د. أكرم جلال كريم: قراءة الحقيقة من خلال المنظور الذاتي للأنسان

 

د. أكرم جلال كريم

روي أنّ الفيلسوف اليوناني ديوجانس الكلبي (421 – 323 ق. م) كان يسير في شوارع أثينا في وضح النهار وهو يحمل مصباحاً، فكان موضع سخريّة الكثير ممّن رأوه بهذا المشهد، ولمّا سُئل عن سبب ذلك أجاب “إني أبحث عن الأنسان”، لقد كان يبحث عن الحقيقة، وهكذا أصبح مصباح ديوجانس الى يومنا هذا رمزاً للبحث عن الحقيقة.

وأرسطو الذي وَصَف هريقليطس قائلاً أنه كان قليل الأهتمام بالعلوم الصرفة لأنّها في نظره تَعني دراسة المحسوس، لكنّه مُولع بما هو أرقى وأسمى من العلوم، إنّه يبحث عن الحقيقة، الحقيقة الكامنة في اللوغوس، العقل الألهي الذي يحكم الوجود بنظر هريقليطس.

والحقيقة هي من أهم المفاهيم الفلسفيّة الشائكة التي انشغل بها الكثير، فكانت الضالّة التي كانت وما زالت تفرض ذاتها على أهل العلم والفكر والفلسفة، فضلاً عن اهتمام أهل الوعي من الناس أجمعين، تدفعهم بذلك فطرتهم الأنسانية ورغبتهم في الكشف عن حقائق الأشياء.

فما هي الحقيقة؟ وما هي المعايير والمناهج الأساسية في البحث عنها؟

سؤال يُمثّل الروح لأهل العلم والفكر والفلسفة، وأنّ البّحث فيه والمُضيّ في سبر أغواره واكتشاف أسراره وخفاياه كان وما زال من أسمى الأهداف، لِما له من أنعكاسات وجوديّة، ومعرفيّة وأخلاقيّة، وأنّ العقول حينما تُملئ بالحقائق فإنّها ستكون قادرة على فتح رموز وكشف أسرار طالما غابت عن الكثير فأودت بهم نحو المجهول، وأنّ السير بطريق سليم متزودين بمعرفة تامّة للحقيقة سيغني عن اعتناق الأفكار المزيّفة والفلسفة المُختلقة والأصوات المنحرفة.

الحقيقة في اللغة كما عرّفها أبن كثير في لسان العرب أنها أشارة الى  الصدق، والحق، واليقين، وفي هذا السياق يقول ابن منظور: ” وبلغ حقيقة الأمر أي يقين شأنه. وفي الحديث: لا يبلغ المؤمن حقيقة الإيمان حتى لا يعيب مسلما بعيب هو فيه، يعني خالص الإيمان ومحضه وكنهه. وحقيقة الرجل: ما يلزمه حفظه ومنعه ويحق عليه الدفاع عنه من أهل بيته، والعرب تقول: فلان يسوق الوسيقة وينسل الوديقة ويحمي الحقيقة، فالوسيقة الطريدة من الإبل، سميت وسيقة لأن طاردها يسقها إذا ساقها أي يقبضها، والوديقة شدة الحر، والحقيقة ما يحق عليه أن يحميه، وجمعها الحقائق.”

إنّ النّفس البَشريّةُ وبحكم طبيعتها الأنسانية وما أودعه الله فيها من غرائز وشهوات تراها تَتَباين وَتَتفاوت فيما بينها، فَمِنها التَقيّة النّقيّة وَمِنها الخبيثة الرَديئة، فَهيَ تُمثّل جَوهر الإنسان وَحقيقته وأنّ السُلوك الإنساني وأفعاله الظاهريّة إنّما هي مَصاديق وانعكاسات لتلك الطَبيعة. لذلك فالأنسان قد تَشُدّه العلائق الدنيوية ليعيش حالة من الأضطراب والخداع بين ما يخفيه ويعلنه، بين ما يَعرف وحقيقة ما يُفكّر فيه، فالمعرفة الأنسانية قد تصاب عند البعض بالتصحّر فيكون التفكير والمنطق مفخّخا عاجزاً وهو لا يَعلم، بل ويحسب أنّه يمتلك الحقيقة المُطلقة وأنّه يُحسن صُنعا، وهذا هو البلاء العظيم.

واليوم ونحن نعيش التطوّر والتقدّم العلمي، وبعد هذه العقود من البحث عن الحقيقة، نجدنا اليوم قد عدنا الى حيث بدأنا، فرغم أن التأريخ الذي أمدّنا بأطنان من كتب الحق والحقيقة، نرى من يخرج علينا اليوم مُدعياً امتلاكه الحقيقة المطلقة، وهو لا يقول إلا الحُمق والعَبَث والسطحيّة والمزاجيّة في تناول الحقيقة، ولا أجد تفسيراً لذلك سوى أنّنا قد غزتنا ونحن بعقر دارنا أفكار وأيديولوجيات، تحمل في ظاهرها شكلاً من أشكال المقبوليّة الخدّاعة والمفهوميّة الزائفة، إعلام مكتوب ومقروء ومسموع، لايحمل من الحقيقة إلّا شكلها، وأنّ العقل العربي أصبح فارغاً عن الوعي المفاهيمي؛ كُتُبٌ ومقالات ومجلّات وتلفزة أصبح هدفها ملئ هذه العقول بقشور الحقائق وإبعادها عن الجوهر والمضون، وأن الطريق لبناء الوعي المفاهيمي أصبح مليئا بالألغام، وأنّ ما يسمى بالمشروع الحداثوي، وما يقدّم من عناوين قد يَطرب لها الكثير كالحرية، وعقلنة المفاهيم، وغلق باب التأريخ من أجل التقدّم الفكريّ وبناء مستقبل واعد، كلّها عناوين بحاجة الى البحث والتقصّي، وإن كانت تحمل شكلاً من أشكال المقبولية بحكم العقل والمنطق.

إنّ القبول بأفكار مشوّهة والتسليم بها بعيداً عن منطق البحث الموضوعي والنقد المَبني على أسس مفاهيمية قاعدتها الماهيّة والمطابقة والأثبات والتيقّن وعدم إلغاء المتّفق عليه من الحقائق المُثبتة، سيُفضي الى تفكيك المنظومة الفكريّة للعقل الأنساني وإفراغه من الموروث الصحيح والثابت والذي أثبتته الأدلّة والبراهين. أما الركون الى والأستعاضة عن ذلك بألغام تتبنى ما يسمى بالخطاب الحداثوي والذي وإن شارك في تقديم بعض الانجازات الفكرية، إلا أن السير خلفه بعينين مغمضتين إنّما هو التخبّط، بل التّيه والضّياع بعينه.

إنّه مِن غير المَنطقيّ القبول بالكثير ممّن أسموها بالمُسلّمات واعتبروها حقائق، وهي في الحقيقة نتاجاً قد تمّ تبنّيه والأعداد له في دوائر ومراكز مشبوهة بعد أن خضع لدراسات وبحوث معمّقة، ليتمّ الزجّ به في مرحلة قد شهدت فراغاً وتراجعاً في الوعي المفاهيمي للفكر الأنساني عموما والعربي على وجه الخصوص، سببه الفقر والتخلّف والكوارث والحروب وانتشار الأمية وتفشّي الجّهل في أوساط الأمّة. لقد قُدّمَت الكثير من المفاهيم العرجاء على أنّها حقائق وذلك من أجل إبعاد العقول الحرة من السير والبحث عن جوهر الحقائق، وبالتالي البقاء خارج دائرة الوعي المُوجب لأخضاع الحقائق المزيّفة للتفكيك ووضعها على بساط البحث والدراسة الموضوعية وإلزامها بقاعدة النّقد العلمي الذي من شأنه فتح آفاق جديدة لتقديم الحقائق بطريقة علميّة دون أي شكّ أو ريبة أو خوف أو تردد.

وهنا لا أرغب بدخول جدليّة تحديد المنهج الأفضل في إدراك الحقيقة بين الفلاسفة والعرفانيين وطوائف أخرى، فالفلاسفة كما هو متعارف يُثبتون الحقائق عن طريق الدليل العقلاني، بينما يميل المتصوّفة الى المعرفة الوجدانية واللدنيّة، وبعض الطوائف يبلغون الحقيقة من خلال ظاهر النّص، وطوائف أخرى يجدون في المحاججة أفضل الطرق لأدراك الحقيقة. إنّ الغرض من هذه الدراسة المقتضبة هو تقديم رؤية للمنهج الأفضل في البحث عن الحقيقة واستحصالها، فالطريقة المثلى لأدراك الحقائق لابُدّ أن تعتمد على أحد أو كلا المنظورين الماهوي والمرآوي، انطلاقاً من أنّ الأشياء لها ثبوت وصورة للمحيط والواقع الذي تنتمي اليه وهذا الواقع يخضع للتغيير المستمر وبالتالي لا يمكن الأعتماد على نتائج قد خضعت للأرتباط بواقع غير ثابت.

إن المنظور الذاتي للأنسان هو من يُحدّد الواقعية التقليدية للحقائق، أي بصورتها الشكليّة (ظواهر الحقائق) ، أما عندما تكون الرؤية الذاتية للأنسان غائبة فالحقيقة الموضوعية للواقع عندها ستكون صعبة التشخيص.

وعليه فإدراك الحقيقة لابُدّ أن يجري من خلال الأستعانة بمنهج فكريّ وعلميّ يتابع التغيير والتطور للواقع والمحيط الذي يَنطلق منه وَيَزن الأشياء بموازين فكريّة ليصل من خلال ذلك الى إدراك الحقيقة. أضف الى ذلك أنّ هناك حقائق مسلّمة أثبتتها الشرائع والكتب السماويّة عبر عقود متتالية، وهي وإن خضعت للمنهج التنويري في القراءة والتحليل والتجديد، إلّا أنّ المنظور الأنساني في قراءة الواقع لايمكن التعويل عليه في أنْ يكون معياراً مفصلياً في قبول أو رفض هذا النوع من الحقائق.

ولأن الواقع هو ليس عين حقيقتة الموضوعيّة بل هو خاضع للمنظور الذي يخلقه الأنسان، وعليه فجوهر الحقيقة وموضوعيّته لا تُدرك إلا من خلال قراءة الأنسان للواقع. ثمّ أنّ الحقائق تُدرك بمعيار النسبيّة للواقع الذي تنتمي اليه، وأنّ العقل الأنساني هو الذي يستدل على تلك الحقائق من خلال المعايير الوجودية، فكلّ أنسان يحدد الحقيقة التي يراها هُوّ بحكم عقله ومن خلال تلك المعايير التي يختارها بنفسه لتقديم تعريف لهذه الحقيقة أو تلك.

ولأنّ الحقائق لا تدرك إلا من خلال الواقع، هذا الواقع الذي يخضع لمبدأ التغيّر المستمر واللامحدودية في قراءته، لذلك فالأنسان قد يكون قاصراً عن إدراك البعض منها، فهو يلجأ في كثير من الأحيان الى تكذيب بعض الحقائق ويسوق الى ذلك الأدلّة والبراهين والحجج التي يستمدّها من قراءته للواقع بمنظوره الذاتي والذي هو قاصر وضمن معايير ومناهج للقراءة تخضع للمحدودية.

لذلك فإنّ إدراك وفهم الحقائق الجوهرية قد لا يكون مستحيلا، خصوصاً عندما يُستعان بمعايير ذات أبعاد غير محدودة تُعين العقل الأنساني المحدود في قراءة الحقائق الموضوعية وفهمها والتسليم بها، وهذا المعيار اللامحدود هو المدد الألهي والفيض السماوي الذي يقدّم تفسيرات للحقائق مُستمدة من الكتب السماويّة والتي لا يمكن للأنسان الاستغناء عنها خلال مسيرته في البحث عن الحقيقة. أمّا بخلاف ذلك فأن الفكر الأنساني سيدخل في ظلمات الشكّ والتّيه، لأنّه لايرى عَين الحقيقة، بل يرى صوراً شكليّة لوقائع وجوديّة يظنّها خطأ أنّها عين الحقيقة، ليبدأ  بتفسيرها ويُنظّر لها ويبني عليها الأفكار ويُؤسس لها مناهج فلسفية وأدوات معرفيّة ووقائع ترسم لنا صوراً جديدة للحقيقة التي قرأها المُؤسّس بمنظوره الذاتي ليجعل منها حقيقة ثابتة، ومن ثم ليعتبره الكثير من الناس أنّه أكتشافا يُدوّن في سجل الحقائق، يحاول من خلالها تغيير نظرتنا للواقع، فتصاب الحقيقة بالتشوّه وتكون المعلومة الناتجة معلومة خاطئة، فيسقط في فخّها الكثير فيعتبرونها من المسلّمات الثابتة وماهي إلا نسج من خيال الأنسان المحدود.

من هنا لابدّ لنا أن نؤكّد أنّ الكثير من الأفكار والرؤى والنظريّات الفلسفية التي تفسّر الحقائق وتغيير الوقائع دون الأعتماد على المعايير السماويّة إنّما هي صناعة مادية تعمل لأستنساخ جوهر الحقيقة وتقديم حقيقة مزيّفة، ولكون أغلب هذه النظريّات إنّما تنطلق من جوهر الذات والفكر الأنساني، متّكئة على مبدأ النسبيّة في وصف الوقائع وبناء الحقائق، لذلك فإننا بتنا نعيش عالم الحقائق المُستنسخة وليس الحقيقة المطلقة، فكلٌ يجتهد مُطْلِقاً العَنان لخياله وفكره مستعيناً بمنهجه وما يراه، ليبدأ بقراءة الواقع بمنظوره الخاص ليشكل الحقيقة التي يراها هو.

وبناءا على ما تقدّم هل باستطاعتنا القول أنّ بعض الأطروحات المبنيّة على قراءات ماديّة وبأدوات ومجسّات وجودية محدودة لوقائع متغيّرة ستخلق حقائق جديدة قد تغيّر من المُسلّمات المُتّفق عليها في القاموس الفكري والروحي للأنسان، ولتبدأ الحقيقة المطلقة لكثير من المسلّمات بالأندثار والضّياع وليصعب على الكثير من الأجيال بعد ذلك العودة اليها، فيبدؤا بالتعلّق بحقائق مُصطنعة صاغها المنظور البشريّ المحدود، وبضياع الحقيقة المطلقة سيبدأ الأنسان برؤية الأشياء بعين الواقع الخالي من الصدقية والمملوء بالخداع والكذب والتزوير.

إنّ الحقّيقة هي قوام الوجود، وركن الحياة وأنّ الأبتعاد عن إدراكها مُوجب للوقوع في المفسدة، وأنّ الصراع الذي يخوضه الأنسان في عالم الدنيا ليس بين حق وحق  ولا باطل وباطل، إنّما هو بين الحقّ والباطل، وأنّ الحقيقة الصادقة هي الطريق المُوصل الى جادّة الحق، وأنّها ثابتة لا تتجزّء ولا تتغيّر تَبَعاً لتغيير الواقع أو تغير الذات الأنسانية التي تقرأ الواقع، لذلك كان لزاماً علينا أن لا نُلغي المعايير الألهية في قراءة الواقع من أجل استحصال عين الحقيقة.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. شكرا لك دكتور وانا متابع لما يجود به قلمك …..وياريت دكتور لو تكتب لنا عن فلسفة بالربوبيه….والأفكار الخادعه التي توجه للشباب على أنها حقائق علميه لا تقبل المحض لانها نابعه من الدليل والمنطق والعقل ….يريدون بهذا إلغاء القدسيه عن كل شيء ….ومايروجون له من أن فقط ٢٠% من البشر مسلمون والباقي غير مسلمون ….فكيف سيحاسب الرب ال ٨٠% الباقيه …لقد حولوا شبابنا إلى الشك في كل الثوابت ولقد زوروا الحقيقه ودفنوها في قاع الأرض…دكتورنا الحبيب أنقذ شباب وشابات الامه من الشبهات التي بروحها من يدعون العقلانيه والعلميه والدليل ……

  2. فعلاً هناك الكثير من البحوث يجب اعادة النظر بها
    الحقيقة تبقى على عاتق المثقف وليس المتثيقفون والدخلاء

    احسنتم دكتور اكرم جلال

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here