د. أحمد جبر: مقومات اللوحة الإبداعية في نص أبي ذؤيب الهذلي “أساءلت رسم الدار”

د. أحمد جبر

يمكن القول، بأن دارسي الشعر الجاهلي، قد أشبعوه بالدراسة، وبالتحليل، على نحو تقليدي، شغل مساحات واسعة من كتب التراث الأدبي، وقد ركزت تلك الدراسات على أغراض الشعر، كما عمدت إلى دراسة الظواهر الأدبية التي تشكلت فيه، وشملت موضوعات أخرى سلكت درب التقليد، واقتفاء الأثر.وسيقف المتتبع للدراسات والأبحاث التي أجريت في مجال الشعر الجاهلي، عند دراسات إبداعية، تفرّدت من بين تلك الدراسات، بكل طريف وجديد ، قام بإعدادها والخوض فيها، بعض الدارسين، وفي مقدمتهم الدكتور عبد الحميد ألمعيني الذي طرق باب اللوحة الإبداعية ، وتناولها بأسلوب طريف مميز، يقوم على الربط بين اللوحة الإبداعية والقصيدة كاملة، كما يهدف إلى الربط بينها وبين غرض الشاعر المأمول، من خلال استظهار تلك العلائق الفنية، والموضوعية، بين اللوحة ومرام الشاعر، ليصلا إلى درجة من التوحد، والكلية، ولتصبح اللوحة، موضوعا للقصيدة كاملة، كما بين فيها أهمية ما أطلق عليه التشبيه التمثيلي الممتد أو الممدد.

إن نمطا جديدا من الدرس العربي، قد شق طريقه، ناشدا هذه الغاية، ليعيد ترتيب الأعمال الأدبية، وأبجدتها، في معجم جديد، يشف عن براعة الشاعر العربي، ويكشف قدراته المجبولة بشفافية سماء الصحراء العربية، وطيب ينابيع جبالها، ووديانها، وسهولها، التي رفدت الأنحاء بالحياة وبالنماء.وفي حديث له نشر على صفحات الانترنت “أوضح المعيني خلال المحاضرة التي نظمها المركز الثقافي الإعلامي للشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، بعنوان «اللوحات الإبداعية في الشعر الجاهلي-الرؤية والمنهج»، أن «اللوحة الإبداعية، تنهض على مقومات وتقنيات أساسية في مقدمتها: التشبيه التمثيلي الممتد، بلاغي متسع ومركب، وله أشكال وأدوات عدة تعتمدها اللوحات في تشكيلاتها وبنيتها، وهو يمثل أهم معالم اللوحة الإبداعية»، وأضاف أنه إلى جانب التشبيه هناك مقومات أخرى أهمها: العناية بالتفاصيل والجزئيات، ومتابعة عناصر اللون والحركة والصوت، ولمسات مرغوبة ومطلوبة في الأضواء والظلال والزوايا، والحرص على المكان والزمان، بينما تكتمل اللوحة بالمراجعة والمعاودة، حيث يقيمها الشاعر على القص والسرد والحكاية، ويوفر لها أموراً أخرى في البنى اللغوية، والموسيقية، والجمالية، وهذه المقومات والخصوصيات هي التي أكسبت اللوحة الإبداعية ألقها وحضورها وتوهجها». إن الدراسة على هذا النحو تتمثل في نقطة مركزية يحددها الشاعر ومن ثم يقوم بالدوران حولها لتمتد وتطول حتى تصل إلى دائرة كبيرة تضم في إطارها كل ما يخدم الموضوع الرئيس الذي تدور حوله الدوائر الصغيرة وهي تكبر ، كما أنها تتطابق مع اللوحة الفنية المرسومة المرقشة والمنمنة التي تحد بإطار خارجي يحدد الأبعاد ويكسب الصورة معنى محددا وان اختلطت به المعاني الأخرى التي تتضافر في الأساس خدمة له حتى يكتمل في معناه وصورته وفي ألوانه المنسجمة والمتناغمة.

وفي هذه الدراسة، يتناول الباحث لوحة العسل الإبداعية، لأبي ذؤيب الهذلي في قصيدته اللامية التي يقول فيها:

وإن   حديثا   منك   لو   تبذلينه   ***   جنى النحل في ألبان عوذ  مطافل

مطافيل   أبكار   حديث   نتاجها   ***    تشاب بماء  مثل  ماء  المفاصل

رآها   الفؤاد   فاستضل   ضلاله   ***     نيافا من البيض الحسان  العطابل

وما ضرب  بيضاء  يأوي  مليكها   ***    إلى  طنف   أعيا   براق   ونازل

تهال  العقاب   أن   تمر   بريده   ***     وترمي   دروء   دونه    بالأجادل

تنمى  بها  اليعسوب  حتى  أقرها   ***     إلى مألف  رحب  المباءة  عاسل

فشرجها    من    نطفة    رجبية   ***   سلاسلة من  ماء  لصب  سلاسل

بماء شنان  زعزعت  متنه  الصبا   ***      وجادت  عليه  ديمة   بعد   وابل

بأطيب من فيها  إذا  جئت  طارقا   ***وأشهى إذا  نامت  كلاب  الأسافل

حكاية القصيدة :

كنا نظن القصيدة هيكلا شعريا مقيدا بمواصفات وخصائص ينبغي أن لا تخرج عنها ، وان كان ذلك صحيحا ، فان الدرس الأدبي لم يتناول في السابق القصيدة بوصفها حكاية لها راو وناظم وقصة تتوافر فيها الكثير من مقومات العمل الروائي من زمان ومكان وشخوص وسرد وتصوير ولحظة للتنوير والذروة والحبكة ، فإذا بالقصيدة ضرب من الحكاية ذات مدخل وزمان ومكان وذروة تأزم ولحظة تنوير.فالشاعر أبو ذؤيب الهذلي يروي حكايته مع عشيقته الفائقة الجمال والصعبة المنال في قالب درامي يموج بالحركة وبالصورة حيث يبدأ الشاعر قصيدته بسؤال وجهه إما لنفسه وإما لصاحبه المفترض عن أهل الدار التي مر بها ومتى كان آخر عهده بأهلها وقد ألحت عليه تلك الأطلال التي ما زالت ماثلة للعيان على الرغم من ما تواتر عليها من الأمطار وغيرها من العوامل الطبيعية ، فهي ما تزال تبدي عن بعض الرسوم وأثار الإبل وما زال نؤي الدار ماثلا للعيان وبقية من الخوص الذي كانوا يتخذون من نسيجه بعض الفرش والأوعية، فالشاعر في هذه المقدمة يرسم لنا صورة تلك الديار وكيف عفت وأصبحت أثرا بعد عين ويتذكر موجانها بالحياة أيام كانت عامرة ونابضة بنفس الأحبة الذين غادروها .

لقد كانت الديار عامرة والقلوب بالفرح والسرور مغمورة بالقرب من الأحبة وزاد في ذلك الفرح وصال كانت المحبوبة تصل به حبيبها وعاشقها الذي عانى الأمرين وكابد وغامر وخاطر حتى وصل إليها وتمكن من استمالة قلبها وهذه الصورة الأولى لأبي هذيل وهي صورة يخالطها الحزن والحرمان والجدب واللهفة والحنين والرغبة الجامحة التي تسوّغ للشاعر البحث عنها واقتفاء أثرها وان كان ذلك في ما هو أدنى منها جمالا واقل حلاوة، حيث ينتقل أبو ذؤيب للحديث عن محبوبته وراح يخاطبها مشبها ما يرتجيه من حديثها بالعسل مشوبا في حليب النياق حديثات النتاج وهذا الشراب مشوب فوق ذلك كله بماء المطر المستنقع في مفاصل الصخور وهو ماء عذب سلسبيل.

لقد كانت محبوبة الشاعر ذات خصال غاية في الجمال والكمال فهي تذهب بفؤاد من يراها وهي فارعة بيضاء حسناء طويلة العنق يصلها الشاعر بوده وبحبه ما دامت على العهد باقية وحتى وان جافته فانه يجفها ولكن دون فظاظة، ويستمر الشاعر في ذكر خصالها فهي من بيت كرم وذات عز ومجد وقد كنى عن ذلك بالجلوس في فيء المنزل عصرا وهذا من شان أولئك الذين يجدون من يكفيهم مؤونة العمل وشؤون الحياة.

ثم يستأنف أبو ذؤيب الحديث عن العسل وهو عسل ليس في متناول الجميع بل هو صعب المنال جيء به من خلية للنحل في أسفل شرخ جبل عال محفوف بالمخاطر المهلكة قد يصل المشتار قمته لكن النزول إليه صعب و خطير وهو من الوعورة بحيث تنتشر نتوءات جبلية تزل الصقور والعقبان عنها لدقتها وقد أعسل النحل دون ذلك المكان الوعر الخطر فلا أحد يستطيع أن يناله غير أبي ذؤيب وفي هذا تلميح إلى أن محبوبته مقصورة عليه لا أحد ينافسه فيها  أو عليها بل لا يجرؤ على ذلك فهي امرأة ليست كباقي النساء وهي عصية تتمنع على من يروم وصالها.

هنا تبرز العلاقة بين العسل و مغامرة اشتياره والجهد المبذول المحفوف بالمخاطر من أجله وبين المرأة المعشوقة التي تحف المخاطر الطريق إلى قلبها والغنم منها بما يروي ظمأ الشاعر ، وهي علاقة تكشف عن صدق المشاعر ورهافة الأحاسيس التي كان الشاعر العربي يتحلى بها في وصاله المحبوب وفي نظمه للشعر حيث كون من الفكرة المجبولة بالمشاعر كيانا فنيا موحدا يعبر عن وحدة الحالة الشعورية الانفعالية للشاعر في تلك اللحظة.هكذا يتدلى الشاعر وكأنه ينزل إلى قبر مماته في ذلك الشق من الجبل المخيف ليصل إلى مكان العسل فيما يشبه الغار دون القمة بحذر شديد متنبها إلى المخاطر التي تحف بالمكان من كل جانب وهو لا يبالي بما قد يتعرض له من لسع النحل متحليا بالشجاعة والإصرار والإرادة حتى يصل إلى العسل ويجنيه . لقد كانت المرأة شبيهة بالمكان العالي وكان ثغرها ذلك العسل المجني الذي جد في إثره أبو ذؤيب الهذلي حتى وصل إليه وهذا يشير بما لا يدع مجالا للشك وإبداء وجهات النظر بأن نظرة تكاملية للقصيدة تجعل الدارس يصدر حكم الوحدة الموضوعية عليها وان تنوعت الموضوعات التي تحدث عنها الشاعر وهذه الموضوعات ما هي إلا روافد تصب في نهر الفكرة والحالة التي عبرة عنها القصيدة وهي فكرة واحدة وحالة شعورية نفسية واحدة ختمت باستخفاف الشاعر بكل المخاطر مع إدراكه لها وإحاطته بها حتى يغنم بعسل ممزوج بالماء العذب السلسبيل والذي لا يمكن أن يكون بحلاوة رضاب محبوبته التي أحبها وغامر من اجلها. وسيبقى على حبها وقلبه معلق بها لا يبرحها فكره وعقله وقلبه ولن يكف عن ذكرها والحنين لان عكس ذلك سيودي بحياته واختفاء أثره كما حل بالقارظين اللذين اختفيا وكأنه يقول أن تركه لها يشبه الأحلام التي لا تتحقق وكأنها عودة كليب للحياة مرة أخرى.لقد ” حرص الشاعر على تأطير الشوق والمحبة والتعظيم للمرأة ، واهتم بالحديث عن جماليات ثغرها وجاذبية فمها ، وثمة إصرار على الربط بين العسل مذاقا وحلاوة وعذوبة وبين ثغر المرأة وفمها مذاقا ورضابا وجاذبية. ويبدو هذا الإصرار واضحا في لوحة أبي ذؤيب الهذلي عندما عقد مقارنة جمالية رائعة بين عسل الجبل الشاهق المحفوف بالمخاطر وهو الضرب الطيب المذاق وبين ريق ثغر المرأة العذب المذاق .”

ولما كان الجمال قيمة ترغبها النفس الإنسانية وتثير مشاعرها وانفعالاتها فان البشر يقفون على مواطن الجمال للتلذذ بها والانتشاء بمناظرها ومباهجها حيث جرى توصيفها على صعيدي الأدب الرسمي والشعبي ، فابتدعت التعابير والأقوال التي تظهر القيم الجمالية ومدى تأثيرها في النفس البشرية.  فعلى صعيد الأدب الرسمي لجأ الأدباء إلى استخدام الكثير من الفنون الأدبية البلاغية ووظفوها في تعابيرهم ونصوصهم من اجل إبرازها كحلل أدبية فائقة الجمال وان تفاوتوا في ذلك . وقد عرف العرب ألوانا من هذه الفنون كما وصفوها وعرفوها في كتبهم وبينوا أنواعها وشروطها وأطرافها ، وكان ذلك في مقاس المواصفات التي رسمها القدماء في بطون كتبهم التي تحدثت عن البلاغة وعن فنونها.

غير أن ضربا جديدا من الدرس قد راح يكشف عما أطلق عليه أستاذنا الدكتور عبد الحميد المعيني التشبيه التمثيلي الممتد أو الممدد وهو يأتي في ما

أسماه اللوحة الإبداعية حيث يدور الحديث على نقطة مركزية تدور يدور حولها التشبيه وغالبا ما تكون تلك النقطة المركزية موضوع القصيدة أو مرام الشاعر وهدفه، الذي سعى إلى تحقيقه من خلال ما يبذل من جهود وما يقاسيه من معاناة في سبيل نيل المنى. وعند إجراء التطبيق العملي البحثي على تلك اللوحات يتبين ذلك بصورة جلية وواضحة للعيان إذا ما أحسن الناقد والدارس التفكير فيها والتشبيك بين الموضوعات التي قد تبدو منفصلة ليشكل فيما بعد نظرة كلية تكاملية عن النص.وفي قصيدة أبي ذؤيب الهذلي نموذج جلي أصيل يكشف عن هذا المقصد ، حيث تحدث الشاعر في بداية قصيدته عن حالة من الحزن والأسى والحرمان الذي كشفت عنه المقدمة والتي بدأها بالتساؤل عن الأحبة الذين كانوا يقيمون في تلك الربوع وقد عمروها بأنفاسهم وبحبهم ووصالهم الذي افتقده الشاعر حيث جد في طلبه واقتفاء أثره فالمكان مجدب والنفس كذلك كأنها مجدبة بسبب ذلك الفقدان والحرمان.إذن فالمرأة كانت محور المقدمة التي تصدرت قصيدة الشاعر حتى وصل إلى أبيات اللوحة الإبداعية المتمثلة في لوحة العسل فراح يشبّك ويربط بين المرأة ( مركز القصيدة) وبين العسل بتشبيهات بلاغية ربطت بين حديثها وبين طعم العسل، وهو عسل ممزوج بلبن النياق حديثات النتاج طوال عظام قد أبكار قد وضعن صغارهن حديثا .ثم يمضي الشاعر إلى وصف تلك النياق التي مزج حليبها بالعسل باستخدام كل ما يمكنه من التشبيك بين كل ما يتحدث عنه في اللوحة ، فأجمل النياق أبكارها ، وأطيب الحليب حليبها وكيف به إذا ما امتزج بالعسل الذي شابه ثغر المرأة وحديثها ، والأمر كذلك ينطبق على النساء فأجملهن من بلغت مرحلة الأبكار ولها من مواصفات الجمال ما يتصل بجيدها و وجمال عنقها.وهكذا يمضي الشاعر في مزج الحديث وتشريجه وشوبه كما فعل بالحليب عندما مزجه بالعسل لتأتي قصيدته مزيجا من العسل المشرج بحليب النياق الأبكار وليحكي لنا عن ذلك العسل الذي هم بجنيه في مكان خطر واجه في سبيله الموت والعذاب حتى وصل إليه وكيف لا وهو النابل ابن النابل والحاذق ابن الحاذق.

لقد كانت رحلة أبي ذؤيب رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر وكان هدفه الوصول إلى ذلك المكان الشاهق الذي تخشاه وتهابه العقبان والاجادل إلا انه واجه كل تلك الصعاب والعقبات والأهوال ولسع النحل حتى وصل إلى هدفه ، وجنى ما طاب له من العسل . إن المتبحر في هذه اللوحة الإبداعية سيجدها على اتصال وثيق بمقدمة القصيدة فالمرأة التي أحبها الشاعر عصية أبية متمنعة لا يتمكن أي رجل من استمالة قلبها والغنم منها بالحديث الجميل الطيب الذي يشبه العسل فهي صعبة المنال جميلة كأنها من النياق الأبكار وسيبقى الشاعر على حبه لها ، فهذا الحب يسكنه ويسيطر على مشاعره ونفسه ولن يبرحها أو يفارقها وهذه المسالة مستحيلة الحدوث حيث قرنها الشاعر في ختام قصيدته بعودة القارظين أو بعودة كليب للحياة مرة أخرى.إن القصيدة كانت امرأة أحبها الشاعر والعسل كان ثغر المرأة ورضابها وقد دار الشاعر دورانا منطلقا من نقطة مركزية ومحورية كانت المرأة اسمها وعنوانها وغرضها.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here