دلالات “الركائز الثلاث” للحراك الشعبي الجزائري

د. محمد شرقي

لا أحد كان يتوقع انفجارالحراك الشعبي الجزائري الذي أبهر العالم بتنظيمه ، وحتى في كيفية وقوف الجزائريين في لحظة تاريخية مفصلية أنقذت مستقبلهم ، لو تمكنت “العصابة” من تمرير ترشيح عبد العزيز بوتفليقة المريض لعهدة خامسة ! تكرس الرداءة والاستبداد في صور جديدة أبشع من الماضي توصل بها الأمر عبادة “الكادر” – الكادر هو الإطار الذي توضع فيه الصورة – حتى وصفت هذه الممارسة الغريبة عن الشعب الجزائري “بالجاهلية السياسية” لمجتمع يعيش في القرن ال 21 كل ذلك يحدث بمباركة المستفدين من الريع وتطبيل الإعلام المرتشي !

من حق الحراك الشعبي أن يرفع الشعارات والمطالب التي يراها مناسبة لرفض هذا النظام “البوتفليقي” الذي تسلط على رقاب الجزائريين على حين غفلة من أمرهم منذ سنة 1999. ومن حق الحراك أيضا أن يرفع سقف مطالبه وشعاراته كل يوم جمعة  لتعنت النظام البائد قبول مطالبه السياسية.  ومع هذا بقي الحراك على مطلب واحد وشعارين يرددهم كل يوم وكل جمة لأنه يعتبرها من دعائمه و قوة وحدته بل هي”أرجله” التي يواجه بها بقايا النظام  ألا وهي: “سلمية..سلمية” و”جيش شعب خاوة ..خاوة” و”يتنحاوا ڤاع.. ويتحاسبوا ڤاع ” .

لقد ظلت الحناجر المليونية التواقة للحرية والعدالة تنادي بهذه “الدعائم” في كل تجمعاتها الانتفاضية ،وبالأخص أيام الجمعة وعبر كل مدن الوطن ،حتى صارت تزلزل مسامع” بقايا البوتفليقية الفاسدة ” التي اعتمدت إبان حكمها،العنف والتخويف والتهديد والوعيد، كمنهج تسلطي في تسيير البلاد طيلة بسط يدها على البلاد طيلة 20سنة.

1) مدلول” سلمية ..سلمية “

رفع شعار” سلمية ..سلمية ” هو وسيلة ناعمة و متحضّرة يضغط بها الحراك الشعبي لتحقيق مطالبه المتمثلة في تسليم السلطة. لقد صار هذا الشعار” أيقونة ” كل التجمعات الشعبية بل رمزها ،لأنه يحمل “رسالة محبة وسلام “موجهة  لنظام لا يعرف إلا لغة العنف، اقتداء بأحد مبادئ الفيلسوف الإيطالي “نيكولو مكيافيلي” الذي نصح ملكه بأن يتعامل بعقلية  “من الأفضل أن يخشاك الناس على أن يحبوك “!؟

لقد سجل شعار سلمية ..سلمية،حضورا قويا وسط الجزائريين ويقصد به من الأحسن “رحيل جميع رموز النظام” كبارا وصغارا دون إراقة أي قطرة دم .. حتى آن هذا الشعار انعكس حتى على سلوك الجزائريين، حيث قلت الحوادث بكل أنواعها وتوقفت الهجرة السرية نحو أوروبا بشكل ملموس.

إن رفع شعار “سلمية الحراك”، في اعتقادي قد كبل “العصابة الحاكمة” ووضعها أمام مرأى كاميرات العالم وتتبع الرأي العام الدولي للإحداث الجزائرية. سيبقى هذا الشعار مدويا إلى حين تلبية كل المطالب المتعلقة بضرورة الانتقال السلس والسلمي للسلطة إلى الشعب وأخذ زمام أموره السياسية بنفسه.

2) مدلول “جيش شعب ،خاوة.. خاوة”

لقد طرح المتتبعون والسياسوين والباحثون عدة تساؤلات عن مدلول وسر شعار جيش ،شعب خاوة.. خاوة”الذي يرفع كل أسبوع  ؟ حتى انه  تحول إلى ”ايقونة ” بل إلى “عنوانا ”عريضا للحراك الشعبي.

وكما هو معروف يعد جيش التحرير إبان الثورة التحريرية “الذراع” العسكري لجبهة التحرير الوطني ، وبعد الاستقلال صار يطلق عليه الجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير، أسندت إليه مهام دستورية عديدة. والتأكيد على مسؤوليته فى الحفاظ على استقرار البلاد والذوذ عنها والسهر على أمن وحماية شعبها.لكنه حافظ دائما على إبداء “رأيه” في تعيين الرؤساء وحتى إقالتهم! وهذا ليس غريبا على دول تعيش مرحلة الانتقال الديمقراطي.

وألان ينتظر الحراك الشعبي من الجيش “مرافقته” في التحول الديمقراطي الذي تعيشه البلاد. و المساعدة على تطبيق كل مواد الدستور دون تجزئة، و صار يعول عليه كثيرا للوقوف ضد ” العصابة ” كما وصفها و“الدولة العميقة” و أذرعها في الخارج، التي تحاول الالتفاف على الحراك..

ولهذا لا غرابة أن يرفع الحراك شعار”جيش شعب خاوة ..خاوة” ، كما جاء في بيان أول نوفمبر1954 التحريري ،والذي وما يزال مرجعا و”عقدا اجتماعيا” بين  كامل مكونات الشعب . بل هي دعوة لمؤسسة الجيش للانضمام لمطالبه ورعايتها، كما أنها “رسالة” قوية للذين يريدون التفرقة بين الحراك وجيشه مثلما وقع “خطأ” سنة 1992 حينما وقف ضد الإرادة الشعبية!؟

3) مدلول مطلب يتناحاو ڤاع..ويتحاسبوا قاع”

“يتناحاو ڤاع..” باللهجة العاصمية ، وهو ما يعني باللغة العربية “فليتنّحوا جميعا” أو” يتنحوا نهائيا”..

هي دلالة  وردا على ما عناه الشعب من قهر ابنان الفترة “البوتفليقية “، انه شعار ومطلب انبثق من القاعدة القانونية ” الجزاء من جنس العمل ” كل ذلك بسبب تراكم سنوات الفساد والظلم و الألم التي سلطتها العصابة على الشعب “.

إن رفع الشعب شعار “يتنحاو ڤاع ويتحاسبو قاع “، في اعتقادي يجب أن يفعل بآلية في الأيام والأسابيع القادمة مع ضمان محاكمة عادلة وهو ما تحاول “الدولة العميقة” الالتفاف عليه باستعمال التماطل وتعكير حياة الجزائريين حتى يلاحظ الفرق.

ما يزال الحراك الشعبي متواصلا منذ أكثر من ثلاثة أشهر بنفس الزخم الشعبي عبر كامل المدن الجزائرية مع التأكيد على مطلب واحد يتمثل في تسليم السلطة للشعب طبقا للمادة السابعة من الدستور لتقرير مصيره بنفسه.

  • أستاذ جامعي الجزائر

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. ما دام الحراك يحمل أعلاما غريبة رفقة العلم الجزائري الرسمي ، فمآله الفشل الذريع ، وربما سيكون سببا في دمار شامل للجزائر . لابد إذا أراد الحراك النجاح ، أن ينقي صفوفه من هؤلاء المرتزقة الذين يسعون إلى خدمة فرنسا بالنفس و النفيس ، وإذا استمر هذا الوضع ، سيرفعون قريبا العلم الفرنسي ، ويطالبون بضم الجزائر إلى فرنسا . لن ينجح الحراك إلا إذا نقّى صفوفه من الأعشاب الضارة . وشكرا جزيلا.

  2. شكرا دكتور على هذا التقرير اامفصلي.

    بحق ثورتنا جاءت بديناميكية جديدة حركتها رواسب قيمنا وثقافة شعبنا التي تجلى منها مباديء نوفمبر 1954 بوضوح من جهة، وتجارب التسعينات والربيع العربي من اخرى.

    كانت الثلاثة اشهر الماضية مرحلة لابد منها لتمحيص الدلالات الثلاث المذكورة، رغم استعجال البعض ويأس ٱخرين.

    اليوم وبحق الشعب مستعد للقفزة.

  3. ____ يا استاذ / د محمد شرقي /. المادة 7 من الدستور لها إطارها و تتم عبر أطر و مؤسسات دستورية .. ’’ تسليم ’’ ؟؟ .. حاف !!!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here