دكتور محمد بغدادي: من أطلق الرصاص على أردوغان؟

دكتور محمد بغدادي

    كانت أنقرة في الماضي تحلم بالدخول في الإتحاد الأوربي في سابقة هي الأولى من نوعها وفي محاولة منها لإعتراف الدول المتقدمة بأن تركيا دولة متقدمة وتنظر للمستقبل وللعمليات التنموية، واستطاعت تحقيق طفرة تنموية اقتصادية شهد لها الجميع، وعلى الرغم من هذه المحاولات إلا أن أنقرة ظلت ساكنة ولم تستطع تغيير واقعها وأفكارها بقيادة أردوغان وحزب العدالة والتنمية، مما جعله في مهب الرياح وعٌرضة  وعلى الرغم من وجود الديمقراطية الشكلية التي تتمتع بها الدولة إلا أن هذه الديمقراطية أفرزت حاكم جديد لإسطنبول والذي ناور رجب طيب واقتنص منه ولاية أسطنبول في محاولة منه للفوز بقيادة تركيا بدلاً من أردوغان.

    فها هي المعارضة تتمكن من السيطرة على إقليم أسطنبول المميت الذي وضع أردوغان في موقف لا يحسد عليه، فكلمات أردوغان هزت الأوساط السياسية حينما تحدث بطلاقة في السابق على أن من يفوز بحكم أسطنبول فهو مؤكد يفوز بحكم تركيا، ويبقى التساؤل ما الذي حدث ؟ كيف انهارت قوى أردوغان السياسية؟ أين رجاله؟ وأين أفكاره ؟ وما مدى قوتة في مواجهة زحف المعارضة ؟ وهل يستطيع حزب العدالة والتنمية أن يقوم بترقيع النظام التركي الحالي؟ هل سقوط أردوغان في أسطنبول ينبأ بسقوط مدوي في تركيا؟ هل الدول الكبرى لها اليد العليا في سقوط أردوغان في أسطنبول؟ هل محاربة دول العالم للإرهاب كان له أثره البالغ في زحزحة حزب العدالة والتنمية؟ كيف يقرأ أردوغان المشهد الأن؟.

   تكهنات ورؤي مختلفة وأطروحات متباينة نشاهدها في المشهد التركي، وإنني لأرى أن حالة الأزمات الإقتصادية التي تشهدها دولة أردوغان ، مع عدم الإستقرار الذي يشهده الداخل التركي، وقلة الأمان لدى الشعب التركي من قيادة حزب العدالة والتنمية للبلاد، فضلاً عن الضغوط الخارجية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والتي تنادي دائماً بمحاربة الإرهاب وأن تركيا وإيران وقطر يدعموا حركات الإرهاب في العالم ، فكل هذه التحليلات قد تقوى موقف المعارضة جيداً وتجعلهم أقوى عن ذي قبل وتقف أمام مد حزب العدالة والتنمية.

   ويرى المراقبون بأن انكسار حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الماضية للمرة الثانية بعد إعادتها، إنما هي خطوة تحتاج للدراسة وشاهد على نهاية عصر الرئيس التركي رجب أردوغان، فضلاً عن تراجع شعبيته وشعبية حزبه، خاصة وأنها كانت قلب قوته، وبداية مشواره السياسي للوصول للسلطة.

   كما أن أردوغان خسر انتخابات 31 مارس ، واستنشق هواء الهزيمة في العديد من المحافظات التركية لا سيما مدن لها ثقلها السياسي كأنقرة وأسطنبول وأنطاكية، فأردوغان وهو رجل الحسابات المتميز كما يقول المراقبون قام بإعادة الانتخابات مرة أخرى في محاولة لعمل تعبئة لحزب العدالة والتنمية؛ لكن للأسف جاءت النتائج مخيبة للأمال ولم تأتي الرياح بما تشتهي السفن وظهرت المعارضة في أشد صورها وقامت  بحشد المواطنين بشكل كبير للوقوف أمام أردوغان، وكانت مقتنعة تماماً بأن هزيمة حزب العدالة والتنمية أصبحت أمراً بديهياً ، وهذه الإعادة استفزت المعارضة ودفعت حتى بالمحايدين إلى الخروج للتصويت ورفض وجود قيادة أردوغان للبلاد في هذه المرحلة الصعبة من التقلبات الداخلية والخارجية وعزز هذا الموقف الدولي ضد سياسات أردوغان وحزب العدالة والتنمية والمحسوب على جماعة الإخوان. فعملية إعادة الانتخابات كانت بمثابة الهشه التي قصمت البعيروأهدت المعارضة الفوز على طبق من ذهب وتزلزل كيان دولة أردوغان.

    هناك أخطاء متعددة ومتباينة قامت المعارضة باستغلالها بشكل أو بأخر من خلال عدم قراءة أردوغان للمشهد الداخلي وانتخاباته بطريقة دقيقة كعادته، فضلاً عن بحث الشعب التركي عن قيادة جديدة ودماء جديدة يستطيع أن يشحذ الهمم ويقترب أكثر من المواطن التركي بدلاً من رجب طيب الذي يتحدث عن خطط استراتيجية ومشروعات كبيرة لم تستطع أن تمس حياة المواطن، فلقد تحدث أوغلو وتطرق إلى أجور الدراسة والمواصلات وغيرها، بعكس رؤية حزب العدالة والتنمية والذي يتحدث عن خطط بعيدة المدى، والتي لم تقترب من المواطن بشكل مباشر.

    وأرى أنها بداية النهاية لحكم أردوغان ونهاية حقبة حزب العدالة والتنمية ، فلقد جاء فوز أوغلو من خلال تكتل المعارضة واصطفافها ضد قرارات أردوغان وسياساته التي لم يحالفها الحظ. ويكمننا القول بأن ما حدث هو ضربة رصاص مباغتة لأردوغان ولحزب “العدالة والتنمية” وللتسلطية، وهناك مشاكل داخلية يعاني منها الحزب، كما أن الأزمة الاقتصادية والتي ساهمت في هذه الكارثة كان لها اليد العليا في فوز أوغلو. فالقضية ليست في أردوغان فالدولة التركية هي دولة متعددة الأحزاب، وفيها مؤسسات مستقلة، لا يستطيع أي شخص أن يسيطر على مؤسسات الدولة التركية بطريقة احتكارية متسلطة، فهو تنافس على مناصب بالبلديات التركية وليس على كرسي الرئاسة. فأرى أن الكرة الأن في ملعب حزب العدالة والتنمية إما أن يعيد قراءة الموقف جيداً خلال الأيام القليلة القادمة وإما أن يخلد إلى نوم عميق ويترك الدفة لقيادة المعارضة، وتنتهي الحقبة الأردوغانية بلا رجعة وفق ما تمناه بعض دول الغرب والولايات المتحدة. فكيف يقوم أردوغان بحل هذا اللغز؟ هذا ما تشهده الأيام القادمة.

باحث دكتوراة- كلية الاقتصاد والعلوم السياسية

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. هذا تفكير رغبوي وليس تحليلا موضوعيا، وذلك للأسباب التالية:
    1- اسطنبول هي فعلا صورة مصغرة لتركيا، لكن نسبة أصوات أردغان فيها تختلف عن نسبة أصواته في باقي تركيا، وفي المحصلة فاز أردوغان ب 41 بلدية من أصل 80.
    2- أردوغان له أنصاره الثابتون والمعارضة لها أنصارها الثابتين، أما الكتلة الرمادية الحرجة فهي ما بين 5 و10 بالمائة.
    3- الأسباب التي جعلت غالبية أصوات الكتلة الحرجة تذهب للمعارضة يمكن معالجتها، وهناك الوقت الكافي لتحقيق ذلك.
    4- النظام السياسي في تركيا نظام ديموقراطي حقيقي، وإلا لما استطاعت المعارضة أن تفوز في اسطنبول وغيرها.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here