دكتور محيي الدين عميمور: قراءة جديدة في كتب قديمة- 6 :اجتماع سياسي في مرحاض الرجال

 amimourok1.jpg661.jpgok

 

دكتور محيي الدين عميمور

 

 

أقترب الآن من نهاية قراءتي لكتاب الدكتور بطرس بطرس غالي : طريق مصر إلى القدس، والتي آمل ألا تكون أثقلت على القراء بقدر إثقالها عليّ شخصيا، بحيث أعترف أنني فكرت في التوقف عن استكمالها.

يقول بطرس غالي (..) صار معلوما الآن لدى الكافة بأنني أتحدث جهارا لصالح القضية الفلسطينية (..) ولكنني كإنسان واقعي (..) أعلم أنه إذا لم تتابع مصر مصالح الفلسطينيين فإننا سنخسر زعامتنا للعالم العربي، كما أن السلام مع إسرائيل سيحيق به الخطر.

(..) وبدا أن كل أسباب انزعاج العالم العربي لا تنصب على المعاهدة المصرية الإسرائيلية، التي تعني إعادة الأرض العربية من إسرائيل، وإنما كان يُخشى أن يكون وراء المعاهدة حلف سرّي بين إسرائيل ومصر بمساندة الولايات المتحدة، تصبح مصر بمقتضاه الزعيمة السياسية، وإسرائيل الزعيمة التكنولوجية، والولايات المتحدة السند المالي (..) لم يكن هناك أي ظل للحقيقة في هذا الادعاء (؟؟)

وقفة سريعة : ليس هناك عربي واحد يجادل في أحقية مصر كزعيمة ورائدة عندما تتخذ المواقف التي تجعل منها كذلك، والتعليق هنا يُخلّ، إلى حد ما، بالأسلوب العلمي، لأنه مضاربة سياسية، بجانب أن العالم يعرف بأن أمريكا لم تكن أبدا سندا ماليا لأحد، بل هي تريد أن تكون هي الآمرة بصرف الأموال عربية المصدر.

…………….

في يوم الأربعاء 4 يوليو 1979 سافرت لحضور مؤتمر القمة الإفريقي في مونروفيا، وكنت أتوقع الأسوأ (..) وتناولت العشاء بمنزل عادل خير الدين سفير مصر (..) وكان يأمل أن تؤدي علاقتنا الشخصية إلى توليه منصب في أوروبا (..) وبالرغم من شكاواه التي لم تنقطع أبدا، كان الجو في العشاء مبهجا (..) اجتمعت مع حسن كامل (مدير ديوان الرئيس) لمناقشة القائمة التي كنت قد أعددتها لرؤساء الجمهورية الأفارقة الذين يجب على السادات أن يجتمع بهم، وقال حسن كامل بعجرفة : “إن رئيس الجمهورية لن يقوم بطبيعة الحال بأي زيارات” (..) وعندما استقبلني السادات (..) وأبلغته بما هو مطلوب، وافق على الفور على زيارة الرؤساء الآخرين (..) ثم جاء الدور على أحمدو أهيدجو رئيس الكاميرون (..) وكنت أقوم بالترجمة من العربية إلى الفرنسية، مفصلا في أماكن متفرقة كلمات السادات، وذلك بالموافقة الصريحة من جانب الرئيس، الذي كان يهز رأسه بالموافقة عند كل نقطة عندما كان يلاحظ إسهاماتي في بلورة كلماته (؟؟).

 (..) واستقبلني في نيويورك الدكتور عصمت عبد المجيد وطلبت منه أن يساعدني فورا بشأن تقديم اقتراح بتنقيح قرار مجلس الأمن 242 لكيلا يُشار إلى الفلسطينيين على أنهم لاجئون فحسب، ولكن كشعب له حق تقرير المصير (..) غير أنه عندما عرف الإسرائيليون بهذه الفكرة عارضوها بعنف (..) وكان السادات نفسه يخشى من أن يؤدي تعديل القرار إلى إضعاف اتفاقات كامب دافيد (..) وقد أبلغ السادات بوب شتراوس بهذه المخاوف، ونتيجة لذلك، حاول شتراوس بكل نشاط أن يقتل مبادرتنا (؟؟) واتصل الدكتور مصطفى خليل بي هاتفيا من القاهرة ليقول إن معارضة السادات لتغيير القرار 242 قاطعة. (263)

وقفة سريعة: لم يقل لنا الدكتور كيف وصلت الفكرة للإسرائيليين ؟

…………..

وتركت نيويورك متوجها إلى هافانا (..) كان الشعور العام أننا نواجه خطرا (..) غير أن الرئيس السادات لم يكن يعبأ بذلك، فلم تكن حركة عدم الانحياز تهمه، فهو يعتزم تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من سيناء مهما كان الثمن الدبلوماسي بالنسبة لمصر.(..)

وقفة سريعة للعلم: لا أذكر أن الرئيس السادات حضر قمة عدم الانحياز السابعة في هافانا، عاصمة كوبا، وهو ما أكده بطرس غالي نفسه بعد عدة فقرات، ويؤسفني أن أقول أن هذا يُلقي ظلالا على دقة بطرس غالي في استعراضه للأحداث.

…….

وفي ساعة متأخرة من ذلك المساء طرق السفير محمود أبو النصر، المصريّ المُعار إلى سلطنة عُمان (؟؟) ليعمل ممثلا لها في الأمم المتحدة، باب غرفتي، وقال إن سوريا قد طلبت من المجموعة العربية أن تشجب وترفض اتفاقات كامب دافيد (..) وطلب مني أن أبقي على اجتماعنا سر‎ا.

وقفة سريعة : أتصور أن الدبلوماسية المصرية كان يمكن، بحد أدنى من التنسيق والتفاهم والتفهم المشترك، أن تستثمر التنديد العربي في مساومة الإسرائيليين والأمريكان، وكلما زاد الهجوم العربي كلما أمكن انتزاع مكاسب أكثر من الطرف الإسرائيلي، بشرط الاتفاق المسبق بين القادة العرب، أي ما كان هواري بو مدين يقوم به مع جمال عبد الناصر، وهو ما قاله لي الرئيس الجزائري شخصيا.

ويلاحظ أن إشارة الوزير المصري لدور ديبلوماسي مصري مُعارٍ إلى دولة أخرى تسيئ إلى العاملين المصريين لدى الدول الشقيقة، إذ تقدمهم كجواسيس.

………….

(..) وقال رودريغويز (نائب الرئيس الكوبي) أن صديقه هواري بومدين قد ذكر له أكثر من مرة أنه، وبرغم أي خلافات، يجب ألاّ ينسى المرء أبدا أن مصر هي أهم دولة في العالم العربي (..).

تناولت مهدئا وتوجهت إلى سريري، غير أن التليفون بدأ في الرنين، وكان المتكلم سيسيل دونيس ( وزير خارجية ليبيريا ورئيس المجموعة الإفريقية) وقال إنه يريد مقابلتي فورا (..) وقال وهو يصرخ : “بطرس أخي، صديقي ، كيف يمكن أن أدافع عن مصر وسياساتها في الوقت الذي يُحرّض فيه الرئيس السادات الرأي العام العالمي ضد مصر؟ .

وقال إن السادات قد توجه لتوّه إلى إسرائيل في زيارة رسمية، وعلى مسمع ومرأى العالم، وفي الوقت الذي ينبغي له أن يشترك في مؤتمر هافانا (..) وأضاف أن الأكثر من ذلك أن “السادات قال في تصريح نقلته جميع وكالات الإنباء، إن مصر سوف ترسل جنودا إلى المغرب لمساعدة الملك الحسن الثاني في حرب الصحراء الغربية” (؟؟)

(..) ووجهت برقية عاجلة إلى مصطفى خليل رئيس الوزراء، ورويت له القصة، لقد أردت أن يعرف السادات لماذا يتعين عليّ أن أتنصّل من تصريحاته، آملا في ألاّ يُغضبه ذلك.

وشن فيديل كاسترو هجوما عنيفا على الإمبريالية (..) ووصف اتفاقات كامب دافيد بأنها خيانة للعالم العربي (..) بمن في ذلك المصريون أنفسهم.

واشتعلت غضبا وقلت لعصمت عبد المجيد إنه لابد من أن أردّ على وقاحة هذا الرجل فورا (؟؟) وساد القاعة الكبرى صمت تام. كيف يجرؤ هذا المنشق على إلقاء محاضرة على فيديل كاسترو، رئيس جمهورية كوبا، ورئيس مؤتمر القمة، الماركسيّ وإله عدم الانحياز، بهذه الطريقة.

ولم يدل كاسترو بأي تعقيب على ما قلته (..) وبعد ذلك أعلن أن المؤتمر وافق على شطب كلمة ممثل مصر من محاضر الجلسة، وضجت القاعة بالتصفيق المدوّي، وتعالت صيحات النصر بين الدول الرافضة واليسارية، أما الوفود التي اختارت عدم الاستحسان فقد انكمشت على نفسها بأمل أن تمر العاصفة دون أن تؤذيها. (274)

وفي ذلك المساء أقام كاسترو حفلا لرؤساء الوفود (..) وعندما كنت أصافحه قال: “لقد سمعت قبل وصولك أنك خصم خطير، ولقد تجلت لي حقيقة ذلك اليوم”. وأضاف مبتسما أنه يتمنى لي إقامة سعيدة في هافانا.

ولم تؤد روح المودّة التي أبداها إلا لزيادة هياجي، لأنها نقلت إليّ ثقة كاسترو بأن مصر خسرت قضيتها.

وبعد الظهر قمت بزيارة كورت فالدهايم في استراحته، وأشار إلى كلمتي وقال إنه ربما حان الوقت لعقد مؤتمر دولي بشأن أزمة الشرق الأوسط (..) واستمعت إلى فالدهايم دون أن أفصح عن رأيي بأن السادات لن يقبل عقد مؤتمر دولي في هذه المرحلة (..) وبالرغم مما كنت قلته في كلمتي فإنني كنت أعرف أن فكرة عقد مؤتمر دولي في غزة أو العريش، والتي ذكرها السادات في مونروفيا منذ شهر، لم تكن سوى مناورة دبلوماسية لإرباك الرافضين العرب (؟؟)

وفي ذلك المساء رجعت إلى فندقي لانتظار رئيس وزراء المغرب، الذي كان قد طلب أن يجتمع بي في غرفتي سرّاً، ووصل المسؤول المغربي حوالى الساعة العاشرة مساء، مرتديا عباءة بيضاء طويلة ونظارة سوداء، كما لو كان متوجها إلى حفل أزياء، ودخل هو والسفير المغربي لدى الأمم المتحدة إلى غرفتي بعد أن ألقيا نظرات شمالا ويمينا خشية أن يراهما أحد. (276)

وقفة سريعة : كنت في هافانا آنذاك وكنّا على علم بزيارة المسؤول المغربي، فلا يمكن كتمان شيء في مؤتمر دولي كهذا، والمؤسف أن الدكتور بهذا الاستعراض لملكاته الوصفية البوليسية يخرج عن إطار الموضوعية الجامعية، فالمغاربة لم يكونوا في حاجة للتنكر في مِؤتمر كل ما فيه مكشوف.

…………

وبعد مناقشات كثيرة (..) رفض المغاربة طلبي بأن يعلنوا أنه لا صحة للرواية التي تقول إن مصر سوف ترسل جنودا إلى المغرب بطلب من الرباط (..) وعندما غادر رئيس الوزراء غرفتي وضع على عينيه النظارة السوداء مرة أخرى، وهرع خارجا خلسة (؟؟)

وصبيحة اليوم التالي قمت بزيارة الرئيس تراوري رئيس جمهورية مالي (..) وقال في غيظ : “إذا كان أعداء مصر لا يفهمون السياسة المصرية، وأصدقاء مصر لا يفهمون السياسة المصرية، فهل لا تتفق معي على أن هناك خطأ ما يتعلق بالسياسة المصرية ؟ (..)

 ثم اجتمعت سر‎ا (؟؟) مع ممثل الإمبراطور بوكاسا، إمبراطور جمهورية إفريقيا الوسطى، في مرحاض للرجال (278)(؟؟)

وفي طريق عودتي عن طريق باريس تقابلت مع وزير الخارجية الفرنسي الجديد جان فرانسوا بونسيه. فقال لي وهو يعدل ياقة معطفه ويتكئ إلى الخلف بمقعده، : ” موشي دايان كان يجلس في هذا المكتب الذي تجلس فيه، منذ فترة قصيرة. وقال لي ديان دون مواربة إن ما تم إبرامه بين مصر وإسرائيل ليس سوى سلام منفصل، وأنه عندما تتفاوض إسرائيل حول الضفة الغربية وقطاع غزة فلن يكون الموضوع هو السيادة على هذه المناطق بل فقط إعطاء الحكم الإداري للفلسطينيين، ولا شيء غير ذلك” وأضاف ” إنه بذلك يكون ديان قد أكد نية إسرائيل في الاحتفاظ بالضفة الغربية.

وأن الدبلوماسية الأمريكية قد أخطأت، لأنه بينما كان انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة أمرا مُفترضا فيما مضى فإنه أصبح الآن موضوعا للتفاوض.

وكدت أسرّ لوزير الخارجية الفرنسية أنني ربما أشاركه رأيه.

وقفة سريعة: هل أحاط الوزير رئيسه بكل هذا أم بقي سرا بينه وبين الوزير الفرنسي؟

…………..

وعند عودتي للقاهرة (..) استدعاني الرئيس للاجتماع به (..) وهاجم بشراسة الدول في الخليج وإفريقيا التي ليست سوى زمرة صغيرة لا قيمة لها سياسيا أو ثقافيا أو اقتصاديا (؟؟؟).

كان السادات قد قرر ترتيب استعراض كبير  ليبين أن فترة مفاوضات الحكم الذاتي، التي كانت قد استمرت شهورا، قد حققت تقدما.

إلاّ أن الحقيقة كانت على خلاف ذلك. (286)

وسافرت إلى الإسكندرية (..) وبدأت المفاوضات في قاعة فندق سان استفانو (..)

 ووصلت إلى مطعم سان جيوفاني وذلك لاستقبال الضيوف بدلا من مصطفى خليل، وحول المائدة كان يجلس يوسف بورج (رئيس الوفد الإسرائيلي) إلى يميني وشارون إلى يساري، وكانت المواجهات التي حدثت أثناء النهار قد تركت آثارها علينا جميعا (..) وعالج بورج وشارون سماجة الموقف عن طريق تكديس الطعام في أطباقهما (..) وأثناء العشاء اقترب مني السفير محسن الديواني رئيس البروتوكول ليبلغني بأنه تم ترتيب عرض فني، وبدأ العزف، ثم ظهرت راقصة شرقية وبدأت تؤدي رقصاتها بطريقة إيقاعية، وتوقف جاري آرييل شارون، عن تناول الطعام، وعكست أسارير وجهه مشاعر الاغتباط والسعادة، والتفت إليّ وتكلم بمودة : “يا دكتور غالي، لو أنك أرسلت ثلاث راقصات مثل هذه الراقصة إلى إسرائيل، فلن تحتاج إلى أي سلاح آخر أو دبابات لغزو بلدي” ، وضحك، وضحكت أنا (..) وعندما كان يحدث ذلك وجدت أن الدكتور بورج قد اختفى (..) لقد ترك القاعة فزعا (بعد أن) نظر إليّ نظرة مرتاعة، وقال: ” ألا تعرف أنني رئيس لحزب ديني، وإن وجود راقصات نصف عاريات تقمن بإيحاءات جنسية ينتهك التعاليم الدينية؟” (..) واعتذرت له. (290)

وقفة سريعة : كنت أتمنى لو ردّ غالي ردّا مناسبا على شارون في نكتته البائخة التي تعرّض بحرائر مصر، وكنت آمل لو لم يعتذر للدكتور بورج، وأتساءل ما الذي كان يمكن أن يحدث لو تعلق الأمر بزعيم سياسي مسلم تصرف بنفس الطريقة، ألن تقوم القيامة على هذا الأصولي المتعصب ؟

يتبع

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. الأعمى والأعشى قبل البصير كلهم يشهدون بأن ما أوردته هنا كان دفاعا عن المغرب الشقيق ضد اتهامات كوميدية استعملها الدكتور بطرس متناولا وزير خارجية المغرب بشكل كاريكاتوري، ولست أرى أين هي محاولتي لتلطيخ سمعة المغرب، التي يلطخها في واقع الأمر من يدافع عنها بطريقة الدب في الحكاية المشهورة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

  2. وعاد مسقط الطائرة على البستان الى عادته . في الكلام على المغرب بطريقة لاتمت الى الحقيقة في شيء.الاخ الجزائري لا يترك فرصة دون ان يلطخ سمعة المغرب كباقي خدام أعتاب الجنرالات.

  3. للاسف الكثير من الديبلوماسيين العرب وخاصه المصريين يحلوا لهم نشر مذكراتهم وانطباعاتهمبعد ان ينتقل الطرف الاخر الى رحمه الله السؤال الكبير ماهو الثمن الذي دفعه بطرس غالي ايام السادات وبعدها للحصول على منصب الامين العام للامم المتحده وبعدها نقرأ البطولات الدونكشوتيه التي يتحدث عنها المأساه في عدم وجود الصدق والانتماء لهولاء وهم سبب رئيسي لهزيمتنا سابقا ولاحقا وغيرهم الكثير .

  4. هؤلاء الساسة البشاويش عملوا بمبدأ ” الرجل المناسب في المكان المناسب ” !
    المؤكد أن موضوع الإجتماع الذي تشرف مرحاض الرجال باحتضانه ، لم يكن حول موضوع مياه النيل أو مياه السد العالي ، و الواضح أن الدكتور بطرس على ما يبدو موهوب جدا في وصف المشاهد الكوميدية التي لها طابع سياسي و ما أكثرها .

  5. من اروع القراءات التي قرأتها منذ فترة طويلة وفقك الله ونحن بإنتظار المزيد…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here