د. ابو القاسم الربو: في ليبيا.. القبض على (البيدجا).. هل بدأ زمن اعتقال الفاسدين؟ وهل لها علاقة باعداد باشاغا لخلافة السراج؟

د. ابو القاسم الربو

أنهت وزارة الداخلية بحكومة الوفاق الليبية، جدلاً أستمر طويلا، بعد قبضها على عبدالرحمن ميلاد الملقب (البيدجا)، والذي يعد حسب تصريحات الوزارة من أخطر المطلوبين في قضايا الإتجار في البشر، واطلاق النار على قوارب المهاجرين في عرض البحر، وكذلك تهريب الوقود، حتى أُطلق عليه (امبراطور التهريب) .   جدلاً حول شخصية أُتهمت بالاتجار بالبشر من جهة، واستقبلت، بصورة رسمية، في مؤتمر حول الهجرة غير الشرعية في أوربا.

وقد تباينت ردود الفعل حول عملية القبض، رغم ان اغلبها، وخاصة الدولية، أعربت عن ترحيبها بهذه الخطوة. حيث أكدّت البعثة الأممية الى ليبيا في بيان نشرته على موقعها بان ” اعتقال (البيدجا)، خطوة مهمة نحو ضمان العدالة لألاف المستضعفين من الليبيين، والمهاجرين على حد سواء “، مشددة على ضرورة إجراء محاكمة عادلة له ولغيره من المحتجزين لدى داخلية الوفاق، كما جاء في البيان. ومن جهتها رحبت السفارة الفرنسية بالقبض عليه، واصفة الخطوة بانها تنفيذ لقرارات القضاء الليبي، ولجنة العقوبات في مجلس الامن. وفي هذا الإطار أيضاً، اثنت سفارة الولايات المتحدة في ليبيا على هذا الاعتقال، وذكرت في تغريدة لها على التويتر ” ان السفير تولارند اتصل بوزير الداخلية فتحي باشاغا، لتهنئة السلطات الليبية على هذا الاعتقال “، كما وجد هذا الاعتقال الترحيب من بعثة الاتحاد الأوربي التي صرحت بذلك من خلال موقعها على التويتر.

أما على المستوى الداخلي، فقد تفاوتت ردود الفعل ايضاً، ما بين مرحب بعملية الاعتقال، باعتبارها تسير في اتجاه فرض سيطرة الدولة، وبسط هيبتها ,وتضع حداً للكثير من الخارجين عن القانون، والذين يمارسون ابتزازها، محققين من وراء ذلك ثروات تجعلهم يتحكمون في معظم حاجيات المواطن  والتي يأتي الوقود على راسها , حيث يضطر المواطن في الغالب الى شرائه بأضعاف سعره الأصلي، في الوقت الذي تمر شاحنات التهريب امام الجميع ، دون ان يستطيع احد ان يحرك ساكناً ، وذلك لان عمليات التهريب، سواء الى تونس، او الى الحدود الجنوبية , تحميها مجموعات مسلحة , واشخاص نافذون على غرار (البيدجا) و(قصب) و ( العمو ) , وغيرها من الأسماء التي يحفظها الليبيون تماماً , والتي يعتبرونها سببـا من أسباب معاناتهم . اما البعض الآخر فقد اظهر نوعاً من التحفظ على هذا الاعتقال، معتبرين ذلك تنفيذا لأوامر بعض السفارات الغربية، التي أعطت لنفسها الحق في التدخل في الشأن الليبي الداخلي، مستغلة ضعف الحكومة، وأصبحت لا تتوانى عن فرض اوامرها وقراراتها، ضاربة بعرض الحائط، كل القوانين واللوائح التي تُنظم العلاقات بين الدول، حيث تنقل سفراء وقناصل هذه الحكومات إلى مختلف مناطق ليبيا، واجتمعوا مع العديد من عمداء البلديات , ومدراء الشركات , والنشطاء , دون اذن الحكومة , بل واحياناً دون علمها . كما شكك البعض في العملية من خلال التوقيت الذي  تمت فيه ، والذي يأتي بعد اللقاءات المرئية التي اجراها (البيدجا ) , والتي زعم فيها  بان لديه الكثير من المستندات التي تُدين الكثير من المسئولين , والمتورطين في عمليات التهريب المختلفة , ناهيك عن ان القرار لقى رفضاً عارماً من قبل مليشيات الزاوية ( التي ينتمي اليها ) , والتي حشدت عددا كبيرا من الياتها المسلحة غرب طرابلس , وأغلقت الطرق الرئيسية المؤدية الى العاصمة طرابلس , قبل ان يتدخل البعض لإنهاء حالة الغضب , وطمأنة المليشيات بانه سيطلق سراحه بعد التحقيق معه.

ومن الجدير بالذكر، ان (البيدجا)، كُلف من قبل الحكومة في وقت سابق، بالإشراف على قوات خفر السواحل التابعة لحكومة الوفاق , والذي يعتبر احد الداعمين لها , وقد خرج في اكثر من تسجيل مرئي وهو يقود آليات عسكرية , متجهة من الزاوية ( مسقط راسه , ومقر سكناه ) الى طرابلس عندما حاول ( حفتر ) دخولها , في العام 2019 متوعدا حفتر وقواته بالهزيمة.

ومن الملاحظ انه وبالرغم من صغر سنه نسبيا ( 1990 )  , الا انه يعتبر من الشخصيات المثيرة للجدل , والتي ارتسمت حول شخصيته , الكثير من علامات الاستفهام , والاسئلة التي لم تجد الإجابة الشافية الى حد الان , فمن جهة هو مطلوب للنائب العام , ومن جهة أخرى هو آمر لخفر السواحل التابع للبحرية الليبية , والان يُعلن القبض عليه  من قبل وزارة الداخلية , التي أفادت ان عملية القبض تمت بناء على التحقيقات التي اجراها مكتب النائب العام , والتي امرت بضبطه , بعد صدور نشرة خاصة من منظمة الشرطة الدولية ( الانتربول ) , بالإضافة الى  طلب لجنة العقوبات بمجلس الامن حسب تصريح الوزارة .

ومما يدعو الى الاستغراب أيضاً، ان الحكومة الإيطالية، التي رحبت بالاعتقال، سبق و ان استضافته رسميا في العام 2017 , وبالتحديد في مركز (مينيو ) لاحتجاز المهاجرين في صقلية في مقاطعة ( كاتاينا ) , حيث كانت هذه الاستضافة بناء على طلب المنظمة الدولية للهجرة , وكجزء من مشروع مولته المجموعة الاوربية ( والتي رحبت بالاعتقال أيضا ) , وذلك قبل عام من فرض مجلس الامن عقوبات عليه  . ورغم ان وزارة الداخلية الليبية صرحت بعد تلك الزيارة، الى ان الأوراق التي تقدم بها (البيدجا) للحصول على التأشيرة الإيطالية مزورة، الا ان الواقع يشير الى غير ذلك، إذا ما عُرفت دقة الإجراءات التي تقوم بها السفارة الإيطالية في طرابلس، الامر الذي يجعل تزوير أوراق للحصول على تأشيرة دخول، امراً مستبعداً الى درجة كبيرة. خاصة وان التحقيقات التي أجرتها صحيفة (افينير)، ومجلة (لكسبريسو) الأسبوعية، اكدت انه شارك في هذه الندوة باسمه , وبصفته كآمر لخفر السواحل الليبية , وانه يحمل رتبة عسكرية وتكليفا رسميا , وهو معروف لمخابرات دول الاتحاد الأوربي .

ومن الملاحظ , انه وبعد الانتهاء من حرب طرابلس الاخيرة, وانسحاب قوات حفتر الى مدينة سرت , كثّف (البيدجا) من ظهوره الإعلامي , سواء من خلال مقاطع فيديو يبثها على وسائل التواصل الاجتماعي , او على برنامج ( فلوسنا ) الذي يداع على إحدى المحطات الليبية ,والذي يتناول الكثير من مظاهر الفساد, محاولاً التلويح بان لديه العديد من المستندات التي تدين مسئولين كبار في الحكومة الليبية , متهماً إياهم بانهم يتولون تهريب الوقود على مستوى عال , وان لديهم علاقات بشبكة من المافيا الدولية المتخصصة في هذا المجال  , وقد حققوا ثروات طائلة تقدر بالملايين من هذا النشاط , وان الكثير منهم يحاول ازاحته من المشهد , لأنه وبحكم عمله , كآمر لخفر السواحل , استطاع الحصول على الكثير من المعلومات والدلائل والمستندات التي تُدين هؤلاء , الامر الذي جعلهم يتواصلون مع الأوربيين لإصدار امر القبض عليه , بل وصل الامر الى اتهامه لبعض المنظمات الإنسانية التي تعمل على انقاذ المهاجرين في عرض البحر بالمتاجرة بماسيهم , ووصفهم ( بالسماسرة ) . كما انه سبق وان شن هجوما غير مسبوق، في مقطع مرئي، تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، على وزير الداخلية باشاغا، قائلا ً بانه يحاول القيام بانقلاب على فائز السراج، رئيس المجلس الانتقالي، مخاطبا إياه بالقول ” عندما جئت كوزير للداخلية، احترمناك، ولكن لن نسمح لك بعمل انقلاب على الحكومة , والزاوية , بل والمنطقة الغربية كلها ليست معك “

ولعل الأسئلة التي تطرح نفسها، لماذا أُختير هذا الوقت تحديدا للقيام بعملية الاعتقال؟، رغم ان وضعه على قائمة المطلوبين كان منذ سنة 2018؟، وهل لهذه العملية في توقيتها، علاقة بعمليات القبض التي نُفذت مؤخراً , والتي طالت العديد من المسئولين بالحكومة بتهم الفساد؟ , وهل للمفاوضات الجارية الان في كل من جنيف وبرلين والمغرب علاقة بهذه العملية ؟ , وهل تأتي عملية الاعتقال,  في اطار سعي وزير الداخلية لإبراز اسمه كخليف لفائز السراج , الذي اقترب موعد تقديم استقالته التي أعلن عنها ؟ وهل ستشهد البلاد عمليات مشابهة للقبض على الكثير من الأسماء التي وُجهت اليها الاتهامات في الكثير من الاعمال، ومنها على سبيل المثال لا الحصر حرق مطار طرابلس؟  اما ان (البيدجا), سيكون كبش الفداء الذي ستحقق عملية اعتقاله , بعض المزايا , وترفع من رصيد معتقليه .

كاتب ليبي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here