دكتور ناجى صادق شراب: القياده الفلسطينية وسؤ التقدير!

دكتور ناجى صادق شراب

سؤ التقدير في السياسة ظاهرة طبيعية وتتفاوت من نظام سياسى إلى آخر إستنادا إلى الحسابات العقلانية وإنفتاح صانع القرار السياسى على كل المتغيرات والمحددات التي تحكم قراره السياسى.وسؤ التقدير يقصد به عدم الإلمام الدقيق والكامل للمتغيرات والمحددات التى تحكم القرار السياسى، والإستناد فقط على الرؤية الذاتية لصانع القرار، وحصر القرار السياسى برهانات سياسية تقع خارج دائرة نفوذه وتحكمه، والنتيجة الحتمية قرار سياسى خاطئ، وتداعيات سياسية كارثية ليس فقط على صانع القرار السياسى بل على مستوى الدولة والشعب. فالقرار السياسى بيئة سياسية داخلية وخارجية شاملة ، وعدم التفهم لها تترتب عليه نتائج خطيره ،لأن القرار السياسى للحاكم يمس مستقبل دولة وشعب.

هذا في الحالة الطبيعية للدول، فما بالنا في النموذج الفلسطيني المعقد والذى تتحكم وتسيطر فية المتغيرات الخارجية دورا أكبر. وتعقيدات القرار السياسى الفلسطينى نابعة من تعقيدات القضية الفلسطينية وكثرة وتناقضات متغيراتها الإقليمية والدولية ، فالعلاقة هنا تصارع وتصادم بين القرار السياسى بين محدداته الداخلية ومحدداته الخارجية.

وفى قراءتى للعديد من القرارات السياسية ألاحظ ظاهرة سؤ التقدير والرهان على حسابات غيبية، والأمر هنا ليس قاصرا فقط على صانع القرار صاحب السلطه، بل يمتد لكافة القيادات على مستوى كل الفصائل الفلسطينية.الفردية والغيبية واللاعقلانية والرهائنية من سمات القرار السياسى وسؤ التقدير. والمخرجات مزيد من التراجع وعدم الإنجاز وإضاعة الفرص، فالسياسة في النهاية قوة والقوة أوراق تفاوضية توظف في المكان والوقت المناسب.

ويستحضرنى هنا تصريح غير مسبوق للسيد هانى الحسن رحمه الله وقد كان وقتها مستشارا للرئيس عرفات وأحد فريق صنع القرار واصفا القياده السياسية والمنظمة بالجهل والجبن، وهو لم يقل الخيانه فهذا فرق كبير، لأن القيادة الفلسطينية لم تكن في أي وقت خائنه لقضيتها ولشعبها وهذا يسجل لها لكنها تحاسب لسؤ تقديرها وحساباتها الخاطئة ،وهى التي اوصلتنا للحالة السياسية المزدرية الآن من الإنقسام والإنفصال ومظاهر الفشل الكثيرة ، لا يعنى ذلك تقليل من إنجازات تحققت لكن الكثير من القرارات السياسية حكمها سؤ التقدير والرهانات السياسية غير المحسوبة ، وعدم القراءة الدقيقة للمتغيرات الإقليمية والدولية والتحولات في موازين القوى التي كانت اسرع من القرار السياسى الفلسطيني الذى جاء أقل إستجابة وقدرة وتكيفا معها، والنتيجة الحتمية ان هذه المتغيرات والتحولات كانت اكبر من الحسابات والتقدير.

ولعل احد المظاهر السلبية والتي ما زالت مسيطرة ومتحكمه في القرار السياسى على كافة مستوياته التمسك بالثوابت ، وعدم مراعاة المتغيرات والتحولات، الكل يتكلم عن المصالحة مثلا كثابت، لكن أين الحسابات والتغيرات التي تحكم القرا ر السياسى ، الكل يراهن على مواقف وأحداث سياسية ما زالت في عالم الغيب. والأمثلة كثيرة على سؤ التقدير والرهانات السياسية، وأبرزها مسألة التسوية السياسية والعملية التفاوضية.من منطلق عدم فهم طبيعة التوازانات الإقليمية والدولية ، والتحولات في موازين القوى.

وبرز سؤ التقدير في عنصر الوقت وعدم الإستفاده منه وتوظيفه بما يخدم الأهداف الفلسطينية، وأقصد بذلك انه في لحظة زمنية كان يمكن الحصول على اكثر بكثير من تحييد وتأجيل عنصر الوقت. السياسة والقرار زمن معين.

وإساءة التقدير برزت في عدم القدرة على تغيير المسار التفاوضى ، والتنازلات التي قدمت قبل بدء العملية التفاوضية ، وعدم القدرة على التمييز بين التفاوض والتنفيذ. ولعل من أبرز الأوراق التفاوضية التي أسئ تقديرها ورقة الإعتراف ، كان يفترض ربطها منذ البداية بالإعتراف بالدولة الفلسطينية. وما كان معروضا كان اقل من الطموحات الفلسطينية ، ولذلك بدأ سقف التفاوض بالقليل ، وكان يفترض العكس تماما. ولعل أيضا من إساءة التقدير حاجة ألولايات المتحده لتحقيق إنجاز سياسى بعد حرب الخليج، والمفتاح كان بيد الفلسطينيين، الدول العربية.

ولم يتم الإستفاده من ذلك.وسؤ التقدير تمثل في التنازل عن ورقة المبادئ التي أقرها المجلس الوطنى للتفاوض مثل التأكيد ان منظمة التحرير هي الممثل الشرعى والوحيد وتمثيل القدس، وممارسة حق تقرير المصير,وأن قرار 242 للتنفيذ وليس للتفاوض.

هذه المبادئ تم التخلي عنها، وألأسوأ قبول ورقة الدعوة لمؤتمر مدريد التي تتحدث عن التفاوض وليس التنفيذ.والتى لم تشر لإزالة الاحتلال ، بل تحدث ت عن ترتيبات الوضع الدائم والتي فسرت إسرائيليا بحكم ذاتى.وسؤ التقدير تمثلت فيما عرف بوثيقة ستانفورد والتي تم الاتفاق عليها بين منظمة التحرير ووفد شعبى إسرائيلى ، والتي حددت فلسطين بالضفة وغزة والعوده للدولة الفلسطينية مما فسر معه بانه تنازل عن حق العودة. هذه بعض مظاهر سؤ التقدير والتي ما زالت صورها قائمه، وليست قاصرة على صناعة القرار بل تشمل قادة الفصائل، ولعلى أنهى بسؤ التقدير والحسابات الخاطئة لمسألة المصالحة والمراهنة على مواقف ا الدول الأخرى كإيران وتركيا، وان الوقت يعمل لصالحنا، أختصر عدم المصالحة سؤ تقدير سنجنى نتائجه الكارثية مسقبلا.

ويبدو لى أن هناك بعض الإرهاصات لتفادى الخبرة السابقة كما برز الآن في رفض صفقة القرن وعدم العودة للتفاوض دون مرجعية محدده، وموقف واضح من الدولة الفلسطينية ، لكن يبدو ان عنصر الوقت لا يعمل الآن لصالح القرار الفلسطينيى ، وهو ما يستلزم إعادة صياغة إطار صنع القرار وترشيده ببناء نظام سياسى ديموقراطى ، ورؤية المستقبل بعقلانية وموضوعية .والنصيحة الخيرة لا تتاخذ قرار في غير وقته وأنت تحت الضغط.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. د.ناجي شراب حفظه الله، أقدر لكم محاولة تبرئة النظام السياسي الفلسطيني من تهمة الخيانة للشعب والتي لا أعرف لها توصيفا أو تعريفا محددا. لكن يجب علينا جميعا بما فيهم المثقفين وأصحاب الرأي مثلكم أن لا نحكم على النوايا ، لأننا لا نعرفها ، وفي القانون تتضح النية ومقصودها بعد القيام بالعمل – الجريمة- وبالتالي افتراض حسن النية من الصعب جدا إثباته في حالات الأفعال والنتائج السيئة وتكرارها والإصرار عليها ، مما يثبت بموجب القانون سوء النية !!!. دكتورنا الفاضل : في العمل العام ومصالح الناس فإن الخطأ والخيانة لهما نفس الأثر!!!. يجب إغلاق باب التبريرات تحت مسميات حسن النية ومن يعمل يخطئ ومن لا يعمل لا يخطئ و المقولات المستمدة من النصوص الدينية- من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أجتهد فأخطأ فله أجر الاجتهاد – . إنما الاجتهاد والعمل واتخاذ القرارات مطلوب من صاحب الخبرة والصنعة والمسؤول فعلا عما يعمل وليس الاجتهاد والعمل في العمل العام لمن ليس له علم ولا دراية ولا مهارة بخلاف انه ابن كذا من الأحزاب أو ابن فلان من الزعماء أو ابن زيد وعبيد من العائلات.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here