د. أكرم جلال كريم: إجتماعُ الأضداد وَمَراتب الكَمال: قراءة في الأبعاد الأنطولوجية والأنثروبولوجية

د. أكرم جلال كريم

تَعيشُ البشريّة مَوجات مُتتالية مِنَ العُنف والكَراهيّة، قد لَم يشهد لها التأريخ مثيلاً، حتى أصبحت سِمَةَ العصر الحالي، حَيث الحُروبُ والتّقتيل والوَيلات والمَجاعات، ليكون المَشهد مظلماً ومستقبل البشريّة مجهولاً، الأمر الذي يحتّم على أهل الفكر والفلسفة التنقيب عن صورة ونسق هذا العُنف المُتزايد، في ظلّ واقع يَعيش جدليّة النّفي والصراع، ومفهوم البقاء للأقوى، دافعاً بالوجود الإنساني نحو الإنسلاخ عن ذاته وارتداء كيان نوعيّ جديد، يتمزّق فيه الفكر البشريّ ويقف عاجزاً مستسلماً، وكأنّما النظريّة الهيغيلية القائلة بأن – الطبيعة والتأريخ والمجتمع والإنسان جميعها خاضعة لمحرّك ثابت وهو الصراع والعنف – أصبَحَت مِنَ المُسلّمات.

هذا البحث ينطلق مِن حَقيقة أنَّ الفلسفة وعلم النظريّة إذا ما غُرست في أرضٍ خصبة بعيدة عن الأنا والنفعيّة فهي الأكثر إثماراً مِنْ جَدَب العُنف والكراهيّة ومروّجي العنف السياسي ومانعي التكامل الإنساني. فالأدوات الفكريّة والتنظيريّة والتخطيط العلميّ ضمن النَّسَق المَنهجيّ المُتكامل هي الأركان الوحيدة والكفيلة بحماية الإنسان وَهي الضّامن لمجتمع يسوده الخير وتملؤه السعادة.

مِنْ هنا قَدَّمَ أهلُ الفكر والفلسفة هذه التَوليفة الجامعة للفلسفة والوجود والخير والتكامل الإنساني، فَعَرَّف سقراط (470 ق.م – 399 ق.م) الفَلسَفةَ على أنّها “البحث عن الحقائق بحثاً نظرياً، وخاصةً عن المبادئ الخلقية، من خير وعدل وفضيلة “، ورغم اعتقاده بأنَّ الفضيلة هي الخير الأسمى وَرَبَطَها بالعلم وَوَصَفَ الجّهل بأنَّه رَذيله، لكنَّه نَزَعَ عَن فِعلِ الخَير رِداءَ الإرادة الإنسانية، بينما أشار أفلاطون (427 ق.م – 347 ق.م) إلى أنّ الفلسفة تعني “البحث عن حقائق الأشياء وعن الجمال والانسجام الذي يوجد في الأشياء والذي ليس إلّا الخير”، وأمّا أرسطو (384 ق.م – 322 ق.م) فكان أوّل من قدّم الفلسفة على أنَّها قاعدةً مَنطقيّةً، إعتَمَدَها كمنهجٍ لمعرفةِ وَفَهمِ غَوامض الوجود وأنّ إثباتها يكون باستخدام الأمور الحسيّة والعَقلية، لكنّه رَفَضَ الربط بين المَعرفة والفَضيلة، واعتَقَدَ بأنَّ الفضائل إنَّما هي غايات ووسائل يستخدمها الإنسان من أجل بلوغ الخير الأسمى أو ما أسماه بالسعادة، في حين عَرَّف الفارابي (874-950 م) الفلسفةَ على أنّها: ” العِلمُ بالمَوجودات بما هي موجودة ” وأنَّها ” مَعرفة الخالق تعالى، وأنَّه المُرتّب لهذا العالَم بوجوده وحكمته وعدالته”، فالفَلسَفة إذن هِي المَنهج المَعرفي في البّحث والاستدلال في أمورِ الكون والإنسان والخالق مُستنداً إلى العَقل والفِكر والإرادة كقواعدَ وأسُس ومَناهج في هذا الاستدلال.

ولأنَّ الفلسفة تعني النَظَرَ والتدبّر في ماهيّة الأشياء فقد رافق مفهوم الوجود سؤال كان ولا زال يُحلّق فوق الرؤوس، يُلاحق خَواطر العقول، يَحفرُ في أعماقِ الذّات، ويبحث في خفايا الوجود طالِباً مَدارج الكمال الإنساني، فيحطّ بأجنحته هنا وهناك، ويَستنهض هذا وذاك، يقودهم لمسيرة البحث والتقصيّ وطرق أبواب العلوم الماديّة والشرائع السماويّة والنظريّات الفلسفيّة باحثاً عن دروب الكمال.

ورغم إنَّ التفكير في الذّات الإنسانيّة يَعتبره الكثيرون قُطب المباحث الأنطولوجية، حيث الذّات هي المُرتكز، وأنّ الحديث في فلسفة الوجود يكاد يتماهى مع المباحث الانتروبولوجيّة، لكنَّ النتائج الواقعيّة تؤكد أنَّ الآراء والمدارس تبقى مختلفة ومتشعبّة، فكلٌّ له فلسفته ومنهجه في البحث، وأسلوبه في القراءة والنظر، وطريقته في التحليل والإستنتاج.

ولأنَّ الحديثَ في هذا البحث المُقتضب يَعتبر الفَهمِ الأنطولوجي متماهياً مع الفَهم الأنثروبولوجي، فإننا نَستعين بالإثنين معاً للتَعرّف على الأسس المنطقية لعلاقة الإنسان مع ذاته اولاً ومع محيطه المجتمعي والتي من خلالها يحدد هويته ويختار عقيدته ويرسم سلوكه ومنهجه ومصيره المستقبلي.

وحيث أنَّ العلوم الوضعيّة كانت ولا زالت مُنشغلة بتقديم الرؤى الماديّة والتعريفات الفيزيائية لمفهوم الوجود، نرى مِنْ أهلِ الفلسفة الإلهيّة مَنْ يُحلِّقُ في سماء الميتافيزيقيّة مبدعاً، ويُبحر في محيط الوجود عارفاً، ليُقدّم الآراء والنظريّات والأيديولوجيات في المعنى والغاية من خَلْقِ الإنسانِ والوجود. لقد قدّم أصحاب هذه المدرسة الإنسانَ على أنّه المُرتَكز والمُحوَر في هذا الكون وكانت أغلب نظريّاتهم مُنصبّة حول فَهم ماهيّته وطبيعة تفاعله مع محيطه الخارجي والتّفكر في حقيقة الوجود والموجودات؛ فالبّحث في مَعرفةِ الإنسانِ لنفسهِ وإدراكه لعلّةِ وجودهِ هو بَحثٌ مُعمّق، وأنَّ النتائج فيه قد جاءت في أغلبها متّفقة على أنَّ تحديد مفهوم الماهيّة – كما أشار إليها العديد من الفلاسفة على أنَّها الصفة التي تجعل الموجودات متمايزة ومختلفة – هو أمرٌ مُناط بالعقل، ليأخذ دوره في التمييز بين ماهيّة الأشياء، ليقدّمها بوجهين، الأول وجود الشيء والثاني ماهيّته، وأنَّ وجودَ الموجودات واحدٌ مَع اختلافٍ في الدرجة، وأمّا الماهيّات فَهي مُتعددة، من هنا برز انشغال العديد من الفلاسفة الأوائل بتفسير تطوّر الكون، وكان من بين أولئك الفيلسوف اليوناني بارمنيدس (540 ق.م – 480 ق.م)، والذي يُعد أحد أقطاب المدرسة الإليّة، حيث كان يعتقد بأنَّ الكون واحد لم يتطور وأنّه ثابت وساكن تماماً، فَخَرَجَ بذلك عن آراء الأيونيون الذين بنوا نظريّاتهم على حركة وتغيّر الوجود.

لقد كان جلّ اهتمام بارمنيدس فيما وراء الوجود وفي ماهيّة ذاته، بينما كان أفلاطون ينظر الى الحياة والوجود على أنّه طريقاً يسعى من خلاله الى بلوغ أعلى درجات المعرفة، والذي أسماه (المعنى الكلي).

ومن  المتفق عليه عند أهل الفلسفة والمنطق أنَّ المفاهيم الأنثروبولوجية والقيم الأخلاقيّة والمعرفيّة هي أَحَد أهم معايير وأسس الفلسفة المجتمعيّة، وبالتالي فالتكامل المجتمعي ومدارج الرقيّ الإنساني في المجتمع الواحد هي من أولويات الفلسفة المدنيّة، وأنَّ المَعرفة، تِلك التي يَعدّها الكثيرون على أنَّها المُرتكز لبناء الصروح الحضاريّة، هيَ الطريق الأسلم لتقدم الشعوب وازدهار الأمم، وأنّ العِلمَ والتَفكّر والتأمّل هيَ من مُستلزمات عمليّة التّكامل الوجودي للإنسان وأنّ أعظَم تلك العلوم والمعارف هي الإحاطة بأسرار الوجود والرؤية الكونية ومعرفة الغاية التي من أجلها خَلَقَ الله الوجود، لذلك كانت الإحاطَة بعوالم الغَيب والملكوت هيَ التي تصيغ المَعالم النّظَرية والمناهج السلوكيّة لحركة الإنسان، وهيَ المُرشد والدّال نَحوَ إدراك مَراتب الكمال الإنساني، من هنا ندرك كيف أنَّ الفارابي قدّم فلسفته المجتمعيّة من خلال توليفة وتكييف للفلسفة الأخلاقية اليونانية والتي أساسها البناء التكامليّ للإنسان والمجتمع معتمداً على الأخلاق النيقوماخية لأرسطو والسياسة الأفلاطونيّة والأرسطويّة.

ولأنَّ الإنسان هو القُطب في هذا الوجود والسّر الذي من أجله خَلَقَ الله تعالى كلَ شيء، وأنَّه الغايَة التي مِن أجلِها سَخّر هذا الكَون الفَسيح والذي تَعجَز عَن وَصفه الكلمات وتتوقف عن الغَورَ في أسرارهِ العُقول لِما يَحويه من دقّة وَعَظَمَة وإبداع، فالوجود إذن ليس حدثاً عارضاً إنَّما هو حقيقة منطقيّة أثبتتها الشرائع الدينيّة والنظريّات الفلسفيّة وأنَّ أساس حركته وديمومة بَقائه خاضع لمفهوم التدافع والصراع الدائم بين الأضداد، كالحق والباطل، الخير والشر، الظالم والمظلوم، تلك التي لا تجتمع أبداً ما دامت ثوابت الأطراف قائمة لم تتغيّر، وأنَّ الإنسان هو وحده القادر على تحديد طبيعة وجوده وعلاقته بالموجودات.

وبناءً على ما سبق ذَهَبَ العديد مِنَ المَناطِقَة والفَلاسفَة إلى القول باستحالة إجتماع الضدّين في مكان وزمان واحد، خصوصاً عندما يكون بينهما مطاردة ذاتيّة، وأنَّ كُلاً مِنَ الأضداد حينما يكون مُنطلقها الذّات وأنَّها تحمل موضوعاً فإنَّ إجتماعها مع ضدّها هو أمرٌ مُمتنع. فالخير والشر لا يجتمعان في نقطة مكانية واحدة وفي محل واحد وفي زمن واحد، وأنَّ الحق والباطل ضدّان لا يجتمعان، وأن وجود أحدهما يستدعي إزالة الآخر. وبالتالي فالحلول الوسطى، والبرامج التطبيعيّة والمنطقة الرماديّة كلّها مسميّات خرافيّة وأنّها ضرب من قصص الخيال، وهي خلاف للحقائق الدينيّة والأسس المنطقيّة والنظريّات الفلسفيّة، فَجَمعُ المُتناقضات هوَ نوعٌ مِنَ العَبَث، بل هو الجنون بعينه، وقد يكون فخٌّ يستعين به طرف من أجل استدراج الطرف الآخر والأيقاع به.

فهذا الصراع سيبقى مستمراً حتى تنتصر جبهة الحق وتندحر جبهة الباطل وتلك حتميّة قادمة لا محال، وبذلك يَتّضح سرّ خَلق الوجود وكيف أنَّه مُرتَبطٌ بغائية التّكامل الإنساني حيث أراد الله تعالى له أن يَطوي مَراحل السُمُو في مَدراج الوجود من خلال رفض الباطل ونصرة الحقّ لِيَبلغ بذلك إلى أعلى مَراتب الكمال.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here