دكتور محيي الدين عميمور: الوطن العربي: قراءة جديدة في كتب قديمة – 5 /7

amimourok1.jpg661

 

دكتور محيي الدين عميمور

أواصل قراءتي في كتاب الدكتور بطرس بطرس غالي : طريق مصر إلى القدس، والذي حولت الجريدة حلقاته إلى الباب الثقافي، وأرجو أن يعود القارئ إلى مقدمة الجزء الأول في باب الآراء ليتعرف على أسلوبي في هذه القراءة..

………..

يقول بطرس غالي: حان وقت الرحيل (..) وتأكد نبأ استقالة محمد كامل، وصعدنا إلى الدور الثالث حيث كان السادات يرتدي البيجاما يحيط به الصحفيون المصريون (..) قال : ” إنني أعتبر محمد كامل أخا صغيرا لي (..) إنني أعذره لأن أعصابه لم تتحمل الضغوط العنيفة التي واجهناها، كما أن بعض الأولاد (؟؟) في وزارة الخارجية سمموا الجو (..) واحد منهم جاءني بعد ظهر ذلك اليوم ليُسدي إليّ النصح “.

وتساءل السادات “هل معقول أن يتدخل موظف في وزارة الخارجية في أمور السياسة الدولية؟ “.

(..) وصلنا إلى القاهرة عند الظهر حيث تجمع الآلاف المؤلفة من المستقبلين في المطار لتحية السادات بالهتافات والشعارات (..) والمؤكد أنه استقبال مُدبّر (..) وفي 31 أكتوبر علمت بانتخاب الجمعية العامة للأمم المتحدة الدكتور عبد الهؤ العريان قاضيا في محكمة العدل الدولية.

وأقبل أعضاء الوفد المصري ( في نيويورك) يهنئون عبد الله بحرارة، وشعرت بأن حماسهم قد لا يكون بعيد الصلة عن حقيقة مغادرة عبد الله إلى لاهاي مما يؤدي إلى خلوّ منصب السفير في برن، الذي يطمعون فيه كثيرا (؟؟)

ووصلت إلى القاهرة في التالي ولدى وصولي علمت أن الرئيس السادات كان قد رفض استقبال وفد من وزراء خارجية الدول العربية أرسله مؤتمر القمة العربي في بغداد إلى القاهرة.

(..) كانت زيارة الشاه (لمصر) تحذيرا بأن الأصولية أصبحت خطرا يتهدد العالمين العربي والإسلامي، وسألت موسى صبري :- ” هل هناك خطر امتداد الثورة الإيرانية إلى مصر ؟” وأجاب صبري، وهو أحد الصحفيين القلائل الذين جرءوا على انتقاد الإخوان المسلمين في جريدته اليومية واسعة الانتشار، قائلا: ” إن الثورة الإيرانية مرض لا يمكن انتشاره في مصر، ذلك أن مصر بلد سُني بينما إيران شيعية “.

وقفة سريعة : يتضح هنا بعض خلفيات الموقف المتشدد ضد الثورة الإيرانية في بداياتها، وأتصور أن الاستعانة هنا برأي موسى صبري بالذات (وهو مسيحي) كان خطأ.

وأذكر هنا بما سبق أن كتبته عن نادي السفاري.

…………..

(..) كنت أتمنى أن تدرك القيادة المصرية ضرورة أن أصبح وزيرا للخارجية (..) فلم يتردد خديوي مصر عباس حلمي الثاني في تعيين جدي بطرس غالي وزيرا للخارجية ثم رئيسا للوزراء (؟؟) قبل قرن من الزمان تقريبا (..) ولم يتردد سعد زغلول، بموافقة الملك فؤاد، في تعيين عمي واصف بطرس غالي وزيرا للخارجية، أما اليوم وفي الربع الأخير من القرن العشرين، يتردد السادات في تعيين شخص غير مسلم وزيرا لخارجية مصر.(194)

(..) أثناء الرحلة إلى واشنطن عكفنا، مصطفى خليل وأنا، على تحليل المفاوضات.

ولم أكن متفائلا، وقلت إن الفشل أكثر احتمالا من النجاح (..) فالسادات وحده هو القادر على اتخاذ القرارات المهمة، والفرق أن السادات قد يتنازل أما بيغين فلا يتنازل.

وفي يوم 6 مارس، وعلى متن الطائرة التي تحملني إلى القاهرة، وجدت نفسي جالسا إلى جوار محمود رياض الأمين العام للجامعة العربية، الذي تحدث معي بلا انقطاع عن النزاع بين مصر والعرب، وراح يكرر المرة بعد الأخرى بأنه أمر ضار للجامعة العربية وللتضامن العربي.

 وحاولت متابعة حديثه ولكن رغبتي في النوم كانت قوية للغاية (؟؟).

ويقوم كارتر بزيارة مصر (..) وتوجهنا إلى الإسكندرية بقطار خاص كان يستخدمه الملك فؤاد (؟؟) وبدا أن المحادثات في الإسكندرية لن تصل إلى شيء، ولكن الرأي السائد وسط الوفد المصري أن السادات على استعداد للتنازل من أجل معاهدة السلام (..) وانتابني القلق وقلت للسفير إيلتس: ” هل تضغطون على الرئيس للتوصل إلى معاهدة سلام على حساب التزامات مصر العربية ؟ إن ثمن الاستجابة لضغوطكم ستدفعه مصر والرئيس السادات.(..)

وأخيرا وفي 14 مارس كان نص المعاهدة جاهزا (..) وطبقا لأحكام المعاهدة الثانية المتعلقة بالضفة الغربية وغزة، فإن الأردن والفلسطينيين سيشاركان في المفاوضات، وفي حالة عدم اشتراكهما فإن مصر ستتفاوض نيابة عنهما (؟؟)

وصباح الأحد تابعت القنوات التليفزيونية الأمريكية الثلاث حيث ظهر كل من بيغين وديان وكيسينغر يتحدثون واحدا بعد الآخر عن المعاهدة، ولم يُسمعْ للمصريين أو للعرب صوتا (..) وبدت المعاهدة بمثابة انتصار للدبلوماسية المصرية، ولكنني شعرت بأنها ستضر بنا، فمما لا شك فيه أن هذا النص أمكن تحقيقه بتهميش الفلسطينيين وإضعاف تأثير مصر على مستقبل الضفة الغربية وعزة، فمصر ستحصل على السلام ولكن الفلسطينيين لن يحصلوا على حقوقهم (..) وبدا من الصياغة أن مصر وحدها قد تخرق المعاهدة، وأن الولايات المتحدة في هذه الحالة ستقدم معونة “عاجلة” لإسرائيل (..) وبعد مغادرة فانس بعث الدكتور مصطفى خليل مذكرة إلى فانس يقول فيها إن مصر في غاية الإحباط لاكتشافها أن الولايات المتحدة دخلت في اتفاقية مع إسرائيل، الأمر الذي نعتبره موجها ضد مصر (..)

وعندما قام الدكتور مصطفى خليل بإبلاغ الرئيس السادات بالالتزام الأمريكي لإسرائيل، لم يُبدِ السادات، كما توقعت، أيّ اهتمام. فبالنسبة للسادات فإن شيئا لم يكن ليستطيع أن يُنقص من سحر الاحتفال الذي سيجري في الساعات القادمة (..)

بعد سنوات طويلة أبلغني هيرمان ايلتس بأن كيسينغر سأله في ذلك اليوم: لماذا وقع السادات هذه المعاهدة ؟، ” لقد كان في وسعي أن أحصل له على ما هو أكثر كثيرا ” (..)

وبعد ظهر ذلك اليوم، وأثناء جلسة عمل مع الأمريكيين، نشب خلاف رهيب بين مصطفى خليل وسايروس فانس. كان خليل قد قرر نشر الخطابين المصريين اللذين يعترضان على الاتفاق الإسرائيلي الأمريكي، وللمرة الأولى في حضوري يفقد فانس أعصابه. فقد اسودّ وجهه وقال : “هذان الخطابان وثائق سرية وليسا للنشر !” (..)

في يوم أول أبريل 1979 أبلغتني الرئاسة بأنني سوف أرأس بعثة الشرف المرافقة أثناء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي للأهرامات وأبي الهول (..) ولاحظ الجميع غياب مصطفى خليل الذي قال أنه مريض (..) وكان واضحا على وجه حسني مبارك والسيدة قرينته أنهما أيضا متضايقان لتكليفهما باستقبال هذا الضيف.

ولم أكن وحدي الذي يشعر بأن إسرائيل هي الرابحة ومصر هي الخاسرة في هذه المعاهدة.(..) وبنهاية مراسم الاستقبال عدت إلى مكتبي وهناك وجدت في انتظاري برقية من صديق وزميل لسنوات طويلة، وهو جورج طعمة مندوب سوريا السابق لدى الأمم المتحدة، يقول فيها: ” إن رئاستك لبعثة الشرف المرافقة لمجرم الحرب بيغين هي صفعة على وجه كل عربي (..) وأفاض نص البرقية في وصف دور بيغين كإرهابي (..) وجاء في البرقية (..) وبدلا من أن تكون ضمن المطالبين بمحاكمة بيغين كمجرم حرب فإنك اليوم تستقبله كرئيس للوزراء (..) فلا الشعب العربي النبيل ولا الإنسانية تغفر لك صنيعك ولا لتبريرات رئيسك السادات (…)

ولو أنني تسلمت هذه البرقية قبل ذلك، لكنت طلبت دون تردد وبفخر أن أرأس وفد الشرف المرافق لمناحم بيغين.

وقفة سريعة: حساسية القيادات المصرية تجاه أي نقد يوجه للمواقف السياسية المصرية ولو سرّاً توضح واحدا من أهم أسباب النفور العربي مما تراه عنجهية مصرية.

…………….

وفيما أنا أستقل سيارتي عائدا إلى بيتي رحت أفكر بأن مصر قد ضحت بما فيه الكفاية، من حياة أبنائها وأموالها، من أجل العرب والفلسطينيين، وقد حان الوقت لأن تفكر مصر في نفسها، وأن التزام السادات بمصر أولاً له ما يبرره (..)

وعندما استأنف مجلس الشعب مناقشاته حول المعاهدة (..) اقترح محمود أبو وافية، عديل الرئيس والمحامي بالأقاليم، إرسال محاضر مناقشات مجلس الشعب الحالية إلى جميع الدول العربية، وناولت جاري الجالس إلى جانبي قصاصة صغيرة كتبت فيها : “إن العضو المحترم يغفل حقيقة أن إخواننا العرب لن يقرؤوها، مثلهم في ذلك مثل أولئك الذين هاجموا إطار كامب دافيد دون أن يقرؤوا تلك الوثيقة”

(..) واختلطتُ بالجماهير، وتساءلت لماذا هم سعداء إلى هذا الحد.

قال بعضهم إنهم فقدوا أبناء في المعركة ولن تكون هناك حروب أخرى  بعد الآن، وقال آخرون أن الأمريكيين سيقومون ببناء المصانع في مصر (..) ولقد أسعدني سماع تلك العبارات.

إنها صادقة (؟؟؟).

وسافرت إلى الإسماعيلية لاستقبال الرئيس تشاوشيسكو (..) واقترح، كما كان يدعو منذ بعض الوقت، عقد مؤتمر دولي لمناقشة القضية الفلسطينية، ولم يبدِ السادات اهتماما بذلك، أمّا أنا فقد أيدت الفكرة، واعتقدت أنه (..) في حالة فشل معاهدة السلام وكامب دافيد فإن المؤتمر الدولي سيوفر لنا وسيلة التراجع.

ولكني لم أقل ذلك بصراحة للسادات (؟؟)

(..) الإسرائيليون يرفضون تبادل وثائق التصديق لأنها تتضمن وثيقتين (..) وقال الإسرائيليون أن برلمانهم وافق فقط على معاهدة السلام وليس على الاتفاق الآخر ( الخطابات الخاصة بالحكم الذاتي الفلسطيني) وهمست في أذن الدكتور مصطفى خليل بأن عملية التبادل في سيناء تواجه مأزقا بسبب اعتراضات إسرائيلية، وقام هو بإبلاغ السادات (..) وقال مصطفى خليل منفعلا : “إن كل شيء يسير على طريق الخطأ، وهو قول، على ما يبدو، لم يعجب السادات (..) وفي صباح اليوم التالي، ولأسباب لا أعلمها، اختفى الحراس من مدخل عمارتنا السكنية، وانزعجت زوجتي وصار الجو متوترا.

وعندما استعلمت قيل لي إن اليوم هو الجمعة وأنهم ذهبوا إلى المسجد للصلاة (؟؟)

وقفة سريعة: يصر الدكتور غالي بدون مناسبة على وصف الأمور بشكل درامي، ومعروف أن هناك في كل الدول تنظيم معين لتبادل الحراسة، وأن الحراس لا يتركون أماكنهم إطلاقا، لا للصلاة ولا لغيرها إلا في وجود البديل، ومن الممكن أن يكون هناك حراس مسيحيون لا يضطرون للتغيب لصلاة الجمعة أو غير الجمعة.

…………….

في ذلك العام أقيم احتفال عيد العمال في سفاجا (..) وكنا، مصطفى خليل وأنا، نرجو ألاّ يثير خطاب السادات حفيظة الدول العربية (..) فقد كنّا نتفاوض بهدوء مع بعض الحكومات العربية حول مصانع السلاح المملوكة ملكية مشتركة (..)

وقفة سريعة: بدأت آنذاك مرحلة ابتزاز المال العربي لمصلحة الرأسمالية الجديدة في مصر، والتي حولت موظفا بسيطا في رئاسة الجمهورية إلى واحد من كبار أصحاب الملايير.

……………

 وألححت على موسى صبري الذي كان عاكفا على كتابة الخطاب أن يتأكد من أن شيئا من هذا لن يحدث (..) توجه السادات إلى المنصة (..) فجأة أزاح الخطاب المكتوب جانبا ليتحدث بدون مذكرات، ونظر مصطفى خليل نحوي وبادلته النظرة في أسى.

وشرع السادات في شن هجوم عنيف على الزعماء العرب الآخرين، يشجب تقاعسهم وغدرهم وانعدام تأثيرهم.

وقفة سريعة: أقنع بعض المستشارين الحشاشين الرئيس السادات بفكرة أخذ يرددها مضمونها أنه ليست مصر من ينتمي إلى العرب بل العرب هم من ينتمون لمصر، حيث أن العرب، يقول السادات، هم أبناء هاجر، وهاجر مصرية.

ولم يتوقف عاقل ليقول للرئيس بأن في العرب يهود، وهؤلاء هم أبناء سارة، وفي العرب مسيحيون كانوا يهودا، وهم بالتالي ليسوا أبناء هاجر، والأمر ينطبق على المسلمين في المنطقة العربية.

لكن ما يقوله الزعيم كانت له منزلة الكلام المقدس.

…………

ونتيجة لذلك انهارت المفوضات الخاصة بالمصانع المشتركة للسلاح.

وعندما قررت جيبوتي، وهي دولة متناهية الصغر تقع تحت النفوذ الفرنسي سياسيا واقتصاديا وعسكريا، قطع علاقاتها مع مصر، قلت للسفير الفرنسي في القاهرة إن فرنسا كان في استطاعتها الحيلولة دون ذلك (..) كانت لطمة مريرة لكبرياء مصر.

وفي تلك الليلة تناولت العشاء بالسفارة البريطانية ( في مصر) وعلى العشاء قابلت محمد حسنين هيكل (..) وقال لي بقلق كبير: “رويدا رويداً ! لابدّ أن تفرمل السادات، فليس هناك ضرورة على الإطلاق لإجراء التطبيع مع إسرائيل بهذه الخطوات السريعة “.

وهيكل أحد المفكرين المصريين الراديكاليين الذين لا يستطيعون قبول فكرة الحوار مع إسرائيل.

وفي يوم السبت تناولت العشاء في دار الدكتور زهير فريد بمناسبة مغادرة هيرمان ايلتس لمصر. وتحدث ضيف الشرف معي لأول مرة دون اعتبار لمنصبه كسفير للولايات المتحدة، معلنا أن : “اتفاقيات كامب دافيد كارثة” (..) وكنت قد أبلغت أجهزة الإعلام بأنه وفقا للمعاهدة فإن التطبيع بين مصر وإسرائيل لن يبدأ قبل نحو تسعة شهور (..) وبعد ذلك بيومين (في العريش) حدثت خطوة جديدة نحو التطبيع بين إسرائيل ومصر (..) ونهض السادات ليعلن قراره بفتح الحدود بين مصر وإسرائيل (..) أدليت بحديث إلى مراسل ” لوموند ” في القاهرة، وتضمنت أسئلته استفسارا عن ابن عمي، إبراهيم أمين غالي، الذي فصله عبد الناصر من وزارة الخارجية لخدمته الدبلوماسية لنظام الملك فاروق. (؟؟) (226)

يتبع

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. يتضح على ما يبدو أن الباشا السادات و الكومبارس المرافق له ” شبكوها ” و راحو .. بعد أن أبرموا ” قران مقدس ” مع الكيان الإسرائيلي متمثلة في معاهدة السلام غير القابلة للطلاق ولا التطليق و لا التعديل و لا الإلغاء .. وعكة في صورة .. كعكة .

  2. مصر كانت حاضنة لكل العرب لا أحد ينكر ذلك .. الباشا السادات خان العرب لا أحد عاقل ينكر ذلك كذلك .
    الدكتور عميمور أشار إلى المال العربي الذي إستغله فراشي الرئاسة ، هؤلاء هم من أبدعوا عبارة ” أنت مش عارف أنا مين ؟ ” .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here