د. أحمد درويش بعد تكريمه  من “مؤتمر أدباء مصر”: للأسف أصبح النقد صناعة من لا صناعة له! نظرتنا للحداثة ولدت بمعزل عن الظروف التاريخية.. ليس من المعقول أن يكون النشاط النقدي والأدبي في أمة نشاطا مجانيا تجريبيا طيلة نصف قرن

القاهرة – “رأي اليوم” – محمود القيعي:

انتقد د. أحمد درويش النظر الى الحداثة  بمعزل عن الظروف التاريخية  في نشأتها، مشيرا الى أن الظروف العقلية والثقافية التي نشأت فيها الحداثة الغربية لا تنطبق بتاتا  على شعوب لا زال ثلاثة أرباعها من الأميين، ولا يزال حظها من العلم والإنتاج شبه معدوم.

د. درويش الحاصل على  الدكتوراه في الآداب من جامعة السوربون بباريس يؤرّقه ما آلت إليه أحوال الثقافة عندنا عامة، وأحوال النقد الأدبي خاصة .

في السطور التالية حوار مع د. درويش بمناسبة تكريمه أخيرا من مؤتمر “أدباء مصر”  يشخص فيه الداء ، ويضع الدواء :

*نبدأ بكتابك “النص والتلقي” .. هل نعدّه نقدا للحداثة العربية؟

هو نقد للنقد، وهذا علم قائم بذاته،شديد الحيوية في دوائر النقد العالمية.

النقد باعتباره فكرا إنسانيا يحاول أن يضيف قواعد علمية من ناحية، ومذاقا شخصية من ناحية ثانية، ويستجيب للمناخ اللغوي والثقافي المحيط به، وهذا النقد بطبيعته قابل للتطور، حتى لا يصاب بالجمود، وهو ما جعل موجات النقد في العالم الغربي تتوالى وتتوازى ، وأحيانا تتناقض ، ويتولد عن هذا التناقض اتجاه جديد  ابتداء من دعوة دي سوسير في أوائل القرن العشرين الى جعل اللغة علما ، ومن ثم جعل النقد المنبثق عنها علما ، وصولا الى  دعوات دريدا التفكيكية في أواخر القرن، الأمر الذي جعل من المنتج النقدي في مجمله صورة لتطور الفكر الانساني  والانتاج الأدبي واختلاف مذاقاته على مدى قرن .

عندنا غالبا ما نطلق صرخة ما نقدية وتكون مبهرة ونتعلق بها ، ويمضي الزمن عليها  فتتغير في أماكن أخرى ، ونحن نظل متعلقين بها، تفرغ من محتواها ومواقفها الفلسفي والفكري ، ونظل نحن  متعلقين بها .

الأغرب أن الذين يلتزمون بها من رواد الأخذ بالفكرة يتابعهم غيرهم غير واعين في كثير من الأحيان بالتفاصيل الدقيقة والأسس الفلسفية والعلاقة بالإنتاج الأدبي  ، وتقل درجات  الوعي بها جيلا بعد جيل .

فإذا بنا نقع في ( تقليدية الحداثة ) ليست أقل سوءا من ( تقليدية القدامة ) التي بدأت حركات التجديد  في الثورة عليها .

*كيف ترى المخرج من  المأزق الثقافي و النقدي الذي وقعنا فيه طيلة نصف قرن  جرّاء التطلع الى حداثات لم تغن عنا شيئا؟

علينا تلمس معرفة أسباب تفاقم المشكلة وأولها أن كثيرا من الذين يدخلون في صناعة النقد الأدبي  لا يعترفون اعترافا حقيقيا بأنه علم تخصص كالطب والهندسة والاقتصاد ، ينبغي ألا يخوض فيه من ليس مؤهلا له .

للأسف أصبح النقد صناعة من لاصناعة له  وتلك هي المشكلة الأولى .

يجب علينا أن ندرك الفرق الجوهري بين ما يسمى في علوم النقد ( شكل الشكل) و ( معنى الشكل)

العيب الواضح عندنا خاصة في الرسائل الجامعية هو  القناعة باستيعاب شكل الشكل ، وملء صفحات رسالة أو كتاب بمجموعة هائلة من المصطلحات والجداول والرسوم البيانية وترديد أسماء أصحاب المذهب الأدبي دون خلوص حقيقي  لاستيعاب  معنى الشكل ومحاولة تطبيقه على واقع أدبي تطبيقا ليس مجرد محاكاة أو ترديد للمصطلحات ، ولكن ادراك لجوهر النص وما يحتاجه من وسائل نقدية لإلقاء الضوء عليه.

يقود ذلك الى العيب الثاني وهو الانطلاق من الشكل النقدي الى النص المدروس وليس العكس ، ويحدث نتيجة لذلك أن يقرر باحث ما أو ناقد ما تطبيق السيميائية أو التداولية أو الحجاجية أو الشكلانية أو البنيوية على انتاج كاتب ما حتى ربما قبل أن يقرأه ، فيشكل من هذه الأدوات ما يشبه ( الباراشوت ) ويهبط  بها على النص ، فيلوي عنقه وهو يريد أن يحقق فرضيته ويملأ صفحات بحثه  طويلا كان أو قصيرا بمصطلحات المنهج الذي اختاره ، ويعتقد أنه أرضى بذلك نفسه ، وأبهر قراءه دون أن يسأل نفسه سؤالا بسيطا :

 هل أصبحت أدبية النص بعد هذه القراءة أكثر جلاء وإمتاعا؟!

وذلك يقود الى العيب الثالث  ، وهو الخلط بين ( الأدبية ) و ( الأدب ) والاكتفاء غالبا  بالأولى التي تعنى في عرف النقاد المعاصرين في الغرب الوسائل التي يصير بها الأدب  أدبا وهو يأخذون الشق الأول ، فإذا ما وصلوا الى الشق الثاني الذي  لم ينطلقوا منه أساسا كان الإعياء قد أصابهم ، أو كان الرضا قد ملأ نفوسهم بما نالوه من الشق الأول، وعلى القارئ أن يذهب بحسرته جراء تلك القراءة النقدية المتعسفة .

سبب آخر هو أن نظرتنا للحداثة ولدت بمعزل عن الظروف التاريخية  في نشأتها وهي ظروف شديدة الأهمية لفهم ما يدور فيها ، فإذا أخذنا مثلا بأفكار مذاهب العبث كالدادية والسريالية التي ولدت تاريخيا أثناء الحرب العالمية الأولى منطلقة من الصدمة الكبرى التي  حلّت في نفوس شعوب بلغت بالعلم والعقل مداه ، وقادها هذا المدى الى عصر الصناعات الضخمة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حيث عصر إنتاج الاسلحة الفتاكة التي دمرت العالم، فكان رد الفعل عند هذه الشعوب كراهية مؤقتة للعقل والتنظير ورغبة في العلو عليها والرجوع الى العفوية والسريالية  أي ما فوق الواقع والعبثية والدادية .

فهل تنطبق هذه الظروف العقلية والثقافية على شعوب لا زال ثلاثة أرباعها من الأميين ، ولا يزال حظها من العلم والإنتاج شبه معدوم؟!

ونفس الأمر ينطبق على مذاهب الشكلانية التي بدأت في الشرق الأوروبي في بلاد الاتحاد السوفييتي والدول التابعة لها في ظل حكم شيوعي فردي استبدادي، ساعتها انطلقت  بمدرسة موسكو ومدرسة براج وما شاكلهما دعوات  بأن يتم الاهتمام بشكل الأدب لا بجوهره ، ربما هروبا من من الوقوع في فخ العقاب  ، وأهدر المعنى تماما .

فهل لدى ناقدنا اليوم الذي يطبق هذه المذاهب نفس البواعث من ناحية أو نفس درجة النضج في العلوم المساعدة من ناحية أخرى، وهل لدى النص الأدبي الذي يحلله أنماط من المشابهة مع تلك الظروف و النصوص التي انطلق منها الشكلانيون ؟

إن الاستفادة من الأسس النظرية التي تم الوصول اليها في مذاهب النقد الغربي شديد الأهمية ، وهو جزء هام في تيار التخصص، لاينبغي لمن يقدم على تشريح النص الأدبي أن يكون خاليا من أدواته ، لكن عليه أيضا أن يدرك الفرق بين ( شكل الشكل) و ( معنى الشكل).

تبقى قضية هامة وهي طبيعة اللغة وأهمية أن يكون الناقد نفسه مسيطرا على المادة الخام التي يتعامل بها مع النص ، لا أن يكون النص نفسه مسيطرا على المادة التي يبني بها أدواته .

إن عدم إدراك ( فقه اللغة ) التي يتم بها بناء النص هو الذي أحدث هذه الربكة الكبرى، لدى الأدباء الذين يبنون ، والنقاد الذين يحللون.

وتأتي كارثة الختام في عدم إحكام الربط بين الجانبين الرئيسيين في العمل الأدبي ، وهما النص والتلقي ، أي ابداع الأديب وإبداع الناقد وهما في واقع الأمر أشبه بطرفي الدائرة الكهربائية السالب والموجب ، لا تتم الإضاءة الا من خلال الاتصال الصحيح بينهما ، وإذا حدث فصل  كما يحدث الآن من ناقد يهتم بشكل الشكل ، وينطلق منه ويفصله دون أن يتلامس تلامسا حقيقيا مع الطرف الآخر في النص أو النصوص التي يعالجها ،فإذا لم يتم التواصل بين هاتين الدائرتين أو هذين القطبين ، سينتج ما أطلقت عليه ( الطنطنة النقدية ) أو ( الطنطنة الأدبية ) وهي للأسف متوافرة عندنا بقدر لا بأس به .

*ماذا ينقصنا كنقاد عرب  الآن ؟

نحن نفتقر الى النقد التطبيقي المنطلق من مؤهلين متخصين يمتلكون أدوات الكشف عن النص علميا  ، وأدوات التواصل مع النص الأدبي ذوقيا ، ومعرفة كيف يوجه الناقد قدرة الضوء الكاشفة التي يمتلكها الى صفحة الكتاب ، لا الى  عين القارئ.

لأنه لو وجهها الى العين ، فلن ترى، لأنه في تلك الحالة يردد أسماء المصطلحات والمؤلفين والجداول، انطلاقا من أن الناقد بدأ من المذهب النقدي ، لا من النص الأدبي .

إن القارئ محتاج الى طبيب عالم مؤهل متذوق يلقي الضوء على صفحات الكتاب ليرى ، لا على حدقة عينيه  ، فيتخبط ويصاب بالصداع أو العمى.

* يرى البعض أن قصة الحداثة عندنا محزنة: حيث افتتان أكثر فأكثر بالغرب ، وثقة أقل فأقل بالنفس؟

أظن أن هذا لا يخلو من صواب  ، مع وجود استثناءات من نقاد واعين استطاعوا أن يحدثوا توازنا بين مواكبة التقدم في علوم النقد في الغرب ، مواكبة حقيقية من خلال التماس مع  اللغات الأصلية ، لا من خلال قراءة الترجمات المشوهة غالبا ، هؤلاء النقاد استطاعوا ان يحسنوا التواصل مع نصوص الإبداع العربية القديمة والحديثة انطلاقا  من قراءة مباشرة لا من التسليم بشائعات مروجة.

*في رأيكم ما أسباب تعثر المشروع الحداثي  في العالم العربي؟

ليس من المعقول أن يكون النشاط النقدي والأدبي في أمة محتاجة الى النهوض نشاطا مجانيا تجريبيا طيلة نصف قرن، ينبغي أن يكون هذا النشاط ذا صلة بالواقع لكي يأخذ بيده، وينبغي أن يكون ذا قدرة على نقد نفسه بنفسه لكي  يتطور ، لكن التكلس حول الذات وعدم النظرة الواسعة لنتائج التراكم عمل على تضييق دائرة المهتمين بالنقد الأدبي ، وعمل على حساسية عدم قبول  نقد الآخر ، وهو احساس يتصل  حتى بفهمنا للديمقراطية  وقيمة الرأي الآخر .

ترتب على ذلك تضاؤل دور الأدب في تشكيل اذائقة الحضارية والوعي الثقافي العام ، وأصبح مرجع المثقف العام عندما يستشهد على قضية ما أو يعود لقضية  ، فيلم سينمائي أعجبه أو نكتة في مسرحية شاهدها ، ونادرا ما يستشهد بكتاب أدبي عظيم أضاءه له ناقد متخصص  .

أضف إلى تلك الأسباب ” الشللية” والمجاملة في الوسط الثقافي والأدبي خصوصا في أجهزة الاعلام، وتحكم الهوى الذي يضل دائما .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here