د. أحمد جبر: التجار في شعر الحرب العالمية الثانية

د. أحمد جبر

حظيت الحرب العالمية الثانية باهتمام عدد من الشعراء العرب الذين كسوا أحداثها ومجرياتها حللاً أدبية مختلفة الأشكال والألوان، في الوقت الذي لم تعد فيه تلك الحرب عليهم بشق تمرة، فقد سارع بعضهم إلى الإنذار بوقوع الحرب قبل اشتعال نيرانها، ووصف الحرب وأحداثها وكأنه الجوال الذي صال وجال في جنباتها براً وبحراً وجواً، واصفاً الحرب والغارات، وحاكياً بلسان الناس آلام المجاعة والمرض والتشرد الذي عانته البشرية آنذاك.

ولما كانت الحروب تلف في ثناياها أعاصير من الفقر والعوز، فقد عمد الشعراء إلى الحديث عن ويلاتها وفظائعها، وأعلنوا مواقفهم تجاهها، وتجاه أطرافها المتصارعة، بل تعدوا ذلك إلى تلك الفئة التي تعيش بين ظهرانيهم من أبناء جلدتهم الذي راحوا يغالون في الأثمان، ويحتكرون السلع، والناس في أمس الحاجة إليها، مما أدى إلى تسابق الشعراء في وصف التجار الذين يحللون الحرام، وينتهزون الفرص، حتى وصل الحال ببعضهم إلى نعت التجار بالخيانة، والحث على محاربتهم وقتالهم قبل الأعداء، وفي هذه الدراسة ألقينا الضوء على هذا الجانب، واستجلبنا مواقف الشعراء تجاه التجار، ورغيف الخبز، وضعف القيمة الشرائية لأوراق النقد آنذاك.

موقف متجدد

لم يكن موقف الشعراء من تجار الحروب إبان الحرب العالمية الثانية بالموقف الجديد في الأدب العربي، فقد كان للشعراء العرب في الحرب العالمية الأولى الموقف نفسه من التجار الذين ينتهزون الحروب إبان الحروب الصليبية، ذكره عبد اللطيف البغدادي خلال رحلته إلى مصر بقوله: “ومما يقضي به العجب أن جماعة من اللذين ما زالوا مجدودين سعدوا في دنياهم هذه السنة، فمنهم من أثرى بسبب متجره في القمح، ومنهم من أثرى بسبب مال انتقل إليه بالإرث، ومنهم من حسنت حاله لا بسبب معروف، فانغمس هؤلاء الأغنياء في الشهوات، وعكفوا على اللذات، وكان المستخدمون يكلفون بجمع الغلال والمواشي للجيش، فيسرقون من ذلك شيئًا كثيراً”.

قال البوصيري:

فـــكــــم ســـــرقــــوا الــغلال وما عرفنا         بــــهــــم فــــكــــأنــــهـــــم ســــرقـوا العيونا

ولــــولا ذاك مـــــا لــبــــســـوا حــــــريــــــرا         ولا شــــربــــــوا خــــــمـــــــور الأنـــــدريـــنا

ولا ربـــــو مــــن الـــــــــمــــــردان مـــــــردا         كـــــأغــــصــــان يــــمــــلــــن ويـــنـــثـــنـــينا

وقــــد طـــلـــعــت لـــبـــعـــضـهــم ذقون         ولــــكــــن بـــــعــــد مـــا حــــلـــقــوا ذقونا

تـــنــســك مــعــشــر مــنــهــم وعــــــدوا          مـــــــن الـــــزهــــــاد والــــــمـــتــــورعــــيـــنـــا

وقــيـــل لـــهـــــم دعــــاء مــــســــتـــجــاب          وقد ملؤوا من السحت البطونا

أنياب ومخالب

لقد كان للضائقة الاقتصادية التي صاحبت الحربين العالميتين، وما ذاقه العرب من ألوان العذاب، والفقر، والمرض، والجوع، أثره القوي في نفوس الشعراء، دفعهم إلى اتخاذ مواقف من تلك الحرب، ومن أولئك التجار الذين احتكروا السلع، وغالوا في الأسعار من أجل الربح، مهما كانت الوسائل المتبعة، لذلك فقد صب الشعراء العرب جام غضبهم وهجائهم على أثرياء الحرب فوصفوهم بالوحوش المفترسة ذات الأنياب والمخالب، ووضع بعضهم شخصية التاجر والثري موضع الدعابة والتندر، فهذا الشاعر محمد مصطفى الماحي يقول في أبيات له بعنوان “ثري الحرب”:

يـــا ثـــريّ الــحرب البغيضة مهلا       بــــعــــض هـــذا فـــما ولدت أميرا!!

لو تحسسن ما يصيبك من غم       ز تــــمـــنـــيـــت أن تــــعــــود فـــقـــيــــــــرا

أنـــت أشـــقـــيـــتـــنـــا بـــمـا بتّ تقني        وأحـــلــــت الــــحـــيــــــاة فــــيـــنـــا سـعيرا

فــــتـــمـــتـــع مــــا شـــئـــت وارتـع فإنا        ســـــنــــــرى فـــــيـــــك عـــــبـــــرة ونــــذيــرا

رسالة من شاعر

والتاجر عند الشاعر محمد الأسمر يجب أن يكون قنوعاً، يقنع بالربح القليل،م ويخشى الله وعقابه، مطبقاً القانون، أميناً في سجلاته حساباته، لا يتمنى الحرب، ولا ينتهز الفرص والشدائد، ولا يحتكر السلع فيهربها ويخفيها عن الناس، فعندما اشتد الغلاء إبان الحرب العالمية الثانية، واشتد جشع التجار نظم محمد الاسم قصيدة أهداها إلى صديقه التاجر السيد بك جلال يقول فيها:

  بني وطني دعوتكم فكونوا              إذا الداعِي أهاب بكم رجالا

عليكم بالقناعة فهي كنزٌ               ولا تتجاوزوا الربح الحلالا

    فليس بتاجرٍ من ليس يخشى             من الله العقاب أو النكالا

وليس بتاجر نهم تراه                     يود لو أنه التهم الجبالا

وليس بتاجرٍ لصٍ جريء            على القانون يحتال احتيالا

دفاتره بها الأرقام زوراً               فلست ترى بها إلا الضلالا

وليس بتاجر باغ تمنى                 بقاء الحرب أعوماً طوالا

إذا ما شدةّ حلت رآها                له فرجاً وصال بها وجالا

يهربُ أو يخبئُ ما لديه              وإن تسأله أنكر أو تغالا

فيظمئ أمةً لم تجن ذنباً             ليشرب وحده الماء الزلالا

أمثال قارون

لقد أماطت الحرب اللثام عن وجوه الكثير من التجار، وأذابت بنارها الثلوج، ليظهر ما كانت تخفيه تحتها من جشع وعبودية للمال، وتفاخر به، وتنافس في جمعه واكتنازه، كما فعل قارون صاحب القصة المعروفة في القرآن الكريم، وفي ذلك يقول محمد الأسمر:

دراهم الحرب أبدت عن خلائقنا               فلاح ما كان يخفي كل مكتسب

سما إلى وقوس المال في يده                   من يرمْ مثلي يتعبْ أيّما تعب

فقل لطالب ضيمي لا ترم شططا          هيهات هيهات قد أبعدت في الطلب

لو كنت “قارون” لم تسطع لنا عنتاً               الجاه للعلم، ليس الجاه للنشب

من يملك المال فليجعله سلمّه                    إلى الوئام، ولا يجعله للشَّغب

وثري الحرب عند الشاعر محمود عماد شعار للحرب، تمضي هي ويبقى حتى وإن صمتت مدافعها، ورفرفت رايات السلام، فهو يعمل على إطلاق الأعيرة النارية في كل آونة حتى يفجر بركان الحرب، ويبعثه من جديد مهيئاً الظروف لنصب شباكه وشراكه، ليعود بالصيد الوافر.

يقول في قصيدته “غني الحرب”:

غني الحرب تمضي الحرب يوماً              وأنت بنا تظل لها شعاراً

وإن صمتت مدافعها جميعاً                  ضربت بكل آونة عيارا

وزدت قضية السفهاء دعماً                بكسب كلف الدنيا خسارا

يرى الدينار في كف نضاراً              وفي كف يرى الدينار نارا

تساوى الغلاء والوغى

ويذهب الشاعر عبد الحميد الديب الذي عاش حياة فقيرة بائعة أبعد من ذلك، فقد جعل من التجار أعداءً تجب محاربتهم قبل العدو الأجنبي، بل إنه لا يفرق بين طعم الغلاء وقسوته، والاصطلاء بالنار في ساحات الوغى، ولا يفرق بين الموت بسبب قسوة التجارة، وشدة الغلاء، أو بسبب القتل، اللهم إن القاتل في ساحات الحروب يتسلل ليلاً للوصول إلى هدفه، بينما يقتل التاجر الجشع الناس جهاراً ونهاراً، لهذا فهو عدو وجبت محاربته، وهو خائن وصم نفسه بالعار يقول:

قبل الأعادي حاربوا التجارا                 لا تتركونا للغلاء أسارى

سيان: من طعم الغلاء يعيشه          ومن اصطلى بين القتال النارا

والقائلان اثنان: عاد في الدُّجى           أو تاجرٌ قتل النفوس نهارا

ومن اغتنى من جوع تعبٍ جاهدٍ              وصم الخيانة نفسه والعارا

من ذا نحارب إنها لمصيبة             أخصمونا الحمقى؟ أم التجارا؟!

شبعوا وجعنا!

أما الشاعر علي الجندي فقد عبر عن موقفه تجاه التجار والتجارة في زمن الحرب في قصيدته التي نظمها عنوان “مصاصو الدماء” وقدم لها بالكلمات الآتية: أرى بعيني كل يوم قوت أبنائي يسرق سرقة قانونية، ولا أستطيع أن أحرك ساكناً!… ليس لهؤلاء المولين علينا من فضل إلا أنهم جمعوا الملايين من عرق المساكين وعلى حسابهم بطونهم الخاوية!”، يقول:

قسا تجارنا حتى حسبنا                     قلوبهم حديداً، أو حجارة

إذا قلنا لهم: عطفاً علينا                     فإنا أخوة لعنوا التجارة

وصاحوا: الحرب! ويح الحرب إنا          جنينا دونكم منها الخسارة

وما صدقوا! فإن الحرب فاءت          عليهم بالنضار، وبالنضارة

عذيري منهمّ شبعوا وجعنا              وبعض الحلو يدرك بالمرارةْ

إذا نزل الوباء بأرض قوم             فزف إلى “الحنوطي” البشارةْ

عباد الله خافوا الله فينا              أنشكو الجوع؟ أن نشكو القذارةْ

ولم تقتصر قصائد الشعراء على ذكر تجار الحرب، والأثرياء الذين يستفيدون منها، ويوظفون أحداثها، وما يصاحبها من أزمات لتحقيق أهدافهم، فقد تحدثوا عن الغلاء وارتفاع الأسعار بسبب قلة السلع، وضعف القيمة الشرائية لأوراق النقد، كما تناولوا ظاهرة الغش في سياق قصائدهم التي شكوا فيها سوء الحال، وذكر كثير من أصناف الطعام بشكل من الدعاية يقول محمد الأسمر مداعباً صديقه عزة أبا عاصي”:

ضاقت الناس بالمعيشة ذرعاً       فإلام الغلاء في الأثمان؟

كل شيءٍ غلا فليس رخيصا         في الورى كله سوى الإنسان

قِيل شهرُ الصيام آتٍ فقلنا          نحن شعب يصوم في كل آن !!

عزّت اليومَ أقَّةُ العجَّالي               “والبتلو” وعزَّ رطل الضاني

يا “أبا العاصي” يا صديقي، قل لي       أين ما كان أين أين (الصواني)

فساد وغلاء

أما الشاعر نقولا فياض، فيتحدث عن الفساد والغلاء الذي ساد لبنان في فترة الحرب، وعن الطمع والمحاباة، وما يلاقيه الفقراء من تشهير وذل، بينما يبقى الذين يسرقون الألوف أعزاء مكرمين وهذا يذكرنا بحديث رسول الله r عندما أراد أسامة بن زيد التشفع للمرأة المخزومية التي سرقت، وأراد صلوات الله وسلامه عليه أن يقيم عليها الحد يقول:

وَدَهَانَا عَلَى الفَسَادِ غَلَاءٌ                   مَلَأَ الخَافِقَينِ مِنْهُ العَوِيلُ

قَدْ شَقِينَا بِهِ وَذُبْنَا وَحِرْنَا                وَصَبِرْنَا، مَا كُلُّ صَبْرٍ جَمِيلُ

عَجَبًا أَنْ نَكُونَ فِي بَلَدِ الخَيـْ                 ـرِ وَهَذَا الغَلَاءُ فِيهِ نَزِيلُ

يَسْرِقُ الجَائِعُ الرَّغِيفَ فَيُمْنَى           بِضُرُوبِ التَّشْهِيرِ وَهْوَ ذَلِيلُ

وَالَّذِي يَسْرِقُ الأُلُوفَ عَزِيزٌ                 وَلَهُ دُونَ غَيْرِهِ التَّبْجِيلُ

وفي قصيدته “كان الأرز في نسب أباها” يتحدث شبلي الملاط عن العوز والبخل، وعن الأثرياء الأنانيين الذين يشيدون القصور على حساب الفقراء وشقائهم، والمحتاجين وحرمانهم بقوله:

سألت شتورة عما شجاها         وآية وحشة غمرت حماها

وذو عوزٍ بغالبه طواها             وعائزة يغالبها طواها

أنانيون ما اصطحبوا ضميراً         ولا شمم النفوس ولا سخاها

ومن حجبوا رغيفاً عن فيرٍ        تبرً منهم عيسى وطه

مغرم لا مغنم

ويصور لنا الشاعر فؤاد الخطيب أولئك الذين يلهثون وراء جمع الأموال بالسكارى الذين تمثل الثروة والنعم لهم خمرة يسكرون بها، فهي حلمهم وهاجسهم الذي لا يفارقهم ليلاً أو نهاراً يقول:

لك الله من ربح عددناه مغنماً        فكان لنا عند الحقيقة مغرماً

لهونا به فاستدرج الناس أمرنا         إليه وظنّوا المال دام وديما

ننام وأحلام لنا ذهبية        وتصحو وآمال لما تبلغ السما

كذلك تيار الزمان جرى بنا        ونحن سكارى ثروة وتنعما

إلى أن طوتنا لجة فوق لجة        فأيدت لنا في غورها ما تكتما

وخلنا بأيدينا من الربح “أسهما”        فكانت نصالاً في القلوب وأسهما

وكان رنين المال يثلج صدرنا        ولكنه أمسى أنيناً مذمما

ويعرض لنا عبد الحميد الديب فضائح التموين على عهد إحدى الوزارات، ويندد بذلك الأسلوب الرخيص الممثل في الإنجاز بأقوات الشعب المكدود مقتنياً أسلوب ابن المقفع في كليلة ودمنة يقول:

في غابة الوحش ثارت      عواصفٌ من جهنم

الأرض منها استجارتْ       والصخر منها تكلم

وما شدا الطير فيها       إلا النعيب المنغم

قال الوحوش “لذئبٍ”      مرّ العُواء تقدم

فالحاكم اليوم ليث      وصاحب الليث مكرم

كم قبل حكمك شمنا      فيك المسيح بن مريم

يا مستغاث جياع      أكلت شعبك فارحم

الفقر القاتل

وقد ميز بعض الشعراء بين شكوى الغني وشكوى الفقير، وكأن الشكوى والألم والمعاناة تختلف في وقعها من حال إلى حال، فهذا الشاعر محمود عماد يقول في أبيات له بعنوان “الفقر القاتل”:

شكا الغني فقالوا لا دواء له      إلا بقطر بعيد، من ييممه؟

والوقت حرب وموج البحر مشتعل       والبر رخصة من يمشي به دمه

فقام بالأمر طيار على عجل       وجاء بالبرء ملفوفاً يقدمه

فقل هل لو تشكاها الفقير أما      كانوا يقولون عنه: الله يرحمه

أما عن ضعف القيمة الشرائية للجنيه، فيقول علي الجندي:

أضحى الجنيه على جلالة قدره        في سوقنا “قرشاً” لدى النقاد

ويقول محمد الأسمر في أبيات له بعنوان “الجنيه الورق”:

أمسى كعشرين قرشاً        إن لا يكنها تكنه

فلا غني لك فيه               ولا غني لك عنه

يا ربنا فأعنا            على الغلا وأعنه

وقد نظم الشاعر أبياتاً أخرى بعنوان “الرغيف المخيف”، حيث تعودت الجماهير المصرية أن تتناوله من دقيق القمح، ولكنهم في أيام الحرب خلطوا دقيق القمح بغيره من الحبوب، وكثيراً ما كان ذلك الخلط مشوباً بالطريق والرمل، فضلاً عن صغر حجم الرغيف، وقلة وزنه، يقول:

لا رعى الله وجهه من رغيفٍ          هو بين الوجوه وجه الكفيف

لا لفت يرجى ولا لسواه         من شهي الشواء والروزبيف

حار فيه العلاج بالبارد والرط         ب إداماً والساخن الحرّيف

مَنْ معيني من أكل (آكليه)    ومجبري من الرّغيف المخيف؟

وهم أم خيال؟

وتثير اللهفة المرسومة على وجوه الفقراء المحتاجين إلى الرغيف ثائرة عبد الحميد الديب فينتفض انتفاضة شاعرية تجعل من لهفتهم وجزعهم صورة حية بقوله:

صفر الرغيف كأنما هو قطعة     من قلب تاجره وجلد البائع

هل صار وهما… أو خيالًا؟ إنه         قد عاد غير مهمل أو نافع

لو كان سماً ما تحزم آكلاً        أو كان ذا أثر بوجع البائع!!

يا للرغيف، ويا لهول ضموره        قد صار أمنية لبطن الشابع!

“جوعوا تصحوا” واذكرها حكمة      فالمجد لم يُكتب لغير الجائع!

لقد صور الشاعر الرغيف وكأنه قطعة من قلب التاجر الذي يتبع كل الوسائل لتحقيق الربح، وإن كان ذلك على حساب الآخرين ومعاناتهم، لقد كان الرغيف كالوهم والخيال الذي لا يسمن ولا يسد جوعاً لصغر حجمه، وكأن التاجر يقطعه من جلده، ولا يوفيه حقه في الميزان والنضج، وذلك ما يجعله كوليد في الشهر السابع غير مكتمل النمو.

أما الشاعر علي الجندي فله أبيات بعنوان “الرغيف الحبيب” يقول فيها:

يا حبيبي ولست أنطق زوراً         حين أدعوك في الورى بحبيبي

أنت أحلى في العين من صفحة اليد        ر ومن طلعة الغزال الربيب

كيف فارقتني؟ وليس ودادي          إن تأملت بالوادي المّريب

ما ذنوبي إليك؟ قل لي حتى         تمحو التوبة النصوح ذنوبي

وكان الشاعر قد نم هذه الأبيات حيث فقد الرغيف في القاهرة، عاصمة الوادي الخصيب في بعض أبيات الحرب العالمية الثانية، فكان الأغنياء يأكلون الحلوى والفطائر، وأما الفقراء فقد طووا بطونهم على الجوع حتى أذن الله لهم بالفرج.

وهكذا فقط سلك الشعراء أساليب متعددة في التعبير عن مواقفهم تجاه تجار الحروب، وتجاه الأساليب التي يتبعونها في سبيل حصولهم على الأموال، عن طريق الدعوة إلى الحرب أو بإثارتها، وعن طريق الغش، وإخفاء السلع وتهريبها، لقد أصبحت متاجرهم شبيهة بالشُّباك والشّراك التي يعدها الصيادون للحصول على صيد وافر بغض النظر عن الفريسة وحالها.

وقد تناول الشعراء هذه المواضيع في أبيات مستقلة أفردت لها، أو من خلال قصائدهم التي عالجت موضوع الحرب ومركبها الذي يدخل في ذكر ويلاتها،وأحداثها، وما يواكبها من ضوائق اقتصادية بشكل عام، حيث توظف الأموال والإمكانات من قبل الأطراف المتصارعة لمصلحة الحرب وتحقيق الفوز، وإن كان ذلك على حساب الشعوب.

لقد كانت مواقف الشعراء العرب إبان الحرب العالمية الثانية تجاه التجار متناغمة ومتناسقة مع سوء الأحوال التي عاناها الناس، ومتناسبة مع درجة الحرمان التي عانوها، فشتان بين معاناة الشاعر الفقير البائس ومعاناة الشاعر المرفه المتنعم الذي يجوب في تلك الفترة شواطئ أوروبا وعواصمها، وبين من يصف الفقر والحرمان ويده تمتد إلى ما لذ وطاب من الأطعمة والحلوى وآخر يتلوى جوعاً وفقراً ومرضاً.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. حسبنا الله ونعم الوكيل
    يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين
    اللهم من أراد بنا سوء فرد كيده إلى نحره

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here