د. أحمد جبر: الفن للفن أم للمتلقي؟

 

 

د. أحمد جبر

أن نعيد النظر في منهجية التحليل والتقويم استنادا إلى الظرف المعاش أمر مطلوب وحاجة ماسة، وإلا استمر مؤشر هبوطنا إلى أكثر من الدرك الأسفل من العيش، فهناك الكثير من القضايا تحتاج إلى حسم وإعلان موقف وبخاصة عند الحديث على الثقافة والمثقف والفن والفنان والأدب وموقف كل ذلك مما يعيشه المواطن العربي على امتداد الساحة العربية، وبيان الدور الذي ينبغي يتصدر له كل من الأديب والفنان والمثقف، فلا يقل دور الفنان والأديب والمثقف عن دور السياسي، وان خطأ السياسي يتحمله المثقف والفنان والأديب عندما يصمتون ويصمون أذنهم عنه ويخرسون ألسنتهم تجاهه ويكفون أبصارهم وكأنهم لم يروه، وإن أجزنا القول بأن الفن لفن فالأدب للأدب والثقافة للثقافة والاقتصاد للاقتصاد والسياسة للسياسة وهكذا وما من شيء للإنسان.

 فعلى سبيل المثال يرتبط مصطلح الفن بالتعبير عن المشاعر والانفعالات والأحاسيس، كما يرتبط بتلك المسحة الجمالية التي تمثل قطب الجذب وشد الانتباه لما هو معروض أمام أعيننا أو أذننا، فالفنان يؤدي دوره في الحياة من خلال تلك المشاعر والانفعالات التي يحياها فيعبر عنها تجاه الأحداث والظروف وتجاه المحسوس واللامحسوس، إذن فالفن فعل إنساني لا يمكن إلا أن يوجه لمتلق أيا كان  هذا الفن، فنحن نعبر عن الموقف الواحد أو الظرف الواحد أو المشهد الواحد بطرائق وأساليب متنوعة تماما كما يجري التعبير عن صفة الكرم بأشكال لغوية تعبيرية شتى فنقول جواد وبحر وكثير الرماد وهكذا شأن الفنان والفن فالفكرة أو الحدث يمكن التعبير عنه من خلال قصة أو رواية أو مسرحية أو سيرة أو منحوتة أو لوحة أو موسيقى.

وقد ربطت بعض الأيديولوجيات مسألة الفن بالمجتمع وعملت على توظيفه من اجل خدمة الأيديولوجية التي يتبناها النظام كما فعلت النازية والفاشية حيث اعتبرت كل شيء في المجتمع بكل مكوناته في خدمة العقيدة، تلك العقيدة التي امن أصحابها بأنها النظام الاشمل والأفضل لعيش شعوبهم.

 وقد مر بنا الكثير من النتاجات الأدبية وغير الأدبية التي نظر إليها بعض النقاد من الناحية الفنية فقط دون التطرق إلى المضمون والمحتوى الذي تعرضه تلك الأعمال، فوجدنا شعراء وكتاب ورسامين وفنانين يجتازون حد المألوف والمسموح ، ويغمد النقاد والدارسون إلى النظر إلى تلك النتاجات من خلال مواصفاتها الفنية دون ربط ذلك بالمضمون أو المحتوى.

فقد اختُلف (على سبيل المثال) في قيمة ما كتبه إسحاق موسى الحسيني الذي تجسد في روايته ( مذكرات دجاجة ) فمن ناحية ركز البعض على ما تضمنته من قيم ومن مثل إنسانية في حين تصدى البعض لما احتوته هذه الرواية من محاولات للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي المحتل لفلسطين ،  في حين لم يحسم بعض الكتاب موقفه منها وان ركز على الجانب الإنساني فيقول : “جاءت في طياتها مملوءة بالقيم والمبادئ السامية التي افتقدناها كثيرا في حياتنا، كيف لا تكون كذلك وهي أحدثت ضجة كبيرة بين النقاد حيث ربطها البعض بالأبعاد الإنسانية، وربطها البعض الآخر بالقضية الفلسطينية في محاولة من الكاتب إلى التطبيع بين الكيان الإسرائيلي إذ تزامنت حياة الكاتب بالاحتلال لفلسطين، ويفسرون هذا من خلال آخر الرواية حيث خرجت الدجاجة من بيتها واستسلامها للغريبات، وفض ثورة الزعيم ودعوته إلى نشر المبادئ خارج البيت نوعا من التطبيع حد الخضوع للوافد الجديد.” ، كما راق للكثيرين عد ما وقع فيه بعض الشعراء من مدح للاستعمار ورموزه سقطات أو هفوات في الوقت الذي كان ينبغي أن يصفوها وينعتوها بالكوارث وبالجرائم الكبرى لناظميها وكاتبيها .

إن كل ثقافة لا تعبر عن طموحات الشعب وهويته ولا تعمل على ترجمة آماله إلى واقع ملموس لا يمكن أن تكون ثقافة ذات قيمة وبخاصة في الظروف التي نعيشها وكذلك الأمر ينسحب على الأدب والفن بكل أشكالهما وأنواعهما، وليس أدل على ذلك من تلك الجبال والهضاب المكدسة من المؤلفات التي لم تقرأ حتى في عناوينها، فلمن نكتب وماذا نكتب وكيف نكتب؟.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here