دكتور محيي الدين عميمور: الوطن العربي: قراءة جديدة في كتب قديمة7: “حال الفلسطينيين أسوأ بعد معاهدة السلام”

 amimourok1.jpg661.jpgok

أقدم اليوم الحلقة قبل الأخيرة من قراءتي الطويلة لكتاب الدكتور بطرس بطرس غالي: طريق مصر إلى القدس، وأرجو أن يعود القارئ إلى مقدمة الجزء الأول في موقع الآراء ليتعرف على أسلوبي في هذه القراءة، ولعلي أرجو أن يعيد القارئ الاطلاع على الحلقات الثماني كلها، لضمان النظرة المتكاملة..

يقول بطرس غالي (..) في الصباح كانت المناقشة تدور حول نص البلاغ المشترك، واتفقنا على أن أفضل طريقة لإخفاء فشل الجولة هو إعلان مواعيد الاجتماعات التالية (..) وكان كل ذلك من أجل إخفاء عدم تحقيق أي تقدم، وطمأنة الرأي العام على توافر الإرادة والزخم لدى الجانبين من أجل مواصلة المفاوضات (..) وكنت مقتنعا بأن الإسرائيليين لا يسعون أبدا من أجل إيجاد حلّ للمسألة الفلسطينية، فقد كانوا يستخدمون المفاوضات لكسب الوقت بينما يحققون السيطرة الكاملة على الضفة الغربية وغزة من خلال سلسلة المستوطنات التي يقومون ببنائها (؟؟)

في المناظرة المصرية الإسرائيلية في ستراسبورغ (..) مضى ديان قائلا إن “اتفاقات كامب دافيد لا تتضمن إمكانية قيام دولة فلسطينية” (..) وقلت :”السيد دايان على حق (..) غير أنه لم يذكر أي شيء يحظر إقامة دولة فلسطينية. (301)

وقفة سريعة: واضح أن الدكتور يلعب بالألفاظ، بأسلوب: ما ليس محرما فهو مباح.

………….

(..) تلقيت مكالمة هاتفية من إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام، الذي أبلغني أن السادات غاضب جدا من التصريح للذي أدليت به لإذاعة مونتي كارلو والذي استنكرت فيه موقف الإسرائيليين من الفلسطينيين (..) وطلب الصحفيون الإسرائيليون عقد اجتماع عاجل معي، وأبلغوني أن السيد بيغين طلب من السادات أن يتخلص من الوزير بطرس غالي (..) وفي المطار لم يوجّه الرئيس لي التحية، والتفت بعيدا وكأنه لا يراني، وقد لاحظ ذلك زملائي ومرافقو السادات.

وفي قاعة المطار جلست بمفردي يحوطني الصمت، حتى العاملين في خدمة المسافرين بدوْا كما لو كانوا يقاطعونني، ولم يقدموا لي القهوة.

وقفة سريعة: هل هناك مهزلة أكبر من هذه ؟

………….

(..) واقتربت من الرئيس وقلت بهدوء ” لقد أحاط بيغين الصحافة علما بأنك قدمت تنازلات جديدة من أجل الإسراع بعملية التطبيع بين مصر وإسرائيل، وأن الخطوط الجوية سوف تبدأ رحلاتها بين البلدين… غير أننا لم نحقق أي تقدم فيما يتعلق بالمشكلة الفلسطينية. وقاطعني السادات بصوت غاضب وعالٍ: “لقد تعيّن عليّ أن أقدم هذه التنازلات لكي أحدّ من الأضرار الناجمة عن تصريحاتك الأخيرة للصحافة الدولية، لقد جاء بيغين لمقابلتي صباحا ولم يكن قد نام طول الليل، وهو متكدر للغاية وشاحب الوجه جدا، وهو يشعر بالإساءة نتيجة لتصريحاتك الغبية.

وقد اضطررت إلى تهدئته وتقديم تنازلات للتعجيل بعملية التطبيع (؟؟)

وقفة سريعة:لعل هذه من أوضح الصور لمن يُطلق عليه: بطل الحرب والسلام، ومن فم أقرب معاونيه.

…………..

(..) وبحلول شهر أكتوبر نجحت الولايات المتحدة في إعادة مباحثات الحكم الذاتي، ولكنها كانت عاراً، فقد كانت ستارا لعدوان إسرائيلي (..) وفي نوفمبر انتخب ريغان (..) وشعر السادات بخيبة أمل، حيث كان يأمل في إعادة انتخاب صديقه جيمي كارتر.

وكنت قبل بضعة أسابيع قد اتصلت بالسادات وقلت له أنه من المحتمل ألاّ يُعاد انتخاب كارتر، فغضب وقال: “يا بطرس، إنك تنصت دائما للشائعات، وتعتقد أنها حقيقة”.

والآن (..) اتصل بي السادات (..) وقال: “تعرف يا بطرس، كنت أعلم أنه لن يُعاد انتخابه” وبطبيعة الحال لم أذكره بتحذيراتي السابقة.

وفي اليوم التالي لانتخاب ريغان ذهبت (..) لاستقبال وفد حزب العمل الإسرائيلي (..) لقد شعرت بأن هؤلاء الإسرائيليين ليس لديهم فهم للموقف الذي تجد مصر نفسها فيه (..) وقلت إن الثمن الذي دفعته مصر مقابل معاهدة السلام ليس هو عزلة مصر عن العالم الثالث بقدر ما هو عجزها عن القيام بالدور الذي كانت تقوم به أثناء السنوات العشر الأخيرة (..) ولأننا لم نحصل على شيء، فالحقيقة أن حالة الفلسطينيين أصبحت أسوأ بعد معاهدة السلام مما كانت عليه قبلها.

(..) وأبلغ بيغين الصحفيين أنني تعرضت للتوبيخ من جانب السادات (..) ولاحظت الصحيفة أن تصريحاتي لا تدخل السرور على قلب من يسمعونها من الإسرائيليين، فهم لا يستطيعون استيعاب حقيقة أن العالم العربي مهم جدا بالنسبة لمستقبل مصر بدرجة تفوق أهمية إسرائيل، وأنه لأسباب إيديولوجية وعملية لا يمكن لمصر أن تترك الفلسطينيين دون اهتمام بهم.

وكان واضحا أن السادات لم ينس تصريحاتي التي أثارت غضب بيغين، وقد رأى ليا ( زوجي ) وقال لها ” قولي لبطرس اقفل بقك وتوقف عن الإدلاء بتصريحات”.

سافرت يوم الأربعاء إلى تل أبيب لبدء الدورة الثامنة من المفاوضات المتعلقة بالحكم الذاتي الفلسطيني (..) وباستثناء الاتفاق على إتباع جدول زمني مُكثف، والتعبير عن التقدم الذي تم حتى الآن، لم يتضمن البلاغ أي شيء على الإطلاق.

وفي كل يوم كان الإسرائيليون يواجهوننا بتطور جديد، فهم يدمرون المنازل الفلسطينية، ويُصادرون المزيد من الأراضي الفلسطينية، ويزجون في السجون بالزعماء الفلسطينيين أو يطردونهم (..) وبالرغم من عوامل الإحباط هذه لم يكن لدينا خيار سوى مواصلة المحاولة (..) ولو فشلنا فسيعني ذلك نشوب أزمة بين مصر وإسرائيل تؤدي إلى وقف الانسحاب الإسرائيلي من سيناء يكون ذلك انتصارا للرافضين.(؟؟) (..) وفي ختام الجلسة العامة كنّا جميعا منهوكي القوى وفي حالة اكتئاب، وقد تـُلي البيان الختامي، وبالرغم من لهجته المتفائلة، فإن شيئا لم يتحقق.

وكان يوم 15 مايو هو المرة الرابعة خلال ثلاث سنوات التي قام فيها السادات بتغيير الحكومة (..) وكان السادات في حالة نفسية سيئة جدا، إذ أنه انتقد جميع الوزراء الذين أدوا اليمين لتوهم.

اشتدت هواجس السادات تجاه الشيوعية (..) وكان ما يعقد حياتي حينذاك هو أن عداءه للشيوعية قد امتد أيضا ليشمل منجستو هايلي ماريام (..) وكانت مصر توفر الدعم العسكري والمالي للصومال، عدو إثيوبيا.

وقفة سريعة: – تناقضا مع احترام مبدأ الحدود الموروثة عند الاستقلال والذي أقرته منظمة الوحدة الإفريقية كان السادات في طليعة محرضي زياد بري على غزو أوغادين ومن ورائه بعض دول النفط العربي التي شجعت نفس القضية في المغرب العربي تنفيذا للإرادة الأمريكية.

وكان السادات يبيع ما يريد أن يتخلص منه من أسلحة سوفيتية ويقبض ثمنها من دول خليجية، تماما كما فعل بعد ذلك مع صدام حسين، الذي يروي هيكل أن ثمن ما كان يتلقاه من أسلحة مصرية كان مغاليا فيه.

………..

 (..) وكنت أرى أن مصلحة مصر تتطلب منا أن نقيم علاقات مع إثيوبيا، حيث تنبع أصلا 85 في المائة من مياه النيل (..) وفي مساء يوم ما، وبعد حديث هاتفي طويل، وافق السادات على الكتابة إلى منجستو (..) وقد وافق السادات على طلبي باصطحاب أنيس منصور معي (..) وكان السادات، من أجل إقناع الإسرائيليين بإعادة الضفة الغربية وغزة، قد عرض عليهم تزويدهم بمياه النيل من أجل مشاريع الري الخاصة بهم، وقد أثار ذلك ضجة في مصر، فضلا عن الدول المطلة على النيل، التي استشاطت غضبا لأن السادات عرض مياه النيل دون موافقتها (329)

وأخيرا أصبحنا فوق أديس أبابا (..) ومما بعث هلعنا أن المطار رفض التصريح لنا بالهبوط (..) وأصدرت تعليماتي إلى قائد الطائرة: “أبلغوا المطار بأن الوقود بدأ ينفذ وأننا سنهبط هبوطا اضطراريا” (..) وكان السفير يبدو قلقا، أو حتى خجلا، وهمس إليّ بالعربية: “إنه أمر غير مفهوم، إن منجستو يرفض مقابلتك”.

وعند عودتي إلى القاهرة علمت (..) أنه، عشية سفري إلى إثيوبيا، أصدر السادات بيانا صحفيا انتقد فيه منجستو ونظامه الفاسد، بل وهدد بالتدخل العسكري إذا ما تجرأ على المساس بمياه النيل (..) غير أن إهانة منجستو لمبعوث السادات لم يرد ذكرها لا في الصحف المصرية ولا الإثيوبية (؟؟)

وقفة سريعة: لم أجد في أرشيفي معلومات مفصلة عن هذه القضية ولكن تصوري، مما أعرفه عن مؤامرات تلك المرحلة، أن مسؤولا معينا أراد الحيلولة دون تقارب مصري إثيوبي قد يؤثر على الدعم المصري لنظام زياد بري في الصومال، الذي كان يتحطم تدريجيا بحرب الأوغادين ويمتص طاقة إثيوبيا في الوقت نفسه.

وبالتالي فإن بلاغ السادات كان نتيجة لنصائح ذلك المسؤول، الذي قيل يومها أنه لم يكن مصريا.

ولعلي أذكر هنا بالهجمات الإعلامية العنترية ضد إثيوبيا في موضوع سد النهضة بعد ثورة يناير العظيمة، والتي وصلت إلى حد أن بعض الحمقى من الصحفيين طالبوا بإرسال طائرات مصرية لقنبلة السدّ، ولم يقل لهم أحد أن مجرد مغادرة طائرة واحدة للمجال الجوي المصري هو حكم بتدمير الطائرة، بالإضافة إلى التبعات الدولية.

يتبع

كاتب ووزير جزائري سابق

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. تعليقا على حكاية أم كلثوم ، وبعيدا عن السياسة ……سألني البعض : هل الرئيس بو مدين يكره وردة الجزائرية، وقلت لمن سألني بأن بو مدين كان وراء تشجيع وردة على العودة للغناء بعد انقطاع طويل، وهو ما كنت ذكرته في كتابي “التجربة والجذور (1992) وأعطى تعليمات لتلبية طلباتها استعدادا للعيد العاشر للاستقلال (وكان معي يومها راوراوا وبن علي بن يوسف وكان هناك أيضا لمين بشيشي ) وكان هدف بو مدين أن تكون وردة ندا لأم كلثوم في مصر وفيروز في لبنان وإديث بياف في فرنسا، أي أن تكون الفنانة التي تمثل الجزائر عبر أغانيها بالعربية الفصحي وأحيانا باللهجة الجزائرية المبسطة أو الأغاني المشرقية المنسجمة مع الذوق الجزائري، وتكون صوتا للشعراء العرب كافة، لكن بليغ حمدي “استولى عليها” ومصّرها بحيث توقفت تماما عن غناء الأناشيد الوطنية الجزائرية، وضاعت في بحر الفن المصري متوجهة أساسا للمشرق ومنقطعة تماما عن الجزائر، بحيث لم يعد يربطها فنيا معها إلا الاسم، وراحت تغني أغنيات “يطبخها” لها بليغ تعبيرا عن مشاعره، الذي كان يشعر بعقد نقص نتيجة لقصره، رغم أنه كان طويل القامة فنيا.
    وتروي “رأي اليوم (لندن) الجمعة 4 أبريل 2014 عن ملحق العدد الأسبوعي للأهرام ، أن المطربة الراحلة وردة كشفت في أحد حواراتها للأهرام عن أن كوكب الشرق أم كلثوم عاتبت الموسيقار العبقري الراحل بليغ حمدي عتابا شديد اللهجة بعد اكتشافها أنه وظّف صوتها في أغنيتي ( بعيد عنك) و ( أنساك) لإيصال رسائل حب لوردة ، جاعلا من أم كلثوم ” مرسال غرام ” وهو الأمر الذي أغضبها جدا .
    وهذا ليس ظلما للفنانة الكبيرة، التي يرى كثيرون لم تتذكر الجزائر إلا أى في 1984 بأغنيةعيد الكرامة التي ألفها مصري ولحنها مصري وأدتها فرقة مصرية، ثم قبل وفاتها العام الماضي عندما مرضت وهجرتها الساحة المصرية كما يقال، وذلك في أغنية رآها كثيرون أقل من شموخ الجزائر، وهي “واقفين”، بحيث استكمل البعض الكلمة قائلا ….في انتظار حافلة لا تجيئ.
    وما أحسست به طوال عملي مع الرئيس هو أن الرئيس بو مدين كان مصدوما من موقف الفنانة بحيث أنني لم أسمع منه خيرا أو شرا ولا مدحا أو ذما منذ 1972 وحتى وفاته، وعندما لا يعلق الرئيس نفهم خلفية صمته.

  2. من بعض تعليقات الدكتور محيي الدين عميمور إكتشفنا أنه من محبي كوكبة الشرق أم كلثوم لذلك فإننا نختار المقطع الذي تقول فيه : “” أعطني حريتي أطلق يدايا .. إنني أعطيت ما استبقيت شيئا “” الباشا السادات و الكومبارس المرافق له طبقوا هذا القول حرفيا .. و رغم ذلك ، الأمة الفلسطينية و العربية و الإسلامية لا زالت مقيدة اليدين .. و الرجلين !!

  3. لم تكن مفاوضات سلام سياسية بل مفاوضات رجال أعمال تجارية مقايضاتية إتفق بموجبها الطرفان على تبادل السلع بينهما لما يخدم مصلحتيهما حيث وافق الوفد المصري على بيع القطن للجانب الإسرائيلي مدى الحياة و من جانب آخر وافق الجانب المستفيد على بيع الشوك للجانب المصري مدى الحياة على أن يلتزم هذا الأخير بتصديره إلى أشقاءه العرب و على رأسهم الفلسطينيين .. مدى الحياة ، دائما وفقا للبند الذي وقعوه في كوخ المزرعة .

  4. لم تكن مفاوضات سلام سياسية بل مفاوضات رجال أعمال تجارية مقايضاتية إتفق بموجبها الطرفان على تبادل السلع بينهما لما يخدم مصلحتيهما حيث وافق الوفد المصري على بيع القطن للجانب الإسرائيلي مدى الحياة و من جانب آخر وافق الجانب المستفيد على بيع الشوك للجانب المصري مدى الحياة على أن يلتزم هذا الأخير بتصديره إلى أشقاءه العرب و على رأسهم الفلسطينيين .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here