د. أحمد موافي: غمغماتٌ لا يقطفها الموتُ

 

د. أحمد موافي

في البدء كان العدم، ثم تطفلت كائنات كثيرة لتبني الوجود في غياب الشاعر.

لقد ظهر الشاعر متأخرا أولعله جاء في وقته، بعد تمام نضجه،.. فسبقه التجار و الساسة و أصحاب الصفقات المشبوهة .. وهذه من أكبر الخطايا التي كان ولا زال يعاني منها الحضور الحيواني و الغياب الجمالي.. لكن الشاعر ــ وهو يعلم يقينا أن البناء العشوائي يعم الأرواح و الأذواق، وأن معوله التأملي أقرب إلى فراشة تعلم الضباع فضيلة الإبداع ــ يأبى انعزالا يقوده إلى جوف حوت يونس عليه السلام ،ويختار بإصرار مجنون تجربة سيزيف التي تكشط جلد كتفيه وركبتيه،ثم يموت والصخرة رازحة على صدره عوض أن تكون على قمة الجبل .

      ما الداعي إلى كل هذا العناء ؟

      إن هذا تفصيل يجمله المتنبي في قوله الشهير:

      إذا كانت النفوس كبيرة === تعبت في مرادها الأجسام.

    و على نفس مسار المتنبي و طاغور و أدونيس وإقبال و غوته … يسير المشهور و المغمور من خدام الجمال و القيم . كل يسير سعيدا بصخرته التي تضنيه و تدميه، فيخط بهذا الضنى وهذا الدم وصاياه العجيبة، ومن هذه الوصايا قصائدُ الشاعر نبيل منصر التي جمعها في دواوين كثيرة، من بينها : “غمغمات قاطفي الموت ” و ” غسق الغراب شفق اليمامة “. كتبت نصوص الديوان الأول بين ربيع 94 و ربيع 97  وصدر عن مطبعة دار قرطبة، أما الديوان الثاني فصدر بتاريخ  2014 عن دار فضاءات النشر و التوزيع عمان . ويتميز الديوانان معا بأناقة الغلاف و جمال اللوحات و جودة الورق، ناهيك عن أناقة و جمال و جودة القصائد نفسها التي تهيمن عليها مجموعة من التيمات، منها : الموت،المغارة،السمك الجرة، الأفعى … لكنني أحببت الوقوف عند تيمة المــاء، ذلك أن قارئ الديوانين سيشعر بالارتواء و البلل  من  كثرة ذكر المــاء. فما من قصيدة إلا وقد “تعمدت” بماء بحر أو نهر أو غيمة أو بئر أو ثلج … :

ــ “وحدها

طيور المساء العارفة

تنقرــ في خبث ــ جذور البحر ” غمغمات ص 7

ــ ” ..الإله ذاته

    الذي أحضنه

أودعه النهر ساعة الاشتهاء ” غمغمات ص 9

ــ ” نزعت جلدي و انزلقت بين تضاعيف الماء ” غسق الغراب… ص 14

ــ ” صور كثيرة يلتقطها الموت لحيات تحت الماء ”  غسق الغراب… ص 35

ــ ” هل نجرح الناي ..

 كي تعبر غيمة مثقلة بالملائكة ” غمغمات ص29

ــ ” وكمن يتفرج على أزهار صفراء يحملها النهر، كنت أتفرج على حياتي وحيدة ماضية بلا رقيب … ” غسق الغراب… ص 65

فما هذا الماء الذي تكرر ذكره في “غسق الغراب …” بلفظه أو بما يدل عليه ما يفوق 130 مرة، و تكرر في  “الغمغمات” ما يقارب 90 مرة ؟؟ وكان قوي الحضور في بعض القصائد بحيث تردد في “عيون بحرية ” من غمغمات    25 مرة ، و تردد في ” إيروس البحر ” من غسق الغراب أكثر من 13 مرة،  مع حضور مكثف في باقي قصائد الديوانين ؟؟

إن قراءة “عيون بحرية” بعيون غير بحرية، ستوصل المتلقي ـ في الغالب ـ إلى غير ما يريد النص، ومن هنا ضرورة التماهي مع هذا الفضاء المجنون أو ” الثمرة المسحورة التي أنضجها لعاب الشيطان …” غمغمات …ص71

و هو فضاء مجنون لأن العيون البحرية هنا، هي أقرب إلى المقصلة والمقبرة منها إلى البحر و الأشرعة الجميلة، يؤكد ذلك هذا المعجم المأتمي ممثلا  في : ( جنون ـ مهاوي ـ شريرة ـ الفاسدة ـ الشيطان ـ الأسود ـ الرمادي ـ العظام ـ المصلصلة ـ الأشباح ـ ينهش ـ عويل ـ ذئاب ـ المتربص ـ الليل … ) ونجد بمقابله معجم السكينة والاستقرار مثل: ( يراقص ـ تفاحة الروح ـ الملائكة ـ المغنية ـ الحبيبة ـ الأم …) ولكن هذه الألفاظ ، و إن دلت منفردة على الأمان و الطمأنينة فإنها في سياق القصيدة نجدها غارقة في” غابة  من الهواجس الشريرة ” فكلمة الملائكة مثلا تأتي في سياق النهش و العويل :

” الملائكة الأربعة

ـ حشاشة القلب ـ

الذين ينهش حمامَ عيونهم

عويلُ

ذئاب البحر

الجائعة..”   غمغمات … ص 73

وفي  ” إيروس البحر ” نجد الرقص و النغم، الحب و البرتقال، المداعبة  والفراشات … معجم إيروسي بامتياز، لكنه مبأر في لفظة قوية الحضور : الغرق .. ففي أوج الحديث الغرامي الجميل، تنفجر كلمة الغرق لتحول العرس  مأتما، والغزل رثاء :

” كأس البرتقال يشرب من جلستنا، بينما شفتانا تتلمظان حديث الحب. أما الأذنان فمحارتان تختزنان كلام الغرقى ” ص  106 وفي نفس الجلسة، حيث الحب و البرتقال و الشمسيات الشبيهة بأشجار ظليلة، يأتي الحديث عن الغرق كلازمة تذكر الذات بدور  آخر من أدوار المــاء القاتلة :

” الشمسيات أشجار صيفية ظليلة زرقاء و حمراء، استنبتها غرقى ليلا في غفلة من عيون اليم “

فالغرق هو الإطار الذي يتحرك داخله المعجم الإيروتيكي  . بل إن الغرق يمتد و يتنوع حتى نرى إلى جانب غريق المــاء، غريق النــار :

” غريق النار

 لم يعد طيفه مع المركب الناجي

من أظافر المينادات” ص 104

إن توظيف الماء في جل قصائد الشاعر يكسر المعنى المستقر في أذهاننا و المتمثل ــ عادة ــ  في قوله تعالى : ((إنا جعلنا من الماء كل شيء حي )). فالماء في الديوانين  يمثل غريزة الفناء  لا البقاء، ولذلك فالماء غرق، و الماء رفات،  و الماء أظافر، و الماء نار، و الماء “غابة  يُـعـَيـَّدُ التمساح في أرجائها” غسق ص52.

  والماء أفعى تتلوى وتنساب مخيفة و مجلجلة و معلنة أن ماء القصيدة ليس هو الماء خارج القصيدة،.. فالماء خارج النص كائن حي، دوره مرسوم  و محفوظ كالنار و الهواء و التراب، لكنه في القصيدة يلبس لباس غراب الغسق، ذلك “الغراب المضاد” الذي يرفض دور حفار القبور، و يأبى إلا أن يعلمنا كيف نعيش حياتنا لا كيف نُـدفن موتانا :

 ” انظروا إليه كيف يبحثُ بقوائمه في الهواء، كأنه يريد أن يعلمنا كيف نتخلص من أعباء موتنا ونحيا. ” ص67

 كذلك الماء إنه كائن آخر، كائن رمزي يهمس للشاعر بما لا يهمس به لغيره، و يمشيان جنب بعضهما مشية صديقين يتساران بحزنِ من يفهم سر غمغمات قاطفي الموت، أو سر الشاعر الألماني ريلك، قاطفِ وردة الحبِّ التي قَـطَـفَـتْـهُ. 1

و حيث أنهما يتساران، فإنهما مرآتا بعضهما البعض، كل منهما يعشق نفسه في صفاء عيون صاحبه. وهذا غرق آخر، في بحيرة أشد عمقا و أفدح عقما، فما من غرق أكثر خطرا من الغرق في الذات، عشقا وتشبيبا و إحساسا بتميز لا يناله إلا ّ من كان له بالنرجس صلة أو نسبا :

ــ ” بزفرة صغيرة أعود اليوم. إنها حقا معجزة الشعر.  معجزة تطلق لِحِيِّ البعض و تُتلف سيقان آخرين. و من بقي على رشده تشبَّب بوجهه النابت في بحيرة . أنا من بينهم الأكثر حظا، … ” غسق  ص 66

إن العشق و التشبيب هنا متبادلان، فتبعا لتأملات باشلار ، ليس النرجس وحده من يعشق صورته في مرآة الماء. الماء كذلك يعشق صورته المنعكسة على عيون نرجس:

 ــ “هكذا

عند الليل

أكون شاشة لنفوذ النهر الرقراق…” غمغمات…ص 10

لكن نرجس الديوانين الشعريين، أكثر احتفاء و انتشاء بصورته في المرآة، منه بصورة الماء على شاشته :

 ــ ” وحتى المرآة

لم تعد تلزمني

فأنا أعرف وجهي

منبسطا على البحيرات

منذ الأزل … ” غمغمات…ص-64

فنحن أمام  بحيرتين تتساران، تتغاويان وكل منهما تقول للأخرى، أنا أكثر صفاء و أبعد غورا .. و لأن للشاعر “يدان جسورتان” ص 45. فقد تجاسر و أحتضن صورته و غاص إلى أبعد مدى، متشببا بوجهه النابت على صفحة\قعر الماء … لم يكن له خيار فالمياه تمويه، وهي أكثر فتنة، و لها في الغواية تاريخ طويل، و هي صافية و مغرية تتثنى بنعومة ودلال، تنساب بين الأعشاب في صمت ، وقد تحدث صوتا كجلجلة الأفعى، تحفر مغارات و تزحف إليها، فلا نرى منها إلا ما تبقى من جسمها الناعم الطويل … هل كان الشاعر يهذي عندما ذكر كلمة الأفعى لفظا ما يفوق 13 مرة ؟ ناهيك عن الإشارات الكثيرة إليها بما يدل عليها. فللأفعى في النص  حضور ملفت، و لأنها تحب التكتم و الاختفاء فإن الذي يعشقها أو يخافها  يستطيع أن يراها من خلال الأمثلة القليلة التالية :

 (مسوخ زاحفة ــ لقد عادت متسللة بعدما دفنت الجرس المعلق برقبتها بحفرة أسفل الشجرة ــ زحفت على بطنها باتجاه وادي العطش ــ عصا لها أحيانا حياتها الخاصة ــ …)

هل كان الماء يموه الشاعر ويتراءى له بكل أسمائه التي من بينها الأفعى ؟ قد يكون. وفي لسان العرب، نجد للماء دلالات متعددة من بينها التمويه و هو التلبيس والمخادعة… “

 ولكن ابن سيرين يكشف التلبيس و يفضح المخادعة و التخفي حين يقول :” من رأى أنه يتخطى الحيّات ويمشي بينها دَلّـت رؤياه على مطر عظيم تسيل منه الأودية .” وعليه فالحيات ماء ، وهو المعنى الذي يؤكده لسان العرب في مادة ثعب بقوله : ” … ماء ثَعْـبٌ و ثَـعَـبٌ و أَثعوبٌ و أُثْعُبانٌ : ماء سائل … و الثَّـعْـبُ مسيل الوادي، و الجمع ثُعبان … “

يقودنا هذا إلى أن التمويه و المخادعة، و الحية و الثعبان… وجوه أخرى من الوجوه الكثيرة للماء، و هي بالتأكيد وجوه تكرس معجم عنف الماء  و وحشيته،  الشيء الذي يجعل ذات الشاعر تعيد النظر في أمر التشبيب الجميل بالوجه النابت في بحيرة، لتكتشف أن هذا التشبيب النرجسي هو نتيجة تمويه يقود ــ بالخطإ ــ إلى أن ماء البحيرة ، ليس هو ماء النرجس الأسطوري  ولا هو ” مغتسل بارد وشراب”، و إنما هو ماء مخادعة و تلبيس، ولهذا تسعى ذات الشاعر إلى استرجاع ذاتها الغارقة في الأمواه، فهي بعد أن أغواها الماء ودفعها إلى التشبيب بالوجه النرجسي، تكتشف حقيقة الخدعة و تسعى إلى استرداد ما ضاع في عمق التمويه، قال:

” في الشتاء كما في الصيف، أختلي بي و أكون صياد نفسي في المياه العميقة. ” غسق الغراب… ص18.

 سيطول الشتاء و يطول الصيف بطول انتظار اصطياد النفس التي لا تُصطاد، ذلك أن الماء لا يعيد ما أخذ. و الشاعر واثق من هذا الأمر ولهذا عبر عن انتظاره الطويل، بمشهد المتفرج الذي ينظر إلى جسده يتحول إلى محو، إلى رفات :

ــ ” وكمن يتفرج على أزهار صفراء يحملها النهر، كنت أتفرج على حياتي وحيدة ماضية بلا رقيب إلى مغارة السرينات، حيث العذوبة تمتص الجسد وتحوله إلى مجرد رفات ” غسق الغراب ص 65 .

الماء، إذن، لا يعيد ما أخذ. إلا أن يعيده رفاتا، و ذلك لأن من أهم خاصياته، المحو.

يمكن للمحلل أن ينظر إلى مشهد الرفات بتأويل إيجابي، لأن الرفات ــ رمزيا ــ تحيل على المحو، وهو أمر مرغوب عند المبدع عامة، و بالأخص عند الشاعر الأصيل الذي تعشقه اللغة، وتأتيه من حيث لا يحتسب بمعاني مكنوزة في أحشائها البعيدة، ذلك أنه بالرجوع إلى لسان العرب نجد :

الرفات : رفت الشيء يرفُتُه رفتا = كسره ودقّه .

الرَّفْتُ  : التحطيم و التكسير .

الرُّفْتُ   : التين .

الكلمة الجديدة عندنا هي الرفت  ــ براء مشددة ومضمومة ــ و التي تعني التين .

إن هذا الاشتقاق يفتح بابا جديدا للتحليل و التاويل ، ذلك أنه يعز على اللغة أن تترك شاعرها رفاتا في مغارة، و هي القادرة على أن تخرجه ــ بعد المحو ــ من حالة الكسر والدق و التحطيم ، إلى حالة تمرة التين التي تحمل دلالات رمزية كثيرة ، يهمنا منها أن بودا  ــ حكيم الإنسانية ــ  لم يعرف الإشراق و النور إلا بعد أن جلس مستظلا بشجرة التين، فهي إذن، مقام إلهام و إشعاع  وعطاء و إبداع … و ذلك قدر كل شاعر يرفض أن يقف حيث وقف سابقوه، ويأبى إلا أن يغتسل بماء المحو الذي يمجد (”  الإقامة في المجهول ، في المتاه، في المحو في حدود الخطر…”)2

المجهول ، المتاه، التمويه، الخطر، الرفات … ثم إشراقات بودا تحت شجرة التين … لعل هذه الرحلة تنطبق جزءا أو جلا على قصائد الشاعر نبيل منصر الشبيهة بكتبان رمال، لا تصلح أن تكون معالم طريق، لكثرة تحولها وتنقلها … و من عول عليها أضاع في متاهاتها النفس و النفيس، و يا ضياع من لا يجيد قراءة النجوم، فبها وحدها نخرج من حال الرفات إلى حال الاستظلال بشجر الصمت الحكيم.

و مما تمليه نجوم الديوانين، أن نترك لهذه النصوص المشبعة بعذب  الماء و مالحه، أن تخاطب صورها القابعة في ظلام كهوفنا، لعلها تفتح عيوننا قليلا على احتمال أن تكون الحقيقة خارج الكهف، و لعلنا  نخبر حامل الصخرة أن غمغماته لا يقطفها الموت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـــ [ كان الشاعر الألماني ريلك مريضا، ضعيف المناعة، وعندما زارته صديقته المصرية نعمة علوي بك قطف لها بعض الورود عربون محبة .لكن شوكة وخزته فأصابته بجرتومة ظلت تنخر جسده حتى الموت ]. ألهذا السبب صدَّر الشاعر ديوانه الثاني بكلمة لريلك ؟

2 ـــ نبيل منصر، الخطاب الموازي للقصيدة العربية المعاصرة . ط الأولى2007 ص 250

الدار البيضاء :

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. سبر جميل بالغ الرهافة والذكاء لصورة الماء في الكتابين الشعبيين. سبر المتخيل يزداد عمقا بالانعطافات المفاجئة التي تقوم بها قراءة حيوية، عنيدة ومتبصرة. شكرا عزيزي الباحث المقتدر أحمد موافي.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here