دكتور محيي الدين عميمور: الوطن العربي: قراءة جديدة في كتب قديمة 4

amimourok1.jpg66177

دكتور محيي الدين عميمور

 

أواصل قراءتي في كتاب الدكتور بطرس بطرس غالي : طريق مصر إلى القدس، والذي رأت الجريدة تحويل حلقاته إلى الباب الثقافي، وأرجو أن يعود القارئ إلى مقدمة الجزء الأول في باب الآراء ليتعرف على أسلوبي في هذه القراءة..

ويتناول الدكتور مشاركته جنازة البابا فيقول:

 اتصل بي السفير شافعي عبد الحميد سفير مصر في الفاتيكان بالتليفون. كان مهتما جدا بالملابس الرسمية التي يجب أن أرتديها في جنازة البابا بولس السادس (..) وقال إنه استأجر لي بدلة “فراك” من روما، وبعد ذلك أصبح الاهتمام الرسمي للسفير هو الأوسمة التي أضعها على صدري (..) وكان شافعي عبد الحميد يضع على صدره عددا كبيرا من النياشين والميداليات.

وقفة سريعة : بدلة الفراك هي بدلة تستعمل في المناسبات الرسمية على غرار السموكنغ، وهي سوداء بجاكيت طويل يصل إلى الركبتين وقميص أبيض بياقة مفرودة أو مطوية منشاة، ورباط عنق وبابيون أبيض، وعلى جانب السروال أو البنطلون شريط حرير من الساتان وجوارب سوداء وحذاء أسود لامع

وقد رحب أحد القساوسة الذين حضروا الجنازة بالسفير على أنه هو وزير خارجية مصر، وشعر عبد الحميد بالحرج وأشار إليّ (..) وعرض عليّ السفير أن يُقرضني بعض أوسمته، ولم أستطع أن أعرف ما إذا كان يرغب حقّا في أن يحفظ ماء وجه وزيره أم أنه كان يسخر فحسب (131)

وفي يوم الخميس التقيت بالكاردينال بيندولي (..) وكان من بين أفراد المجموعة الصغيرة التي يُتوقع أن يتم اختيار البابا الجديد منها وفقا لرأي السفير شافعي عبد الحميد (..). بطبيعة الحال لم يُصبح أي من الكرادلة الذين زرتهم في روما هو البابا الجديد، وكانت تنبؤات شافعي عبد الحميد خاطئة (135)

(..)

في يوم الخميس الموافق 24 أغسطس 1978 أجريت محادثة طويلة مع محمد إبراهيم كامل (وزير الخارجية المصري) حول المؤتمر القادم في كامب دافيد.

لم نكن ندري كيف نـُعدّ للمؤتمر.

كان هناك كثير من الأوراق والوثائق والتحليلات، ولكن الإستراتيجية العامة التي نؤسس عليها حركتنا لم تكن واضحة (..) غير أن صفقة منفردة مع إسرائيل من أجل سيناء بدت غير واردة.

ذلك أن مصر زعيمة العالم العربي، ونحن لا نستطيع التخلي عن الوحدة العربية لمجرد استعادة أراضينا في حين تظل الأراضي العربية الأخرى تحت الاحتلال الإسرائيلي.

إلاّ أنني لم أكن واثقا من أن السادات بالرغم من تأكيداته المتكررة يشارك هذا الرأي.

فمصر بالنسبة له تأتي أولا.

وبعد أن تعرض للإدانة العربية بسبب مبادرته بدأ يهزأ ببقية العالم العربي باعتباره مجرد بركة بجوار النهر، وكانت ” عصابة” وزارة الخارجية قلقة من أن إستراتيجية السادات لاستعادة سيناء أولا، بهدف إحراز القوة التي تمكنه من استرداد بقية الأراضي العربية فيما بعد، لن تنجح.

 وكنّا نخشى من أن الخطوة الأولى لن تتبعها الخطوة الثانية، بسبب الإجهاد والمعارضة، ولأننا لا نحمل تفويضا من الفلسطينيين لمواصلة مرحلة ثانية. (138)

وغادرنا القاهرة إلى باريس (..) وفي مأدبة عشاء لنا في وزارة الخارجية تحدث محمد إبراهيم كامل بالإنجليزية متناولا العموميات، ولكن حسن التهامي احتكر الحديث، وكان بمثابة عرّاف السادات وسمير الرئيس و”رجل بَرَكة ” ورافعا للمعنويات.

لقد كان التهامي ضابطا عسكريا كبيرا جسورا ولامعا في الثورة (؟؟) ثم أصبح أشبه بالصوفي، مؤمنا بأنه يتلقّى في الأحلام تعليمات خاصة من الرسول (..) وكان السادات يرتاح إلى وجوده ويستمتع بصحبته (..) وقد سافر التهامي سر‎ّا إلى المغرب لملاقاة دايان، ووصف هذه الرحلة بأنها مهدت الطريق لمبادرة القدس الساداتية (..)

وعندما عُدنا إلى طائرة الرئاسة دعانا الرئيس إلى صالونه الخاص، إذ أن أسرته بقيت في العاصمة الفرنسية (؟؟) وتناولنا الغداء معه (..) كان السادات على ثقة من الأمر كله سينتهي قريبا، فهو سيعرض موقفه، وسترفض إسرائيل هذا الموقف، وسيؤيد الرأي العام الأمريكي مصر، وسيرى كارتر أن موقف مصر جيد وموقف إسرائيل سيئ. ومن ثمّ تقوم الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل لقبول ما قدمه السادات، وهكذا فالأمر بسيط.

وكنت أعتقد أن الأمر ليس بمثل هذه البساطة، وأخشى أن الأمريكيين لن يضغطوا على إسرائيل، وأن السادات سيقوم في هذه الحالة بتقديم تنازلات.

(..) وقام التهامي بتوزيع قطع صغيرة من العنبر على أعضاء الوفد المصري، شارحا بأن علينا إذابتها في الشاي وبأنها ستمنحنا القوة على مواجهة الإسرائيليين (..)

وقفة سريعة: كان الضابط التهامي ممن يعيشون على الهامش في حياة الرئيس عبد الناصر، ربما لأن الرئيس لم يجد فيه ما يبحث عنه، ولهذا استفاد منه الرئيس السادات عندما أحس بكراهيته لعبد الناصر، وكثيرون كان يرون أنه مختل عقليا، وكان مَن حوله يسمعونه يقول بصوت مرتفع: وعليكم السلام، ثم يقول للمندهشين بأن سيدنا الخضر كان يمر به وأقرأه السلام فرد عليه.

…………

ولم تكن الترتيبات المادية مشكلتنا الرئيسية، وإنما هو أسلوب السادات الذي أربكنا، فكلما التقى مع كارتر أو بيغين لم نكن نـُبلغ على الإطلاق بما قاله، في حين كنا نلاحظ أن الزعيمين الأمريكي والإسرائيلي يحيطان وفديهما علما بالأمر قبل كل اجتماع وبعده، وكنت أخشى أن السادات بغرض استعادة سيناء قد يقدم تنازلات ضخمة (..) كانت الأجواء المحيطة بنا غريبة، والسادات لا يمكن التنبؤ بأفعاله، وبدا التهامي في حالة عدم توازن (142)

وفي يوم السبت 9 سبتمبر عقدنا جلسة عمل في كوخ السادات، ودارت مناقشة حامية بين السادات ومحمد كامل.

لم يكن السادات يثق في دبلوماسييه. وكان كامل على حق (..) وكان واضحا أن السادات يريد لاجتماعات كامب دافيد أن تنتهي بوثيقة دولية مهما كان الثمن، إذ كان يدرك أنه دون مثل هذه الوثيقة سوف تبدو رحلته للقدس والمبادرة الدبلوماسية اللاحقة فاشلة.(..)

وقفة سريعة : كنت أتمنى أن أعرف ما إذا كانت المخابرات المصرية، التي تتوفر على كفاءات عالية وتجهيزات ملائمة، قد قامت بتأمين مكان الاجتماع ضد التنصت واستراق السمع، حتى لا يكتشف الخصوم الخلل في الموقف المصري.

…………

(..) وكان السادات يعتبر غزة مسؤولية مصر بحكم الواقع، وأنه سوف يُعطيها للأردن (؟؟) الأمر الذي يوفر للأردن ميناء على البحر المتوسط، علاوة على جموع من الغزاويين الغاضبين (144) ومع مرور الأيام بدت كامب دافيد كمعسكر اعتقال (..) وفي ساعة متأخرة من يوم الأحد 10 سبتمبر تردد أن الجانب الأمريكي يعتزم تقديم ورقة أمريكية للرئيس السادات، وطلبتُ نسخة لدراستها مقدما، ولكنني لم أنجح في الحصول عليها (؟؟).

وفي صباح اليوم التالي دعانا السادات إلى كوخه، وسلمني وثيقة وطلب مني قراءتها بصوت عالٍ على أعضاء الوفد….إنها الورقة الأمريكية، التي بدتْ في قراءتها طويلة ومعقدة بصورة لا تطاق، وعندما فرغت من قراءة النص، طلب السادات إلى كل منّا تقديم ملاحظاته وآرائه، وبينما نحن نقوم بذلك أصبح واضحا أن السادات لا ينتبه لما كنا نقوله.

واقترح محمد كامل أن ننسحب جميعا لنعكف على دراسة الوثيقة بعناية (..) ولدى عودتنا إلى كوخ السادات، هاجم السادات المشروع الأمريكي (..) وأعلن بأنه سوف ينسحب من المحادثات (..) وعندما ألححت عليه بالبقاء في كامب دافيد استشاط غضبا وقال : إنك لا تفهم في السياسة (..) لقد صُدم السادات حقا بالمشروع الأمريكي وأراد بالفعل أن يُغادر المكان، وفي الوقت نفسه كنت أخشى أنه إذا غيّر السادات رأيه وبقي في كامب دافيد فقد يضعف موقفه التفاوضي ويجعله أكثر قابلية لتقديم تنازلات، ولدى عودتنا إلى كوخنا المشترك تحدث محمد كامل طويلا عن السادات (..) كانت أعصابه منهكة بوضوح وكان متشائما للغاية، وأوضحتُ أن دورنا ثانوي (؟؟) وأن القرار السياسي سيتم اتخاذه شئنا أم أبينا (..)

وبسرعة قام فانس بالجمع بين كارتر والسادات في محاولة لوقف انهيار المفاوضات. وعندما خرج السادات قال إن كارتر أبلغه بأنه إذا انهارت محادثات كامب دافيد فإنه لن يُعاد انتخابه رئيسا للولايات المتحدة، أما إذا نجحت محادثات كامب دافيد، كقول كارتر للسادات، فإنه في فترة الرئاسة الثانية سوف يضمن له أن يحقق الاتفاق كل تطلعات السادات.(..) وانتابني شعور بأن السادات كان راغبا في الاقتناع والرجوع عمّا قاله (147) وبإعادة قراءة المشروع الأمريكي رأيت أنه لم يكن شاملا وإنما كان مضطربا (..) فالقسم الأول من المشروع، وهو الانسحاب من الأراضي المصرية، لا يتتبعه بالضرورة القسم الثاني، وهو الانسحاب من الأراضي الفلسطينية، ولم تكن الأجزاء مترابطة، الأمر الذي يعني بأن مصر قد تتهم بتوقيع سلام منفصل مع إسرائيل وبأنها تتخلى عن العرب.

غير أن السادات بدا غافلا عن ردود الفعل العربية، وكان يريد من الأمريكيين أن يضمنوا نجاح مبادرته، وكنت أخشى من أن الأمريكيين يخدعون أنفسهم، وأن السادات بدوره سوف يخدع العرب.

كنت ألح على السادات بمقابلة دايان ليس فقط استجابة لطلب وايزمان (..) وكان السادات يرفض، ولم أجد بدّا من نقل الرفض لوايزمان، وإزاء حساسيته للمشكلة تدخل الرئيس كارتر وتقدم بنفس الطلب، وفي هذه الحالة وافق السادات على لقاء ديان “علشان خاطر كارتر “!!.

وحظيت هذه العبارة بشعبية وسط المندوبين المصريين، فكل طلب نراه ضد المصالح العربية صار يوصف بأنه ” علشان خاطر كارتر “.

وشعر المندوبون المصريون بالصدمة إزاء الأحكام المتعلقة بسيناء الواردة في الوثيقة الأمريكية، فشبه الجزيرة المصرية ستكون منطقة منزوعة السلاح تشرف عليها قوات الأمم المتحدة ووكالة دولية لحفظ السلام.

وتضَمّن المشروع عشرات من القيود على السلطة المصرية، وكانت تلك الشروط مهينة لمصر (..) وعندما خرج كارتر كان واضحا أن السادات وافق على البقاء، والحقيقة أنه قد وافق على وثيقة معدلة لم يعرف أي منا شيئا عن مضمونها (..) غير أن وليام كوانت أبلغني بعد ذلك بوقت طويل بأن السادات كان قد نقل سرّا موقفه “المتراجع” إلى الأمريكيين (..) ثم قام نائب الرئيس والتر مونديل بزيارة السادات.

ولم يقف أي منا على ما دار أثناء هذا اللقاء (..) وفي وقت متأخر اجتمعنا في كوخ السادات (..) وكان واضحا لي أننا، أعضاء الوفد، بمثابة كَمّ مهمل، وأن علينا الانتظار لحين إعلان النتائج النهائية.

وقفة سريعة: بعد سنوات استقبلنا وليام كوانت في الجزائر لإلقاء محاضرة عن قضايا الوطن العربي، وأجابني على سؤال لي حول قضية كامب دافيد، وبمحضر وزير الخارجية الجزائري ونخبة من الديبلوماسيين، قائلا : لو كانت هنا في مصر ديموقراطية لما أمكن تمرير معاهدة كامب دافيد، وهو ما نشرته في نفس الأسبوع داخل وخارج الجزائر، ولم أقرأ له تكذيبا.

وبعد الظهر جاء نبيل العربي إلى كوخنا حيث أشار إلى عبارة وردت في الوثيقة أحس بأنه لا يمكن قبولها، وأجبناه جميعا : لا تخبرنا نحن، اذهب إلى الرئيس السادات وأخبره، لقد فقدنا الأمل في إقناع السادات.

وتوجه نبيل العربي إلى كوخ الرئيس، وسرعان ما عاد إلينا مضطربا مهزوما، لقد أثارت ملاحظته غضب السادات الذي انفجر فيه.

وقفة سريعة: نبيل العربي هو الأمين العام الحالي لجامعة الدول العربية، وكان موقفه في كامب دافيد هو ما دفعنا جميعا إلى الترحيب بتعيينه في الجامعة، ولكن كان مخيبا لكل الآمال، فقد بدت شخصيته مهتزة ومتوترة ولا تبدو مقتنعة بما تتخذه من مواقف أو تقدمه من آراء.

يتبع

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. الأخ ناجي
    هنيئا لك بما يريح خاطرك، ليس هناك قناة واحدة يمكن أن تكون موضوعية ومحايدة مائة في المائة، ولهذا أكتفي بالقول بكل أخوة أن الاعتماد على مصدر واحد وحيد للإعلام أمر يجب أن يتفاداه كل مهتم باالبحث عن الحقيقة والالحريص على النجاة من التضليل، أنجانا الله وإياك من المضللين، مع محبتي

  2. رأيكم د.عميمور مما لاشك فيه أن له من مسببات الاحترام الكثير (سنك علمُك ومسؤولياتك) لكني لم أجد قناة أخرى يرتاح لها خاطري إلا هذه القناة وأما دفاعها عن نضام قد يكون اقترف أخطاء عدة فيكفيه أنه لم يتبع السيناريو المصري أو الأردني في إستعادة أراضيه (سلام مزيف ضمن عقلية أنا وبعدي الطوفان ) بل أن آخر رد على الغطرسة الصهيونية من قبل المقاومة الفلسطينية جاء بصواريخ نقلها النظام السوري والإيراني وأما أنها لا يمكن لها أن تكون قناة معبر ة عن المقاومة فأي قناة أخرى ترى سيادتكم أن يمكن لها أن تكون كذلك

  3. هذه القناة مثلها مثل القنوات المصرية عامة والقنوات العربية الرسمية ، تعطي وجهة نظر واحدة، وأنا أفضل أن أتابع قنوات تعطي أكثر من وجهة نظر ولا تستخف بعقل المشاهد، وأعترف أنني أتشكك في توجهات مديرها بعد تناقضه مع الجزيرة.
    وأنا لا أعترف لها بصفة المقاوم، لأن النظام الذي تعبر عنه وتتكلم باسمه ينتحل هذه الصفة، ولم نر له موقفا مقاوما منذ الستينيات.
    أما رأي اليوم فأتصور أنها تعطي وجهات نظر متعارضة وأحيانا متناقضة وهذا طبيعي بالنسبة لمنبر إعلاميس يرفع شعار الموضوعية والحياد الإيجابي، والله أعلم

  4. أرجو منكم سيدي إفادتي بمعنى تعليقكم على مقال السيد اسماعيل القاسمي الحسني تحت عنوان “الجزائر ليست عدوة للإسلام” حول قناة الميادين فهل لكم من مآخذ عليها وإن وجدت فدلنا عليها لإني من متابعي هذة القناة ومؤيد لخطها المقاوم تماما مثل صحيفة “رأي اليوم” الموقرة – –

  5. ما قرأناه و فهمناه أن حصاد اليوم هو من غرس الأمس الذي تم زرعه بعناية فائقة بمزرعة كامب ديفيد و أكواخها ، و كان من الواضح أن الوفد المصري برئاسة زعيمه قد أسكرهم بخور العنبر ، و لا شك أن الوفود الإعلامية الحاضرة لتغطية هذا الحدث العزيم قد لاحظوا حلقات دخان تخرج من الكوخ تتصاعد في السما و تترنح نشوانة ، معلنة عن بداية إنبطاح ، و من يومها و رأس العرب مطأطأ في الأرض و الأقدام تغوص في الطين .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here