د. ابراھیم حجازي: التعلیم في الأردن

 

 

د. ابراھیم حجازي

من السهل رؤية الاهتمام الكبير الذي يوليه مجتمعنا الاردني للتعليم .الإنتشار الواسع للمدارس والجامعات الخاصة يعكس الطلب الكبير وشاهد الى اي مدى كثير من الناس مستعدون لصرف توفيرهم وفي كثير من الاحيان دخلهم التقاعدي على تعليم أبنائهم وبناتهم ، أملين ان هذا الاستثمار سوف يعطي لابنائهم القدرة على المنافسة في عالم يتطلب المزيد من القدرات التعليميه والمهارات التي يتطلبها سوق العمل . بالرغم من  هذه المبادرات الطيبة والاستثمار الوطني العالي في التعليم لا نزال ننتج قوة عامله تتغلب في دعم الاقتصاد الاردني او التنافس عالميا .الأسباب وراء هذا الكلام معقدة ومتعددة.

لاغلب الطلاب التعليم عباره عن حفظ كتب وتركيز كبير على احراز اكبر معدل ممكن في امتحان الثانويه العامه. ان معدل الثانويه العامه هو المقيم الوحيد لحصالة التعليم المدرسي وعلى أساسه يتم انتقاء الطلاب للمرحله الجامعيه. مثل هذا النمط التعليمي ينتج اشخاص يعانون من ضعف في القدره على التحليل المنطقي، التفكير العلمي واستعمال العلم واستغلال ما تعلموه لحل المشاكل والمعضلات التي قد تواجهم في عملهم المستقبلي . قدرة الطالب على استعمال ما تعلمه وتطبيقه لفائدته وفائدة مجتمعه هو الهدف من التعليم. ” التعليم بلا معرفه” ينتج أفواج من حملة الشهادات التي تفتقد الى عمق في المعرفه والقدره التحليليه. هذا بالاضافه على التركيز على ” الكميه وليس النوعيه” جعلت التعليم في الأردن سلعه تجاريه وسمحت لاصحاب المال استغلالها لجني الربح وهزمت الهدف الرئيسي للتعليم .

التعليم وسيله للنجاح والعمل في الحياه وليس غايه بلا هدف. آن الحصول على شهاده جامعيه لا تعود على حاملها ومجتمعه بالفائده مقلق وهدر لسنوات طويله من التعليم وتعود المسؤوليه في هذا الهدر على الحكومات المتعاقبه التي افتقدت الى الرؤيه للاحتياجات المستقبليه لسوق العمل العالمي وانصاعت للطرق التقليديه في التعليم . نحن كمواطنين واباء نتحمل قدر من المسؤوليه في تركيزنا على الشهاده الجامعيه وانصياعنا للضغوط الاجتماعيه التي تجبرنا على المسير في طريق نتائجه واضحه وسبقنا اليه مئات الاف من العاطلين عن العمل.

وضع اللوم على النظام التعليمي يتجاهل الدور التي تلعبه منازلنا ومجتمعاتنا المحليه في تعليم أولادنا. التحلي بالمرونه الاجتماعيه وتجنب العنصريه والقبليه العمياء يبدأ في منازلنا. أولادنا ينسخون قدرتنا على الحوار ومهاراتنا الشخصيه واللغويه. انه من المقلق ان يرى الانسان التغيير في القيم الاجتماعيه ومفهوم الخطأ والصحيح في مجتمعنا وانفصال شبابنا عن تاريخنا وحضارتنا ولغتنا. هذا التغيير الجدري في النسيج الاجتماعي يأكل في هويتنا وروح مجتمعنا ويعكس النقص في نظامنا التعليمي.

المشكله تتفاقم في مكان العمل الذي لا يبنى على القدره والمنافسه وانما تسقله العلاقات والخلفيه العائليه والقبليه والطبقه الاجتماعيه للفرد ولها دور اكبر من العمل الجاد والمنافسه وذلك يرسب الانطباع العام ان العمل والتعليم ليس بالفائده وبالعاميه ” القاري وغيره واحد”. ان الواسطه والمحسوبيه والعلاقات الاجتماعيه في الأردن تفوق أي تعليم وقدره جامعيه لأي متفوق. ان هذا النقص في المرونه الاجتماعيه وقدرة الفقير المتعلم الجاد في العمل على صعود السلم الاجتماعي بادره متفشيه في مجتمعنا وللأسف تضرنا جميعا وسبب أساسي في تراجعنا الاجتماعي والاقتصادي لانها تعطي المراكز القياديه في مجتمعنا لمن لا يستحقها.

المجتمعات المتفوقه تنبني على المنافسه والقدره والموهبه والعمل الجاد واخلاق عمل عاليه وهذا يساعد اذكى واقدر أبنائنا على الهجره الى الخارج حيث تكافئهم هذه المجتمعات اجتماعيا وماديا. ان هذه الهجره لهذه المواهب والقدرات مقلق جدا ويجب الحد منه. الاستثمار في تعليم أبنائنا يساعد اقتصاد الدول الصناعيه وهذه الدول غنيه بالموهبه ولكن لديها قدره على إيجاد فراغ في اقتصادهم وعلومهم الحياتيه والاجتماعيه لابنائنا المميزين.

تعليم أبنائنا المهارات اللغويه في الحوار والمعامله مهارات اساسيه لا يمكن تقليل أهميتها. ان التغيير في أي مجتمع مستمر ولا يمكن إيقافه ولكن علينا ان نتأكد بان هذا التغيير يتناسق مع مبادئنا وقيمنا. ان الاحتكاك بالحضارات والمجتمعات الأخرى يزيد من وعي المرء ويقلل من العنصريه والانطباعات الخاطئه. على حكوماتنا وجامعاتنا والمؤسسات المقدسه لدينا تطبيق مبدئ المسؤوليه والمحاسبه، علينا مكافئه القدره والمعرفه والاجتهاد ولا يجب ان يكون هناك وظائف لمدى الحياه لا تتطلب من المرء المنافسه والتحسن المستمر. هذا بالاضافه الى انتشار ظاهرة التملق والتسلق الاجتماعي وتردي اخلاق العمل والفساد في مجتمعنا يحفز الكثير من أبنائنا المميزين الى الهجره ويقلل من الانجاز ومكافئه الاجتهاد.

ان التحليل النقدي لضعف النظام التعليمي في الأردن وخذله لاولادنا وتمكينهم من المنافسه عالميا مهم لتصحيح هذا الخلل. ان القدره والاجتهاد يجب ان تكون الركن الأساسي للمكافئه في سوق العمل بعيد عن الواسطه والمحسوبيه والمراضاه الاجتماعيه والمحابه السياسيه التي أدت بنا الى هذا الكم من البطاله وهدر القدرات والتراجع الاجتماعي والاقتصادي. يجب ان ندرك ان النجاح في الحياه لا يعني شهاده جامعيه وان المهارات المتعدده التي يحتاجها المجتمع تكمن في مهارات مهنيه وعمليه لا تعلم في الجامعات. هذا التغيير يحتاج الى أراده سياسيه قويه تمسك زمام الأمور وتدخل مفاهيم تعليميه جديده في مدارسنا وجامعاتنا ومدارسنا المهنيه، علينا التصرف الان لمستقبل أولادنا.

 اكاديمي وكاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. 1- الدول الغنية و المحترمة هي الدول المتقدمة و عمادها و راسمالها هم قواها البشرية التي تصنع المصانع و تصنع التقدم. اما مصنع هذه القوى البشرية فهو المدارس و الجامعات و مراكز البحث العلمي. و نظرة الى القاسم المشترك لكل الدول المتقدوم فانه الاهتمام بالتعليم و معدل الانفاق عليه لا سيما بالمقارنة مع الدفاع. حتى في امريكا فان الانفاق على التعليم يعدل ضعف الانفاق على الدفاع. و يصل في الدول المتقدمة الاخرى الى سبعة اضعاف. بينما تنقلب المعادلة في الدول المتخلفة. الخلاصة: ما هي اولويات الدولة؟.
    2- افتقاد الحريات السياسية ومنها حرية التعبير و التفكير و التنظيم الذي يفرض نفسه في المناهج و البيئة التعليمية و يحد من التفكير المبدع و هو احد اهم اسباب ضعف التعليم. الخلاصة: الحريات و خاصة السياسية هي العامل الاهم في التقدم او التخللف.
    3- تدخل الدولة السلبي في كل القطاعات بسبب ضعف القاعدة الشعبية للدولة يساهم في التخلف. ومثال ذلك في التعليم بالاستثناءات و المكرمات و تعيين رؤساء الجامعات و مجالس الامناء و التغطية على العنصرية و القبائلية و كل ذلك لهدف كسب الشعبية او تدعيم السلطة السياسية.

  2. – الا يدرك المعنيون في الأردن ان التعليم هو حجر الأساس الأول في نهضة الشعوب , والتعليم هو ليس الاكاديميات الصرفه , بل تعلم كافة المهارات ومنها طريقة التخاطب وإدارة الحوار والاشغال اليدويه والفنون والتفكير والنقد وطرح الاسئله واستخلاص الفوائد .

  3. برغم تراجع المستوى التعليمي العام والعالي بالاردن كما هو ملاحظ ..فأعتقد انه مازال الافضل مقارنة ببقية الدول العربيه (ما عدا الخليج ) .
    الاردن . لبنان . المغرب . تونس . كاانطباع عام هم على التوالي الافضل من حيث مخرجات التعليم ..ولكن البون شاسعا عن بقية العالم المتقدم .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here