبلغ إذا فقدت السفينة أثناء الرحلة ، وكان من الطبيعي أن الفائدة التي يدفعها المقترض مرتفعة نسبياً لتقابل خطر ضياع السفينة كلها ، والمقابل لهذا الخطر عرف أخيراً برسم أو مقابل التأمين ، ولكن الحال لم تستمر بسبب الحروب والغزوات فاضطر التجار وعائلاتهم إلى النزوح من ” اللومبارد ” إلى فرنسا وبلجيكا كما هاجر كثيرون منهم إلى إنجلترا ومعهم عاداتهم في التجارة والتأمين .

وكانت معظم عائلات ” اللومبارد ” الذين هاجروا إلى إنجلترا من اليهود الذين اشتهروا بمعاملات الربا وتمكنوا من منافسة غيرهم بتحديد سعر فائدة أقل فزادت أعمالهم مما ساعد على تثبيت أقدامهم في إنجلترا وكوّنوا بعد ذلك ثروات طائلة .

ولقد استفادت إنجلترا من نشاط جماعة ” اللومبارد ” في ميدان التجارة والتأمين ، ولما جاء الملك هنري الرابع حدد إقامتهم في دائرة معينة يشقها مجرى من المياه ، وبالرغم من وجودهم في منطقة غير صحية تمكنوا من الصمود وأقاموا بنايات لسكنهم ومكاتبهم وشقوا شارعاً باسمهم لا يزال يعرف للآن في لندن باسم شارع ” اللومبارد ” ……

تكملة اللمحة التاريخية تتبع في مقال لاحق …والله ولي التوفيق .

      عمان – الأردن .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here