دكتور محمد مراح: الجزائر: ألم نستقل بعدُ؟!

دكتور محمد مراح

من المؤشرات الخطيرة التي يراد لها أن تسبح في بحر الحراك الهادر، أننا يجب أن نحقق استقلالنا، فنحن لم نستقل بعد على الحقيقة ، فهذا الكلام قد يفهم في سياقه أثناء حالات الغضب والنقمة على ممارسات السلطة، لكن استغلال سياق الحراك ، و رفع  أهداف و شعارات كبرى، تصاغ في صيغ مثيرة، تُطرح هكذا دون تحديد مضامينها ومراميها ، وبيان موقعها من تاريخ البلاد المعاصر قبل وبعد الثورة، وتعيين الجهات التي لم نستقل عنها إلى اليوم؟!، كل هذا الغموض ، مثير للتوجس، خاصة مع استحضار المقولات التقليدية لتيار  معروف بالمناوئة لركنين عتيدين في الهوية الوطنية هما العروبة والإسلام ، و كذا استحضار السيول الجارفة التي عُمل هذا في السنوات الأخيرة على ملئ أودية بعض وسائل الإعلام،

و وسائل التواصل الاجتماعي و إغراقها بقضايا الصراع حول الهوية ومكوناتها، و مع استغلال حالة الإرهاق النفسي والاجتماعي  التي صار عليها الجسم الاجتماعي الجزائري، مما يسر مهمة الانسياق وراءها في أحيان كثيرة، أو على الأقل خلق حالة مجتمع يتصارع  افتراضيا عبر تلك الوسائل حول هذه القضايا، وفي الآن ذاتها الإعداد لمخطط التمكين لمشروع لائكي،  وإدماجه عند أول محطة تحدى للنظام  فيصير جزءا من حالة نضال وطني ، مشروع لاستعادة ما سلب من الجزائر والجزائريين عبر مراحل تاريخ هذا البلد ؛ القريب منها والبعيد القديم ( غالبا هو الفترة الإسلامية  في الجزائر، بحسب ما يُستقى من أدبيات هذا التيار المعروفة ) فيتحقق الاستقلال! وها قد حانت هذه الفرصة ربما بأكثر مما طمحوا فيه .

وخطورة شعار استكمال الاستقلال، أو ربما أننا لمم نستقل بعد، ونريد عبر الحراك أن نستقل، يجب التنبه لمخاطرها العميقة على مستقبل البلاد، وما ترمى إليه من التفاف على أفضل منجز جزائري وهو الثورة التحريرية ، لذا لا يجب الانجرار وراء هذا الفخ الخبيث ، فعلينا أن نكون على مستوى الفطنة والوعي خاصة ضمن الحراك، علينا أن نكون في أفضل حالات وعينا وإدراكنا بحقائق مفاهيمية مركزية منها ذات الصلة أي التلبيس باسم الاستقلال :

بأن :ثورة التحرير ثورة التحرير، أنجز بها شعب مهمته، لا يقارن بها إنجاز وطني بعدها، والاستقلال استقلال، ولا يقارن به أي بنيان نقيمه في صرح بناء الوطن . هذان الركنان أشبها ما يكونان بأركان الإيمان في مجال العقيدة و الإيمان، إعادة النظر فيهما شبيه أيضا بإعادة النظر في أركان الإيمان ، كلّ في حيزه ومقامه ومجاله .أطرح الذي طرحت بمعايير اجتماعية وتاريخية .

فمن الأخطاء القاتلة الانزلاق وراء مُراجعي عقائد الأمة إيمانيا وثوريا . فالثورة الفرنسية ظلت معتقة عن النظر والمراجعة لروحها ومبادئها الفلسفية بوصفها مبادئ عليا لبناء الدولة والحضارة، رغم ما انتكست إليه من استيلاء عليها ممن صيرها حالة من الدكتاتورية والدموية والهمجية التي لا تقل عما ثار عليه الثائرون حينئذ .

إن الانسياق وراء هذا الشعار في صورة سيولة و هلامية و إطلاق، يجرنا للوقوع في فخ أن كل مرحلة قبل مراحل الحراك  إما استعمار أو استقلال موهوم، وبالتالي ستفتح الأبواب عبر مشكلات ثورة التحرير، والصراعات التي شهدتها، ويُنحى بها منحى قد ينتهى باتهامها واتهام المجاهدين الذين أعلنوها، بانهم مغامرون جروا البلد نحو مأساة الحكم المتسلط ما بعد الاستقلال !

هذا المسلك سيجعلنا عراة أمام القوى المتربصة، وفي مقدمتها الاستعمار التاريخي، الذي لن يتوانى في استغلالها بحسب ما يحقق مصالحه حينذاك .

وكي لا يفهم الكلام على أنه مجرد أوهام، إذ الشعب المنتفض يعرف ما يرفع من شعارات ومطالب، فقد وجب التنويه إلى أن للحراك حواشي، وجنبات، والمستهدفون بالمشاريع يتصيدون المنافذ المناسبة إليه، فيوظفونها بالكيفية التي يرونها مناسبة . وقد صرح أحد الوجوه الحقوقية البارزة ، والمحسوبة على الداعمين الحراك بقوة واستماتة ، لقناة  وطنية وقال : لابد للجزائر أن تتحرر؛ فقد بقيت مستعمرة 2000 سنة، هل اللبيب وحدها من يفهم؟!!!

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. من حق فرحات عباس رحمه الله، وبالنظر إلى تكوينه “ووضعه” في مرحلة معينة ولضرورات معينة على رأس الحكومة المؤقتة أن يشعر بالأسى لأن دوره انتهى بعد صراعه مع الرئيس الأول أحمد بن بله على دور جبهة التحرير المستقبلي ، والقول بأن عصابات دوغول تمكنت من مفاصل الدولة بعد استرجاع الاستقلال دليل جهل مؤكد، لأنه يُعطي للبعض فضل كل الإنجازات التي عرفتها الجزائر بسلامة الرجال ، والتي لا ينقص منها ما أصاب البلاد من وهن ، وغالبا لأن كثيرين لم يقوموا بواجبهم في الدفاع عن تلك الإنجازات ، وراحوا يجترون الشعارات ويحاربون من يواجهون العصابة ويدفعون الثمن وحدهم

  2. السيد بوحفص، الاستعمار منظومة حضارية متكاملة، والاستقلال كذلك؛ فبقدر ما تفقد من أركان ومعالم بل ومن بضع لبنات في بناء منظومة كلّ منهما، يقاس الكمال والنقص فيهما .
    حسنا أنك تحدثت عن دفعت لاكوست، فهي (سوسة) التخريب في كل مراحل الاستقلال، وهي المعوقة لكلّ مكسب حققه الشعب بإرادته، وفي مقدمتها دحر الاستعمار، ونيل الاستقلال.
    – إن دعوى ( اننا نريد ان نستقل لأننا لسنا مستقلين، هو بمفهوم المخالفة طعن في الثورة، وثمارها .بشعور من بعض قائليه ، واندفاعة غاضب حانق من بعض غيرهم.
    – حين توضع هذه الدعوى قبالة إنجاز واحد في الجزائر المستقلة في فترة السبعيينات ، وهو التعليم ؛ فإن أفضل إطارات الجزائر معرفيا وعلميا تخرجوا في المدرسة الجزائرية، والجامعة الجزائرية؛ اكتفى لك بنموذج واحد : من أين تخرج إلياس زرهوني مدير معاهد الصحة الوطنية الأمريكية ، اكبر هيئة مشرفة على الصحة في الولايات المتحدة الأمريكية؟( راجع سيرته التعلميية في الجزائر) قد يماحك مماحك فيقول : هذا دليل إدانة ، فنقول : التقييم الشامل للمشكلة من خلال هذا النموذج ذي الدلالة ، سيخرج لنا بمجموعة من النتائج، اهمها
    -ان هناك في النظام الوطني في السبعيينات من كان يخطط بحماسة وإخلاص لبناء تعليم لكل أبناء الشعب الذي حرم 130 سنة من فرص التعليم ، فحقق إلى نهاية السبيعينات نتائج مشجعة جدا، ورائعة جدا أيضا.( ومنهم أكثر هؤلاء الذين يتصدرون مقامات الشخصيات الحقوقية والفكرية والسياسية تعبيرا نخبويا عن الحراك ) . لكن كان مع هذا الجهد (سوس) دفعة لاكوست ينخر الجسد الجزائري الغض الطري ، لييبدأ المنحنى البياني للتعليم ككثير من المجالات في الهبوط. فأنتج الظواهر والمشكلات التي تفاقمت لتبلغ حضيض ( الشرولية\المزلاج) و( الكواكين) .
    – الذين استغلوا حالات الفواران الشعبي الثائرة والغاضبة – بحق وبصدق – فيعبر عن مدى رفضه لرجالات السلطة القائمة، ( انه يريد الاستقلال)، فألقوا في موجات الغضب والثورة هذه فكرة أن هذه المحطة التاريخية الحاسمة لنستقل؛ لأننا لم نستقل على الحقيقة بعدُ؛ هم من التيارات الفيئوية والجهوية التي تعمل على ركوب الحراك وتجييره لأهدافها المعروفة تاريخيا منذ الستينيات، ومنذ الأكاديمية البربرية الميمونة السعد على تاريخ الجزائر المستقلة، ، والتي هي ابتداء وانتهاء المقاولة للمستعمر التاريخي ، الذي تريد ان تعود بنا إلى أحضانه عبر بوابة (تبا لكلّ مامضى) مابعد 1962. والروائح بدات تفوح في الجامعات ودعوى التعرية !!!
    على كلّ الأيام بيننا على حد تعبير الأستاذ عبد البارى عطوان .

  3. ____ من الصعوبة دكتور محمد مراح الفاضل الكلام عن الثقة التي راحت بلا رجعة . بعض الشعارات المنطوقة و المكتوبة هي نتاج أمزجة و ردات فعل لحسابات لا تعني شيئ . الحراك موحد على هدف . نقرأ فيه الخير رغم كل شيئ .

  4. الاستقلال المصادر….كتاب أصدره رئيس أول حكومة وهو (فرحات عبّاس) وهو يلقي باللّوم على نظام بومدين , ووالذّي عرّاه من كلّ محمدة وبيّن فشله في ميادين عدّة ..فهل الدعوة اليوم المنطلقة في ربوع الوطن كلّه بضرورة اعادة النظرفي حقيقةا الاستقلال تعدّ سببا للتشكيك ؟؟؟….انّ الواقع اليوم ينطق بأنّ عصابات ديغول التي تمكنت من مفاصل الدولة غداة الاستقلال أمر واقع لايمكن بحال نكرانه او تجاوزه , واليوم مع هذا الحراك اكتشفنا أكثر تغوّل العصابة كما سماّها قائد الأركان وهي الرديف الطبيعي لحزب فرنسا…

  5. الخطر كل الخطر على الجزائر و على حراكها السلمي ، يكمن في القنوات الخاصة التي ما فتئت منذ ظهورها ، تمارس الخراب تلو الخراب ، فهذه القنوات سلاح فتاك في أيدي الدولة العميقة التي تسعى جاهدة لإعادة الجزائر إلى أحضان الاستعمار إعادة أبدية . فهذه القنوات تشكل خطرا عظيما يتجاوز عدة مرات مفعول القنابل الذرية . فواجب الوجوب هو إيقاف هذه القنوات فورا ، فهي تكاد تجعل الحراك يدمر نفسه بنفسه ، حيث تجلب أناسا يمارسون تحليلات ، كلها سموم في سموم . فالرجاء يا سيادة الكاتب الأصيل ، أن تفضحوا هذا القنوات البغيضة و الخطيرة والرهيبة . إنها الحقيقة التي تتجلى يوما بعد يوم . وشكرا جزيلا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here