د. أحمد عبد المجيد أجادة في التقديم واقتناص الذكريات من ضيوفه في كتاب “الأهوال والأحوال”

بغداد – حمدي العطار

بعض الكتب تجبرك على مطالعتها ، بغض ان كنت تتفق معها في كل ما جاء بها أو في جزء منها، ولكنها على طريق الفكر تشكل علامة مميزة، كتاب (الأهوال والأحوال) – حوارات صحفية في الشأنين العراقي والعربي – للكاتب والاعلامي د. أحمد عبد المجيد والصادر من دار شركة الانس للطباعة والنشر سنة الاصدار 2019 والذي يقع في 366 صفحة هو من الكتب المهمة التي تحمل مواصفات القراءة الفورية لا ان تركن مع الكتب في رفوف المكتبة! اقول هذا لرغبة القراء الملحة في قراءة الروايات التي تشبع الخيال وتزرع الامل وحتى الاوهام ، اما الكتب الثقافية والسياسية الفكرية فقد ابتعد القراء عنها من دون مبرر، فهذه الكتب هي التي توفر الثقافة والمعرفة والمعلومات، وقد تجدها في كتب السير الذاتية لرجال السياسة والفكر كما تجدها في هذا الكتاب الذي بذل المؤلف به جهدا كبيرا وجمع حواراته مع اكثر من مسؤول رفيع ومؤثر لمراحل تاريخية متعددة (بلغ عدد الضيوف 18 سياسي ومفكر وكاتب وفنان تشكيلي وعالم) اكثرهم من العراق وبعضهم من الدول العربية.

العنوان المثير

“الاهوال والاحوال” عتبة مغرية للدخول الى متن الكتاب ولا اظن المؤلف كان يقصد الاثارة بهذا العنوان بقدر ما اراد ان يمهد للقارئ بإنه سوف يطلع على أسرار ومواقف وقرارات ونصائح واستشارات ولحظات مراجعة وندم وعدم قدرة على التصحيح ادت بالعراق وشعبه الى ما وصل اليه من مأزق وانسداد مخيف، من هنا كان الاهداء مكملا لمعاني العنوان (الى أهل العراق الذين عصفت بهم الاهوال وذاقوا مرارة الأحوال. كانت، في الواقع، بطعم الحنظل.. لا يتحمله مخلوق)

معلومات وحقائق

في مقدمة الكتاب يوعد المؤلف القارئ بإنه سوف يطلع على معلومات جديدة وليست مستهلكة ، وهي معلومات ايضا مهمة لأنها تمثل (قضايا الرأي العام ) وهذه وظيفة الحوار الصحفي الناجح، أن يقدم “معلومات جديدة او بيانات او حقائق حول بعض الحوادث او الموضوعات، ويهدف الى التعرف على وجهات نظر الشخصية التي يحاورها الصحفي” ص9 ، وفي المقدمة هناك نصائح مهمة يعطيها  المؤلف لكل صحفي يرغب ان يجري مقابلة او حوارا صحفيا ناضجا واعطى لها توصيف (الاستعداد) للمهمة، ومنها (خطة لتقسيم المحاور- الدور الايجابي للصحفي في تطوير الحوار واغنائه..وتجعله اكثر حيوية- ضرورة خلق انطباع ايجابي منذ اللحظة الاولى “ص11 ،  ان المدة الزمنية لهذه الحوارات تمتد من عام 2013-2018 وهي حوارات (تعكس حقبة من الاوضاع العامة الاستثنائية التي عصفت في العراق والبلاد العربية والاسلامية، وكانت أهوالا حقا)ص12 ،  كما يشير المؤلف الى ان هذه الحوارات تكتسب اهميتها التاريخية والاكاديمية “لمن يعتزمون دراسة حال العراق والامة، ويبحثون عن مصادر دقيقة في الموضوعات التي يخضعونه للدراسة”ص13

ضيوف الحوارات

كانت اختيارات الكاتب لضيوفه موفقا ، وهو ينتقل من السياسي الى شخصية ادبية او فكرية وحتى صحفية وهذا التنوع جعل الكتاب ممتعا يزخر بمختلف المعلومات والاراء وهؤلاء الضيوف هم (فؤاد معصوم، الامير الحسن، هاني وهيب، محمد دبدب،خير الدين حسيب، فؤاد مطر، محمد كامل ظاهر، جبار اللعيبي، فاضل ميراني، محمد نظيف قادري، عبد اللطيف جمال رشيد، عبد الرزاق العيسى، علاء بشير، علي الاديب، همام عبد الخالق، رشيد خيون، حسن العلوي، محمد دحلان) ويشير الكاتب في نهاية مقدمته (وفي هذه الحوارات تتكشف (أهوال) يسردها ابطالها و(أحوال) قد تستمر طويلا أو تدوم.)ص13

حوارات الاسئلة الحساسة

يحدد الكاتب احمد عبد المجيد السياق التداولي لطبيعة الاسئلة التي غالبا ما تكون  ليست سهلة بل هي تسحب الضيف الى التصريح وكشف ما يضمره امام محاصرة السائل،، والحوار الصحفي عند المؤلف هو ليس مجرد أثبات وجود وليس مجرد أجابات من وزير سابق او مسؤول حزبي واعلامي او صاحب منصب حالي وانما هو أخذ وعطاء متصل حتى يقتنع السائل أو المسئول برؤية أحدهما او حتى يصلا الى موقف ورؤية مشتركة، فللمؤلف رؤيته بالمواضيع التي يواجه بها ضيفه بالحوار.

الاسئلة الحساسة

الكتب المهمة لا تكمن اهميتها بما تحتويه بل فيما تستثيره في ذهن قارئها وما تخلق من مخزون يضئ الفكر والذاكرة بإستمرار،  الكتاب هو كتاب اسئلة حساسة جدا،  نذكر بعض النماذج من تلك الاسئلة :-

فؤاد معصوم (رئيس جمهورية العراق السابق)

  • خلال مدة ولايتك تعرضت الى انتقادات أو ملاحظات من بعض خصومك. هل انت متحامل عليهم ام ترثي حالهم ام مستعد للصفح عنهم؟وتحدث معصوم عن تسريبات غير صحيحة حول تعين (ثلاثا من بناتي مستشارات في مكتبي ويتقاضين رواتب من الدولة) وكانت اجابته عن هذا السؤال في ص33

هاني وهيب (السكرتير الصحفي  والاعلامي لصدام حسين)

  • هل كان الرئيس صدام يتقبل الرأي المختلف أو النقد؟

  • وتحدث هاني وهيب عن علاقته بصدام وصراحته في طرح المواضيع مع صدام ، اجابته في ص62

محمد دبدب (رئيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق السابق)

  • هناك من يرى ان تجربة الاتحاد الوطني لطلبة العراق اثرت سلبيا في الحياة الجامعية واسهمت في تدني مستويات التعليم؟

اجاب محمد دبدب عن هذا السؤال فيما يخص عمله في مجال الطلبة لمدة طويلة،ص83 ،، وعن سؤال حول (الضرورة التي تلزم حزب البعث بمراجعة تجربته الماضية ونقدها والبعض يذهب الى ضرورة اعترافه بالاخطاء والاعتذار الى الشعب العراقي؟ الاجابة في ص84

*قوة الاسلوب

عند قراءة هذا الكتاب قد تشعر ان برأسك تكونت خواطر كثيرة، فهو يقدم متعة فكرية لا يمكن تجاهلها فالحوارات تستحق إعمال الفكر والتأمل فيه، فضلا عن التنوع بالموضوعات حسب تخصص وموقع كل ضيف، واكثر ما شدني هو قوة الاسلوب الذي يكتب فيه الدكتور احمد عبد المجيد في مقدمة الحوار والتي تلخص الشخصية بالاضافة الى جمال الوصف لمكان اللقاء وكذلك بعض اللمحات الانسانية التي يصادفها المؤلف اثناء زمن الحوار .

  • يصف المؤلف الكاتب والمفكر حسن العلوي”كان شعره الابيض كالثلج يتربع فوق رأسه ملخصا سنواته الثمانين التي حملها على كتفين صغيرتين ولكنهما بصلابة الفولاذ”ص345

  • ويكتب في مقدمة الحوار مع الكاتب رشيد الخيون “شعرت بالاعتزاز والزهو لوجود عراقي من طرازه تاركا الفرقاء يغرقون بخلافاتهم السياسية. بينما يجتهد هو ويثابر لتحويل خلافات الطوائف والملل والنحل الى منطلق للحكمة والموعظة الحسنة والتسامح واشاعة السلم الاهلي.”ص299

لنقرأ ما كتبه المؤلف ليصف خروجه من بغداد مرورا بكربلاء وصولا للنجف ، بخلطة اسلوبية رشيقة وهو ينوي اجراء حوار مع وزير التعليم العالي ووزير المالية بالوكالة الدكتور  (عبد الرزاق العيسى)

  • غادرت بغداد في ظهيرة تتهيأ فيها تيارات سياسية الى تظاهرة احتجاجية جديدة. كانت الشوارع شبه مقفرة كما لو ان الناس لجأت الى مآويها لتجنب حدث يلوح في الافق. وبدت حركة السيارات، على غير عادتها تلك الساعة..ثم حينما يصل الى كربلاء يقول “كانت القباب التي عرفت بها كربلاء تختفي وراء ارتفاع غير معهود للعمائر الحديثة المشيدة في اعقاب الطفرة التي شهدتها السياحة الدينية منذ عام 2003 …. بعد ان يصل النجف محل اقامة الوزير ضيف الحوار فيكتب “بدت النجف لي مرة اخرى متسعة معالم نهضة عمرانية تدب في احشائها. وفي أركانها تتربع مبان 4 جامعات تعتمد مساقات التعليم العالي، مشيرة الى تاريح طويل منذ ان تسلمت المرجعية الاولى ارهاصات النزوع الثقافي والعلمي لمدينة شرفها رفات سيد البلغاء الامام علي بن ابي طالب فاستقدمت خيرة فقهاء العصر يحجون اليها… ويسترسل في تداعيات ادبية بالوصف والتعليق حتى يصل الى منزل الوزير “في حي سكني يقع منزل وزير التعليم العالي والبحث العلمي بمساحة لا تتجاوز 300 متر. السياج شامخ بحيث يستحيل على المارين رؤية سنتمتر واحد من أجزاء المنزل الداخلية، وعند المدخل نقطة حراسة بسيطة جدا لا توحي بمهمة تولي حراسة مسؤول بمستواه يقود وزارتين رياديتين …صالة الاستقبال التي قادنا الوزير اليها لا يختلف اثاثها بتاتا عن صالة منزل موظف متدرج. وزاد جو الالفة الذي يحفها ان حفيده حسن اخترق جلستنا وشرع بحركات طفولية عبثية، اقلها اسقاط الحاجز الخشبي الموضوع بين حجرة الاستقبال والباحة الداخلية. وظل يتنقل باثا جوا من الأريحية في السلوك الرسمي للوزير وعلاقته الاسرية بأفراد العائلة.”ص239-241

الخاتمة

لقد خرج كتاب (الأهوال والأحوال) للكاتب الدكتور احمد عبد المجيد  بصورة استقصائية في محاولة للحصول على اجابات واضحة عن اسئلة كبيرة ، اسئلة تتبادر الى الاذهان في مجالات السياسة والافكار والمشاريع لرجال كان لهم شأن كبير، وكانت الاسئلة احيانا من نسيج الاجوبة حتى تأخذ المقابلة صفة الحوار، الكتاب متميزا في بابه لتنوع الموضوعات، مثير للفكر وهو مثير للمعرفة ويستحق القراءة والاهتمام.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here