د. أبوبكر خليفة أبوبكر: عن سطوة العاصمة والمركزية واللامركزية والفيدرالية

د. أبوبكر خليفة أبوبكر

للعواصم في كل الدول سطوتها وطبيعتها الخاصة وغموضها نظرا لتوغل تاربخها وعراقتها ،وحيث أنها تختزن كل مامر على الدولة في تقلبها عبر العصور والقرون والحقب،إنها الذاكرة الثرية لأي دولة وهي رمزها وواجهتها نحو العالم ، وهناك بعض من الدول كانت لها أكثر من عاصمة عبر تاريخ نشأتها كالمغرب مثلا ؛حيث كانت مراكش(جنوب وسط المغرب) عاصمتها في عهد دولة “المرابطين” حين إتخذها “يوسف بن تاشفين ” عاصمة لدولته بعد مدينة أغمات(جنوب وسط المغرب بالقرب من مراكش ) ، ومدينة مكناس (شمال شرق المغرب) في عهد الدولة الإسماعيلية حينما جعلها الأمير “مولاي إسماعيل” عاصمة لدولته .

ومدينة فاس (أقصى الشمال الشرقي للمملكة) في عهد الدولة الإدريسية على يد السلطان “إدريس الثاني”، والرباط (على ساحل المحيط الاطلسي)  في عهد دولة الموحدين حين إتخذها السلطان”يعقوب المنصور” عاصمة للدولة الموحدية وظلت عاصمة للمغرب حتى اليوم في عهد “العلويين”،ولعل هذا الزخم الحضاري المتراكم هو ماأعطى حسب “وجهة نظري” التوازن الإستراتيجي للملكة المغربية ، حيث  وفي ظل تداول كل هذه العواصم عليها ، كان  أمرائها  يهتمون بتحصينها وأيضا تحصين المدن والحواضر الأخرى ، ففي فترة من الفترات مثلا لعبت مدينة فاس دور القاعدة الحربية للدول المغربية المتعاقبة، فلم يفلح العثمانيون الأتراك في إحتلال المغرب رغم محاولاتهم المتكررة ، والذين كانوا قد إحتلوا أغلب دول الوطن العربي وكل دول المغرب العربي ماعدا المغرب لأربعة قرون ، واليوم نرى بأن المملكة المغربية ، بها أكثر من عاصمة أيضا فالرباط هي “العاصمة الإدارية” والدار البيضاء هي “العاصمة الإقتصادية” وفاس هي “العاصمة العلمية” .

وأيضا يتم في المغرب طرح مايسمى ب “الجهوية المتقدمة” وهو يمثل تقوية التوجه اللامركزي…ويلعب موقع العاصمة دورا كبيرا في تعزيز قوة الدولة ومكانتها في المحيط الدولي، فحينما تكون مطلة على البحر أو المحيط ،فإن دورها سيكون كبيرا في نهضة الدولة وتنميتها من خلال تفاعلها مع العالم ،عبر حركة التجارة الدولية والتلاقح الحضاري،ولكن ذلك ايضا يجعلها منكشفة حين تتعرض للغزو كما حدث في الكثير من الدول التي تعرضت للإستعمار، بعكس الدول مثلا التي لاتملك واجهة بحرية ، وخاصة عندما تكون طبيعتها جبلية وعرة ،الأمر الذي يعقد عملية غزوها وإحتلالها…إن العواصم من ناحية أخرى هي في أغلب الدول (خاصة في الدول الضعيفة تنمويا) من ناحية أخرى هي قبلة ووجهة أغلب سكانها ،ويظل حلم الإقامة بها يراود الكثير منهم، هذه العواصم التي تشهد إكتظاظا حادا في السكان نظرا لغياب خطط تنموية على مستوى كل المدن والأقاليم والقرى والأرياف، كما هو الحال في العاصمة الليبية العريقة” طرابلس″ والتي أسسها الإغريق  …

وتقع العاصمة في جوهر العلاقة بين المركزية واللامركزية ؛فالمركزية هي:

تجمع كل سلطات الحكم في الدولة من تشريعية وتنفيذية وقضائية ومقراتها الحكومية والوزارية والإدارية في العاصمة، وبالتالي يؤثر هذا التركز في البطء وتراكم الخيارات لدى الإدارة المركزية ، أما اللامركزية : تعني ان تكتفي الحكومة المركزية من العاصمة بالإشراف والإرشاد والرقابة الحكومية وتوزيع المهام والمسؤليات والوظائف على الهيئات الموجودة في المحافظات والأقاليم  ،حيث تؤدي اللامركزية الى:

1- السرعة في إتخاذ القرارات الفعالة  التي تحسن الأداء وتقترب من المواطنين .

2- التواصل الفعال بين المركز في العاصمة والفروع في المحافظات والأقاليم.

3-مساهمة الموظفين في صنع القرارات ذات الصلة بأعمالهم وحقوقهم .

4- توسع التنمية أفقيا بشكل يلمسها المواطنين في مناطقهم أينما كانوا ….

إلا أن عيوب اللامركزية تتمثل في: ضعف كوادر المجالس البلدية خاصة إذا كانت منتخبة ،حيث أن الإنتخابات لا تأتي في العادة بالأكفاء ،بقدر ماتأتي بالذين أجادوا الحصول على الاصوات ، اﻷمر الذي يتطلب أن يكون الناخبون على وعي بضرورة إنتخاب ذوي الكفاءات القادرين على جعل اللامركزية ركيزة راسخة للتنمية الحقيقية،و أيضا قد تؤدي اللامركزية الى تفشى المحسوبية في ظل البيروقرطية مع المبالغة في إصدار القرارات والإسراف المالي…وأيضا يأتي طرح الفيدرالية /وهو شكل من أشكال الحكم تكون السلطات فيه مقسمة دستوريا بين حكومة مركزية (حكومة إتحادية) ووحدات حكومية أصغر (الأقاليم والولايات) ، حيث تتقاسم الحكومتان السيادة في الدولة ،حيث الأقاليم والولايات تعتبر وحدات دستورية لكل منها نظامها السياسي الذي يحددسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية (موسوعة ويكبيديا الحرة)…  ولكن رغم خصوصية العاصمة طرابلس والتي مثلت في عهد النظام السابق رمزا للمركزية الحادة فهي العاصمة الإدارية والسياسية والإقتصادية ، مع إيلاء الإهتمام ببعض المدن وإعطائها هامشا متواضعا ، لذلك كانت مدينة كبنغازي عاصمة المنطقة الشرقية تشكو من التهميش ، واليوم وبعد سقوط النظام السابق برز تيار من المنطقة الشرقية تحديدا ينادي بالفيدرالية ،وإن كان لايلقى قبولا واسعا، ورغم أن هناك بعض التجارب العربية في هذا الخصوص وهي دولة “الإمارات العربية المتحدة” ،إلا أنه وفي ظل هذا الوضع من التشظي السياسي وعدم الإستقرار والإنفلات الامني والتجاذبات والنزاعات لانرى بأن الوقت يناسب هذا الطرح ، بل أن هناك من يرى بأن المرحلة الراهنة في ليبيا تحتاج الى “مركزية” مؤقتة وصارمة وحكومة قوية واحدة من أجل تسيير المرحلة الإنتقالية، ثم بعد ذلك يختار الليبيون النظام الذي يناسبهم عبر الإستفتاء، لذلك فإننا نرى  بأنه بعد أن تحظى ليبيا بقدر من الإستقرار فإنه من أجل الحد من سطوة العاصمة ومركزيتها ،وأيضا بهدف خلق توازن للدولة وتقويتها إستراتيجيا ، فإن اللامركزية هي الحل وتتمثل حسب مانرى في الآتي:

  1- تكون العاصمة طرابلس هي العاصمة السياسية ، وبها كل السفارات، والوزارات عدا وزارة الدفاع، على أن تكتفي إداريا بالإشراف والرقابة والإرشاد للإدارات المحلية في المحافظات أو البلديات.

2-تعطى المحافظات والبلديات صلاحيات موسعة، في إطار خطط تنموية تشمل كل نواحي البلاد.

 3- أن تتوزع القاعدة الإقتصادية للدولة على مدينتين أو اكثر وتكون مدينةبنغازي على رأسها وأيضا مدينة مصراتة.

4-ولأجل إستراتيجية عسكرية أكثر نجاعة يكون مقر وزارة الدفاع وقيادة الجيش بين وسط الدولة وجنوبها،وأيضا من أجل النأي بالجيش عن الإستقطابات السياسية ،وحتى يتفرغ لتأمين الدولة والحفاظ على سيادة البلاد.

5- أن تضمن كل هذه النقاط ،مع الإجتهادات الأخرى الصائبة والتي تصب في إطار تعزيز اللامركزية الرشيدة في الدستور المرتقب .                                                                                [email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here