د. أحمد جبر: الديك بين نزار قباني و برهان الدين العبُّوشي

 

د. أحمد جبر

لقبه العرب بـ ” ديك الجن” وكان شاعرا، وفي الدارجة الشعبية قيل “الديك الفصيح من البيضة يصيح”، وقولهم ” عيش يوم ديك ولا دهر دجاجة” بل ذهبوا لأبعد من ذلك فجعلوا للديك بيضة، فقالوا ” مثل بيضة الديك”، كما تفاءلوا بصياحه في ساعات الفجر، وفسروا تفاؤلهم ذاك بأن الديك قد رأى ملاكا وقالوا جنا، وقالوا ” فلان مثل الديك”،  أما الأصفهاني  أبو الفرج، فقد رثى الديك في قصيدة مطولة في العصر العباسي الثاني، وبذلك يتبين لنا من خلال هذه الأمثلة بان المأثور الشعبي والرسمي قد حفلا بحكايات الديكة، وضرب الأمثال بها، واتخاذها رمزا يعبر عن موقف أو حدث أو سلوك.

إن أكثر ما تردد عن الديك في التراث الأدبي، قد تجسد في صيحاته التي يطلقها أثناء الليل، أوله وفجره، وأثناء النهار، و عند غروب الشمس، وارتباط ذلك كله بمعتقدات شعبية، تنم عن ثقافة معينة آمن بها أصحابها، بنص تشريع ديني، أو بعرف تعارفوا عليه واجتمعوا.

وفي عصرنا الحديث بقي للديك شأن مع الأدب شعبيه ورسميه، فقد أطل علينا بعض الشعراء  بأعمال أدبية، تمحورت حول الديك، ومنهم برهان الدين العبُّوشي في قصيدته ” الديك البطل “، ونزار قباني في قصيدته المشهورة، ” الديك”، وكانت القصيدة الأولى من الشعر التقليدي العمودي، بينما جاءت الثانية من شعر التفعيلة، وفي هذه المقاربة نعقد مقارنة بين ديكي العبُّوشي والقباني ليظهر لنا الفرق بينهما.

ديك العبوشي:

حلفــت بــديكنا وحلفــت حقــا      بــأني لــم أجــد بطــلا ســواه

يهـــاجمني وينقرنـــي ويرمـــي      بمخلبـــه وتجرحنـــي مـــداه

ويقفــز كــالهزبر ســخرت منــه   ويبــذل روحــه يحمــي حمــاه

وقلــت لــه عــلام تنــال منــي    فقـــال اخـــرس لكـــل أذى دواه

أتحبســـنا وتأكلنـــا وتعـــدو    علــى الأقفــاص تنهــب مــا تــراه

ولــو كنــا ســباعا لــم تنلنــا        فـــإن الســـبع تحميـــه يـــداه

وإنــي ثــرت أدفــع عــن كيــاني    وفــيم عجبــت إذ أفنــى فداه

فقلت لعل هذا الديك أذكى       من الزعماء إذ يفدي لواه

ديك العبُّوشي بطل إيجابي، يحمي الحمى، ويذود عن الحياض، وهو ديك غيور جسور أبي، لا يرضى الضيم والمهانة، ولذلك؛ ينتفض في وجه العبُّوشي، ويشرع في مهاجمته، وهو ينفش ريشه مزهوا مختالا وهازّا بعرفه الأحمر و كأنه تاج ملكي فوق رأسه، وقد أجرى الشاعر على لسان الديك حوارا دار بينهما أظهر ما للحمى من أهمية، وضرورة مقارعة كل من اعتدى عليه، أو حاول إلحاق الضرر والأذى به، وهذا مسوغ هام وقوي للانتفاض والثورة على كل من اعتدى على الكيان، وهو أمر موجب للقتال والدفاع عنه حتى الموت.

وهكذا يعرض لنا العبُّوشي مشهد ديكه عبر صور مليئة بالحركة تصور شكل الديك وانتفاضته وحركاته وهجماته كما يبين السلاح الذي استخدمه الديك المتمثل في مخالبه المسنونة كالمدى ، وقد أقدم الديك على الهجوم عليه رغم ما يقدمه له من العلف والطعام، ومع ذلك  فالديك لا يستكين و لا يستسلم أمام الحبس والنهب الذي كان يتعرض له من في القفص، إذ يواجه العبُّوشي قائلا: لو كنا سباعا لما اقتربت منا أو فكرت في النيل منا، وفي ذلك إظهار للدور الذي تلعبه القوة في لجم المعتدين.

ديك العبُّوشي أذكى من الزعماء

وبعد التقديم والتصوير والحوار يختم الشاعر برهان الدين العبُّوشي قصيدته ببيت يجسد حقيقة موقفه من الزعماء العرب وقد ساق كل ذلك في إطار من التهكم والسخرية، فهم لا يدافعون عن الأوطان بل ويمنعون غيرهم من الدفاع عنها وقد استسلموا واستكانوا للأعداء الأمر الذي يستنكره الشاعر فيضرب المثل لهم وللمتلقي بديك صغير الحجم لا يعقل لكنه ينبري سريعا للذود عن حياضه والانتفاض في وجه المعتدين عليه، وقد أجاد الشاعر حين عرض ذلك عبر مشهد فني درامي حركي فيه من التصوير ما يلفت الانتباه ويجذب الأنظار وقد جاءت لغته سهلة واضحة بعيدة عن حوشي الكلم وغريبه. ويمكن القول بان هذه القصيدة الدرامية تجسد حقيقة دور الشاعر وانتفاضه في وجه المعتدين وكأنه الديك الذي تحدث عنه ليبقى الزعماء هم الزعماء لا يطعمون بل ويمنعون الماعون وكالذي كفر وصد، يقول:

ديك القباني:

 

في حارتنا

ديك سادي سفاح 

ينتف ريش دجاج الحارة ، كل صباح 

ينقرهن 

يطاردهن 

يضاجعهن 

ويهجرهن 

ولا يتذكر أسماء الصيصان

في حارتنا 

ديك يصرخ عند الفجر

كشمشون الجبار 

يطلق لحيته الحمراء

ويقمعنا ليلا ونهارا 

يخطب فينا 

ينشد فينا 

يجرح فينا 

فهو الواحد وهو الجبار

في حارتنا 

ثمة ديك عدواني ، فاشيستي ،

نازي الأفكار 

سرق السلطة بالدبابة 

في حارتنا 

ديك عصبي مجنون 

يخطب يوما كالحجاج 

ويمشي زهوا كالمأمون 

ويصرخ من مئذنة الجامع 

يا سبحان يا سبحان 

فأنا الدولة ، والقانون

حين الحاكم سمع القصة 

أصدر أمرا للسياف بذبح الديك 

قال بصوت الغاضب :

كيف تجرأ ديك من أولاد الحارة 

أن ينتزع السلطة مني 

كيف تجرأ هذا الديك ؟؟

وأنا الواحد دون شريك

قيل في هذه القصيدة وعنها الكثير، ولسنا مع الذين يدرجون العام في قائمة الخاص، أو العكس، فالعمل الأدبي يجسد ظاهرة أو حالة عامة بتعبير خاص، قد لا تكون محصورة في مكان وزمان محددين، وعلى أي حال فان ديك نزار كان بطلا سلبيا جسده الشاعر في مقطوعات شعرية قصيرة تصور حاله في كل مقطوعة ، فهو في المقطوعة الأولى سفاح يؤذي الآخرين ويعذبهم ويلاحقهم وهو زان يتردد على الكثير من النساء وينجب منهن الأطفال سفاحا ولا يعرف أسماءهم من كثرتهم فهو زير نساء والشاعر هنا يرمز بالديك لطاغية مستبد.

أما اللوحة الثانية فيرسم الشاعر الديك مصورا صراخه لا صياحه عند الفجر وكأنه شمشون الجبار الذي يذكرنا بدليلة يمارس القمع ليل نهار ويمارس كل شيء فهو خطيب ومنشد لكنه يؤمن بأنه الواحد والخالد وبأنه المقتدر الجبار وهنا يستعير الشاعر مفردات من القران الكريم ليوظفها في إطار مقطوعته الثانية

وفي الثالثة يذكر الشاعر بان الديك عدواني فاشستي كموسليني نازي الأفكار كهتلر يطمس كل شيء من اجل الأنا بل ومن اجل العقيدة والفكرة الفاشية والنازية التي يجب أن يوظف كل شيء لخدمتها في الغاية والوسيلة لذلك يشطب كل ما يتعارض معها.

في الرابعة يصور الشاعر الديك وهو يرتدي لباس الجنرالات في عيد قومي ليكون شرابه وطعامه وخمرته جيشا من النساء يتنقل بين أحضانهن فيعلن الحرب لينتصر ولكن، على الحلمات، وهكذا يمضي الشاعر مصورا الديك وراسما شخصيته بكل أبعادها وبكل انتماءاتها فهو تارة نازي فاشي وأخرى زعيم ميليشيا يتاجر في الحشيش وتزوير العملات ، وفي أخرى يكون عصبيا مجنونا يخطب مثل الحجاج بن يوسف الثقفي صاحب الخطبة المعروفة في تاريخ العرب وأدبهم كما يمشي أحيانا مزهوا كالمأمون الذي كان حريصا على أبي نواس يسارع ويهرول لإخراجه من السجن  وينقذه من أحكام أبيه لينتهي الأمر بالديك مسبحا باسمه فهو الدولة والقانون و يختزل الشاعر الموقف في الصورة الأخيرة التي توضح بان الديك ليس وحيدا بل هناك ديكة غيره يمارسون ما يمارس ويفعلون ما يفعل لكن الحاكم يصدر أمرا للسياف بذبح الديك الذي تجرأ على انتزاع أي مظهر من مظاهر السلطة من الحاكم الذي يرى في نفسه إلها لا شريك له في هذا الكون ؟

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. أجدت الموازنة بين شاعرين وفكرتين وأضفت لمسة فنية للمقاربة عبرت عن حسك المرهف وذوقك الرائع. دمت بخير

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here