دكتور محيي الدين عميمور: الوطن العربي: قراءة جديدة في كتب قديمة (3)

 amimourok1.jpg661.jpgok

أواصل قراءتي في كتاب الدكتور بطرس بطرس غالي : طريق مصر إلى القدس، وأرجو أن يعود القارئ إلى مقدمة الجزء الأول ليتعرف على أسلوبي في هذه القراءة..

يقول بطرس غالي: في اليوم التالي قابلت وزير خارجية يوغوسلافيا ميلوس مينيك.

قال لي أنه قرأ النص الحرفي للقائي بالرئيس تيتو.

وانتقل ذهني على الفور إلى أن تسجيلات مقابلات الرئيس السادات تصل إلى الوزارة المعنية بعد أسبوع على الأقل أو عشرة أيام، هذا إذا وصلت أصلا.

وأغضبني أن عدم كفاءة النظام المصري تجعلني في وضع أضعف من نظرائي.

وقفة سريعة : لا أتصور أن هذا التعليق، وهناك غيره، كان ضروريا في صلب هذا الكتاب، لأنه لا يضيف شيئا يرتبط بالقضية التي يطرحها، وهو إساءة مجانية للجهاز الديبلوماسي المصري الذي قد تكون به بعض العيوب له عيوبه ولكن المؤكد أنه يمثل كفاءات هائلة.

وفي هذا وذاك، ليس من العفة أن يٌشهّر بمؤسسة سيادية في كتاب يقرؤه الكافة.

غادرت بلغراد في المساء مدركا أنني أتحدث في واد بينما يتحدث اليوغوسلاف في واد آخر (..) ولم يُعلق السادات بشيء، كان يبدو بعيدا وغير مهتم، وشعرت بأن رحلتي إلى يوغوسلافيا فشلت من ناحيتين، فشلت في إقناع تيتو، وفشلت في إقناع السادات بأهمية موقف تيتو. (…)

عندما أدت المعارضة لمبادرة السادات إلى زيادة عزلة مصر في العالم شرعتُ في سلسلة طويلة من الأسفار إلى جنوب آسيا وإفريقيا (..) في نيودلهي قادوني إلى القصر السابق لنظام حيدر أباد.

 ذكرني هذا المبنى بقصر عمّي واصف (؟؟)

في كولومبو قابلت وزير الخارجية الذي قارن بين موقفي كمسيحي في دولة مسلمة وموقفه كمسلم في دولة بوذية (..) في سفارة مصر أصر سفيرنا مصطفى راتب وهو رجل متشدد ذو شخصية صعبة، على أن أستشير مُنَجّماً (..) وعندما غادرت جنوب آسيا على متن طائرة ” سويس إير ” شعرت كأنّي وصلت فعلا إلى سويسرا (..) وأدركت أنني بينما أنتمي بقوة إلى العالم الشرقي والعربي فإن ارتباطي بالثقافة الأوربية لا انفصام له (؟؟).

وفي 24 إبريل استقبلت في مكتبي غوشو نكومو قائد جبهة التحرير الوطني في زمبابوي ( كان اسمها روديسيا ) وكان وزن نكومو يبلغ نحو 270 رطلا ( أي 135 كيلوغراما، ويلاحظ استعمال الرطل في النص الأصلي) وقد انهار الكرسي الذي جلس عليه تحت وطأة وزنه (..) وكان من شأن البيروقراطية المصرية أن استغرق إصلاح الكرسي ستة أشهر( !!!)

وفي اليوم التالي بدأت رحلتي إلى العواصم الإفريقية (..) كنت منذ أمد طويل أناصر قيام اتحاد فيديرالي بين مصر والسودان (..) ولكن بعد سقوط رئيس السودان نميري في 1989 انقطعت شعرة معاوية، إذ قام نظام أصولي في الخرطوم، وهذا النظام يمثل خطرا حقيقيا على استقرار كثير من الدول العربية والإفريقية (..) وبعد طيران ساعتين وصلت إلى نيامي عاصمة النيجر (..) وفي يوم الاثنين افتتح الرئيس كونتشي الدورة الجديدة للمؤتمر الوزاري (..) عند خروجي من مبنى المؤتمر كان بصحبتي (؟؟) علي التريكي وزير خارجية ليبيا. قال لي (..) إن حكومة ليبيا مستعدة للتعاون مع مصر إذا تخلت عمّا تفعله من التفاوض المباشر مع إسرائيل (..) قلت إن مصر ليست في حاجة إلى نصيحة من ليبيا، فمكانة مصر في العالم قاطبة وفي العالم العربي لا تحتاج إلى توضيح لمن يريدون أن يفهموا، وأعطيت ظهري للتريكي وتركته واقفا.

قابلت بعد ذلك وزير خارجية المغرب (..) كان كل اهتمامه موجها إلى مسألة الصحراء الغربية، وهي مستعمرة إسبانية بها عدد قليل من السكان يسعون إلى الانضمام إلى المغرب، بينما تسعى مجموعة أخرى من السكان تعيش في المنفى في الجزائر (؟؟) إلى الاستقلال (…) وبمجرد عودتي أعددت تقريرا تفصيليا قدمته إلى الرئيس السادات. قلت إن زعماء إفريقيا يُقدرون مبادرته، ولكنهم يريدون إبقاء النزاع العربي بشأن مبادرة السلام بعيدا عن قمة الخرطوم المقبلة.(..)

وفي اليوم التالي عُقدت الجولة السادسة لاجتماعات اللجنة الوزارية المعنية بالوحدة بين مصر والسودان (..) وكان الوفد السوداني برئاسة رشيد الطاهر نائب الرئيس (..) وقام الوفد السوداني بتوزيع مجموعة مختارة من الهدايا على أعضاء الوفد المصري، مثل القمصان الفاخرة والمصنوعات الجلدية، وكانت الألوان رديئة الذوق (؟؟) بحيث أعطيت نصيبي من الهدايا لمن معي من الحراس، وبسبب هذه العادة في إعطاء الهدايا كان الحراس دائما أكثر مني حرصا على حضور تلك الاجتماعات ( 107 )

وقفة سريعة: هذه إساءة مجانية للسودان بل ولرجال الأمن المصريين الذين يقدَّمون وكأنهم متسولون، في حين عرفتُ في كثير منهم كفاءات متميزة.

………

كان مؤتمر الخرطوم محاولة من جانب نميري لاكتساب مكانة دولية (..)

وصل الرئيس السادات في الساعة الحادية عشرة، وكان معه على نفس الطائرة حسن كامل واللواء حسن التهامي وفوزي عبد الحافظ والدكتور محمد عطية، طبيب السادات وطبيبي أيضا، و”حاشية” كبيرة غير محددة، وفريق كبير للأمن.  همس في أذني فوزي عبد الحافظ المساعد الشخصي للرئيس بأنه يريد أن يبلغني برسالة مهمة : ” يجب ألاّ تنسى أن تأخذ معك التبغ الذي يحتاجه الرئيس لغليونه عندما تنتهي الجلسة ويغادر قاعة الاجتماع.

استمعت إليه بأدب وأدركت أن كيس التبغ والغليون لهما لدى هذا الشخص أهمية تتجاوز بكثير قرارات المؤتمر.

كنت أراقب باهتمام تعبيرات وجه الرئيس .

كان يبدو غير مهتم بالجلسة، كما لو كان غارقا في التفكير في مسائل أخرى.

عندما انتهت الكلمات وغادر الرؤساء القاعة كدت أنسى كيس التبغ والغليون، لكني تذكرت في آخر لحظة المهمة التي أوكلت إليّ، ولكن سكرتير الرئيس انتزع مني بسرعة كيس التبغ والغليون كأنه يتصور أني لست جديرا بهذه المهمة، ولعله خشي أن أنافسه إذا قمت بالمهمة بمهارة.(115)

(..) عندما انتهى فالدهايم من كلمته وقف السادات وقال إنه سيغادر الجلسة، وطلب مني أن أبقى وأمثله في غيابه، وأثناء انسحابه (؟؟) من القاعة كان زملائي، بقية أعضاء الوفد  الرئاسي، يركضون وراءه، حاولت أن أقنعهم بالبقاء دون جدوى وأوضحت لهم أن المقاعد الخالية للوفد المصري ستكون صورة سيئة، ولكنهم رفضوا البقاء قائلين : “إنك كفيل بأداء المهمة يا بطرس “

وهكذا وجدت نفسي وحيدا في الجزء المخصص لمصر. وعندما انتبه الدبلوماسيون الذين يُشكلون الوفد المصاحب لي للموقف المحرج سارعوا إلى قاعة الاجتماع وانضموا إليّ.

(..) عندما انتهت كلمة سيكوتوري تقدم الرئيس (السادات) إلى المنصة فدافع عن مبادرته ببلاغة وقوبل بتصفيق من وفود المؤتمر (؟؟) ولم يكد الرئيس يرجع إلى مقعده حتى قرر مغادرة الجلسة.

ومرة أخرى سارعت حاشيته، التي كانت قد عادت إلى الظهور فجأة في وقت إلقاء كلمته، إلى مغادرة القاعة، ومرة أخرى وجدت نفسي وحيدا في المقاعد المخصصة للوفد المصري ومستاء من موقف الحرص على ” مرافقة السيد ” الذي يتخذونه. (117).(..) وكانت الدولُ الراديكالية بقيادة بنين ومدغشقر والجزائر تـُسيطر على مجرى المناقشات (..) ثم استقبل السادات الرئيس سيني كونتشي رئيس النيجر الذي بدأ الاجتماع بالإشادة بي قائلا :”  إن وزير الخارجية المصري أشبه بكبار الكهنة إنه واحد من حكماء لإفريقيا ! ” وشعرت بعدم الارتياح.

واكتفي السادات بالابتسام وهز رأسه (..) بعد مقابلة جوليوس نيريري رئيس تانزانيا اتجه السادات نحوي وقال:”إن هذا الرجل شبيه بكبار الكهنة، وهو بلا شك واحد من حكماء إفريقيا !!”(119) (يلاحظ أنه نفس التعبير الذي استعمله كونتشي فسرقه الرئيس ونسبه لنفسه) (..) وبينما كان نميري والسادات يتبادلان الفكاهات وأجلس بجوارهما صامتا، دخل أحد المساعدين ليقول إن سفير المغرب، أحمد العراقي، يطلب مقابلة عاجلة مع الرئيسين (..) وخرج نميري مع سفير المغرب، وعند ذلك انتقد السادات سفير المغرب لعدم سيطرته على نفسه، وقال : ” إن السفراء الذين يمثلون الملوك مدللون وفاسدون وليسوا قادرين على العمل الجاد في المؤتمرات الدولية “. (120)

(..) كان هناك مرشح واحد لمنصب الأمين العام (..) وأجري التصويت ولكن كوجو لم يحصل على الأغلبية اللازمة (..) وعند ذلك رأيت أن الدول الراديكالية أرادت أن تبين أنها تسيطر على المنظمة، وأنها، إذا أرادت، تستطيع أن تمنع الأخذ بأي سياسة لا تتفق معها (..) لقد كان هذا الاستقطاب هو أقوى انطباعاتي عن الخرطوم، إذ كان في قدرة مجموعة راديكالية متماسكة تتحرك بسرعة أن تسيطر على ثلث أعضاء المنظمة، وهم يُشاركون في كل الاجتماعات، ويسهمون في مناقشة كل مسألة، ويتدخلون باستمرار، ويظلون جالسين في مقاعدهم حتى الفجر دون أن يبدو عليهم الملل والتعب، وفي نفس الوقت فإن ” الأغلبية الصامتة ” من المعتدلين كانت تفتقر إلى الوحدة والالتزام، وتفضل الدردشة أثناء احتساء كوب من البيرة. كانوا نادرا ما يتكلمون في الجلسات، وعندما يتكلمون تكون حججهم ضعيفة واقتراحاتهم غير موحدة وبياناتهم غير مقنعة.

وقفة سريعة : أمانة الجامعي كان تفرض عليه أن يتساءل عن السبب، والذي يتلخص في أن الوفود التي أسماها راديكالية كانت تؤمن بما تفعله وتناضل من أجله.

وفي يوم الأربعاء 26 يوليو 1978 أخذتُ الطائرة إلى بلغراد حيث كان يعقد المؤتمر الوزاري لدول عدم الانحياز (..) وفي يوم السبت 29 يوليو اقتحم أحد الشبان من أعضاء الوفد المصري منفعلا اجتماعا كنت أحضره ليبلغني أن ممثل كوبا بدأ يهاجم مصر، فاستأذنت وتوجهت على الفور إلى الجلسة.

أعطاني رئيس المؤتمر الكلمة تطبيقا لمبدأ حق الرد (..) وبدا أن كلماتي أوقفت الهجوم الكوبي (..) وقد علمت فيما بعد أنها لم تكن كلمتي التي أنقذت الموقف بل الذي أنقذه قرار اتخذه العراق وسوريا وغيرهما من الحكومات العربية بأن الوقت لم يحن بعد لإدانة مصر،  وكان توقف المفاوضات المصرية الإسرائيلية قد أعطى هذه الدول أملا في أن السادات قد يتخلى عن مبادرته ويعود إلى الأحضان العربية.

عُدت إلى القاهرة وأبلغت السادات أن الدبلوماسية المصرية تمكنت من احتواء الرافضين. والواقع أن المعركة كانت قد تأجلت فحسب (؟؟).

وقفة سريعة : لست أدري هل هذا اعتراف متأخر أم أنه أبلغ السادات فعلا بحقيقة الوضع، حيث أن هناك نقطة في أصل المذكرات قبل الاعتراف بأن المعركة تأجلت، والفرق بين الحالتين أكثر من واضح، خصوصا فيما يتعلق بالنزاهة التاريخية.

  يتبع

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. بعض المصادر الإعلامية المقربة من الرئيس السادات كانت تقول أنه يعاني من ” إضطرابات ” ” سيكو- سياسية ” من غرور و حب الظهور ، و يبدو أن كلام بطرس غالي في مذكراته هذه يكشف جانب منها ، معاملاته و تصرفاته في المؤتمرات مع الزعماء الأفارقة و العرب و كذا الوفد المرافق له تبين ذلك بوضوح ، و ربما كان ينظر لبطرس على أنه مجرد ” فراش ” تابع للرئاسة مكلف بالتبغ و أدواته ، أما قصة مغادراته لقاعات المؤتمرات فالأكيد أنه ذهب لخطف الأضواء و الصور و إجراء اللقاءات مع الكاميرات العالمية التي كانت تحظر لتسخينه و إغراءه أو تحفيزه للذهاب إلى كامب ديفيد و هو في ثوب البطل الهوليودي .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here