ديما ياسين: لعنة وباء غيرت قوانين العالم

ديما ياسين

 

كنت ابكي كل ليلة على وسادتي لانني لم احقق احلامي بالوظيفة التي اتمناها، فجاة استقيظت ذات صباح ووجدت ملايين الناس عاطلين من العمل.

كنت ابكي من كثرة اشتياقي لاهلي واشكو بعد المسافة، فجاة استيقظت ووجدت ملايين الناس محرومين من رؤية اهلهم ويفصل بينهم جدار وهمي بني من خوف اللقاء ويحذرهم من عدم اللمس. وأصبح  بعد المسافة هو المكان الآمن للحفاظ  على حياتنا.

وجدت الناس تخاف من بعضها، فالقبلة والعناق اصبحوا كالسلاح يهددون حياة كل من يلمسهم، واصبحنا نخاف حتى من من يسكنون معنا.

فجاة فرغت المساجد والكنائس من المصلّين وامتلات المستشفيات باناس يصارعون الحياة.

لم يعد العالم كما عرفناه، صاخب وينبض بالحياة، فجاة سكت كل شيء وفرغت الطرقات من المارة وسكتت ابواق السيارات. لم نعد نسمع طقطقة كؤوس السكارى ولا ضحكات السهارى، وحدها آذان المساجد واجراس الكنائس كسرت صوت السكون وصدحت اصدائها في جميع بلاد العالم. ولاول مرة تتّفق تلك الاصوات على ما اختلف عليه البشر، فلا صوت يعلو على صوت الله الذي اسكت العالم ووحّد الاديان.

لم يعد للفنانينمكانا اي لم يعد الذى الحياة الترفيهية قيمة، ولم تعد أصواتهم  تمتعنا  كما اعتادو  في كل مناسبة، فهم الذين كانو دائما يتنافسون على تاليف اغنية لكل مناسبة منها للحب ومنها للحرب ومنها للثورات، لم يجدوا اليوم كلمات تعبر عما  يجري فقط تحولوا الى متبرعين. لم تعد فيغاس المدينة “التي لا تنام” تتلألأ باضوائها وتبهر زوارها بفنادقها الفخمة وحياتها الصاخبة بل نام كل ما فيها واقفلت كل الرموز اللااخلاقية. كل مظاهر الترفيه والفرح تلاشت وظهرت طقوس العبادة.

خلت الكعبة من زوارها وسكت مؤذنها بلال، وطريق الحق لم يعد يسلكه اصحاب الحق، واصوات التكبير كسره صوت الرياح واصبحـت الكعبة وحيدة في منتصف الكرة الارضية. تحوّل عالم ديزني الساحر وارض الخيال الى ارض كئيبة.

توقفت احلام الناس وتوقفت عقارب الساعة وتوقفت الايام فالكل خائف ومترقّب ولم يعد هناك اهمية لشيء سوى الانتظار والبقاء احياء.

ما الذي قلب قوانين الحياة وبدل  احوالنا  من حال إلى حال؟ انه وباء ضرب العالم واجبر ملايين الناس على التزام بيوتهم فغيّرت معالم الحياة ومحت الابسامة عن وجوهنا وحده الحزن والقلق اصبحا واضحين علينا. هل هو عقاب ارسله الله لنا لمعاقبتنا على ما اقترفت ايدينا من معصيات واخطاء؟ ام عقاب على ما اقترفت ايدينا من اهمال بحق الارض التى ائتمننا الله على رعايتها؟.

هذا الوباء الذي نزل علينا كالصاعقة  واقلق راحتنا كان له جانب جميل، هذا الجانب ساهم في اعادة بناء ما افتقدناه بسبب شهوات الدنيا ومغرياتها. فابتعدنا وتغيّرنا دون ان نشعر وكانها سلبت منا ارادتنا تحت تأثير مقومات الحياة الترفيهية. ممثلة  دور”الشيطان” الذي يغري ضحاياه كل على حسب عشقه وميوله. لم ننتبه لفقدان الراحة الا عندما وقعنا في فخ تلك المغريات. فجأة توقف رنين الهاتف، واصبحنا نسمع صدى في المنزل التي كانت جدرانه تنزعج من صوت ضحكاتنا و وانزعاج الجيران من الركض طوال النهار. لم تعد العائلة تجتمع ايام العيد بل نكتفي بالسلام والمعايدة في رسالة “الواتساب”. ولم نعد نشتري طاولة الاكل ذات المقاعد الكثيرة  واصبحت تلك العادة من الكماليات وخاصة مع انتشار المطاعم والاكلات الجاهزة، واصبحنا نادرا ما نراهم بحجة مشاغل الحياة. هل هي حقًا مشاغل الحياة التي غيرّتنا ام ان الخيوط “الشيطانية” التي نسجتها لنا هي التي اوقعتنا في شباك اللامبالاة والمنافسة للصعود الى القمة والتباهي؟

في عز ّتلك المشاغل وقساوة القلوب ارسل الله لنا جرثومة صغيرة جدا لاعادة برمجة حياتنا، فاعادت لنا ترتيبها وعلّمت من استهزأ بها درسا في اختيار الاولويات، فجمعت شمل العائلة من جديد، وطاولة الاكل الكبيرة التي وضعناها مع الاغراض منتهية الصلاحية  افترشناها من جديد. فليس كل داء هو ابتلاء، احيانا كثيرة تاتي الابتلاءات لتكون درسا لنا لاعادة النظر في حياتنا التي كدنا ان نفقدها في لحظة لهو.

كاتبة لبنانية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. استمتعت بقراءة مقالك الذي ينبع عن احاسيس وعواطف انسانية عميقة…

  2. مقال جميل, في بعض الاحيان بدى كانه شعر منثور . وصف جميل

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here