د. أحمد جبر: قراءة في قصة لا شيء لغسان كنفاني

 

د. أحمد جبر

هي المرة الثانية التي تحظى فيها مفردة ( الشيء) بمكانة في أعمال غسان كنفاني الأدبية، فقد حظيت هذه المفردة بدور كبير في مسرحية ” القبعة والنبي” وكان لها شأن فعّال مع المتهم وبقية شخوص المسرحية، وها هي مرة أخرى تتصدر عمله القصصي القصير لتكون عنوانا له.

” لا شيء” هو عنوان القصة الأخيرة في مجموعته القصصية القصيرة ” أرض البرتقال الحزين” تلك القصص التي دارت في مجملها حول الهم الوطني بكل ما يحمله من أبعاد إنسانية واجتماعية ولغوية، وقد أورد في مقدمتها عبارته الإخبارية التي جسدت الحدث القصصي إلى ابعد حد، ونقلت المشهد السياسي والاجتماعي للمتلقي بقوله: ” نقلت الأنباء أن جنديا على الحدود صب فجأة رصاص رشاشه على الأرض المحتلة فاقتيد إلى مستشفى الأمراض العصبية”.

وقد جاءت العبارة على نحو إخباري جرى استخدامه في وسائل الإعلام الحكومية الرسمية التي تتلقى التعليمات والأوامر من السلطات العليا شانها في ذلك شان الجنود على الجبهة لا يأتون بأي حراك أو فعل إلا بأمر من السلطة العليا ، وهي هنا السلطة التي تمنع إطلاق الرصاص على جنود الاحتلال بل وتتعدى ذلك إلى إلصاق تهمة الجنون والانهيار العصبي بكل من خالف أوامرها و داس على الزناد ليصب رصاصه على الأرض المحتلة وفي ذلك إشارة واضحة لا لبس فيها تكشف عن حقيقة موقف ذلك النظام من الجندي الثائر وموقفه من العدو المحتل.

كما يشير غسان كنفاني إلى أنها كانت المرة الأولى التي سُمع فيها بهذا الاصطلاح:”انهيار عصبي” حيث سأل الجندي الممرض أثناء اقتياده لمستشفى الأمراض العقلية عن معنى الانهيار العصبي، فيتلقى الإجابة غير المحددة من الممرض الذي قال للجندي: يعني انك لست على ما يرام، وهنا يرفع الجندي  يده ويدق إصبعه على جانب رأسه قائلا: هنا؟ فيجيبه الممرض: نعم هنا! ويكرر الجندي السؤال : انهيار عصبي …هنا ؟، وهذا يشير إلى عدم اقتناع الجندي بتشخيص الأطباء لذلك يعلن ثورته فيقف ويهز بإصبعه في وجه الممرض صارخا : الأطباء هم المجانين فهذه الحالة ليست حالة مرضية طبية وإنما هي حالة عسكرية بامتياز أي أنها لا تستدعي وجود الجندي في مستشفى الأمراض العقلية، بل تحتاج إلى حدث آخر عسكري؛ فالجندي يدرك موقفه ويجيد تشخيص حالته.

ويمضي غسان كتفاني في قصته بين السرد والحوار واصفا المشاهد والموقف لكل من الممرض والجندي، مبرزا مشاعر الجندي تجاه ” مشط الفشك” الذي انتهى سريعا، وهذا يفصح عن رغبة الجندي في الاستمرار بصب رصاصه عن وعي، وعن سبق إصرار وترصد، كما يظهر وعي هذا الجندي عندما يقول للمرض: إن المصاب بانهيار عصبي لا يقدم على إطلاق النار بشكل متعمد في حين قام هو بذلك غير آبه بالنتيجة التي سيواجهها من رؤسائه، كما تكرر ذكر مفردة الشيء أكثر من مرة في القصة، فقد وظفها الكاتب في الأسئلة التي كانت تتردد على ألسنة الممرض والجندي عندما يقول:  أتعرف شيئا؟ وهل شعرت بشيء؟ ولم أشعر بشيء.

إنها قصة البندقية الفلسطينية مع العدو المحتل ، وقصة الثورة الفلسطينية مع المحيط العازل الذي يحول دون تمكين الثوار من القيام بمهامهم تجاه الأرض والشعب، كما تلخص ما ألْحِق من تهم بالجنود العرب الذين أقدموا على إطلاق النار على جنود العدو مخالفين بذلك ما صدر إليهم من تعليمات وأوامر تمنع فعل ذلك، والمتفحص في تلك العبارة التي تصدرت القصة يلاحظ أن الكاتب قد اختزل فيها حكاية ما يتعرض له الجنود الثائرون المؤمنون بقضايا أمتهم وتكشف عن المصير الذي يواجهه أولئك الجنود وما ينعتون به من نعوت وتشخيص.

 مفارقة محزنة ومخزية، تلك التي تجسد حال النظم المستسلمة، وتنعتها بالعقلانية، بينما يُنعت العقلاء الثائرون بالجنون والانهيارات العصبية ، فالإقدام على إطلاق النار صوب العدو وفي الأراضي المحتلة في عرف أولئك يعد ضربا من الجنون وفقدان للسيطرة على الأعصاب، لكن الذين يأتمرون بالأوامر وينفذونها هم من العقلاء الذين يدركون بان الامتثال للأوامر يمثل قمة الالتزام والعقلانية.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here