دكتور حسن زيد بن عقيل: بنيامين نتنياهو  – التعصب الديني واللعب بالنار

دكتور حسن زيد بن عقيل

يعتقد نتنياهو ان باراك أوباما كان معاديا لإسرائيل ، لشعوره بخية امل من المعاملة السيئة للفلسطينيين و انتهاك  حقوقهم الاساسية من قبل حكومة نتنياهو  . بالفعل نتنياهو يشكل عقبة أمام التسوية الفلسطينية – الإسرائيلية . لا يمكن ان تكون هناك أي تسوية في ظل وجود نتنياهو على رأس الحكومة الإسرائيلية . ان مواقف نتنياهو من باراك أوباما تنبع من موقفه الايديولوجي العنصري الصهيوني الأنجلو – ساكسوني . هذه الأيديولوجية قد قادت العالم في الماضي الى حربين عالميتين و الان يسعى بها نتنياهو لقيادة العالم الى حرب عالمية ثالثة ( هرمجدون) و التي ستطوي الصفحة الاخيرة في تاريخ الحكم البشري ، حسب الاسطورة التوراتية . التعصب الديني الاعمى Fanaticism لنتنياهو يشكل خطرا كبيرا على البشرية . باراك أوباما ، الذي يحقد عليه نتنياهو و ترامب ، هو الذي عرقل جهود الفلسطينيين من الانضمام الى محكمة الجنائية الدولية ، وهو الذي قام بحماية نتنياهو في مجلس الأمن التابع للامم المتحدة ، و عرقل قرار يدين بناء المستوطنات اليهودية . وقوف نتنياهو ضد الاتفاق النووي مع ايران ، ليس لانه سيئ . لكن نتنياهو يشك في ولاء باراك أوباما للصهيونية و يظن ان أوباما يعزز نوع من التوازن القوي بين المملكة العربية السعودية و إيران في الشرق الاوسط . بالنسبة لإسرائيل قيام دولة عربية قوية في المشرق العربي يشكل خطر وجودي عليها . رغم الثورة الإسلامية في إيران و سيطرة نظام معاد لإسرائيل على الحكم فيها الا أنه لا يشكل خطر وجودي على إسرائيل ، الخطر الاستراتيجي على وجودها يتأتى من العرب و خصوصا من الجهة الشرقية (حسب الاسطورة التوراتية ) . لذلك كانت إسرائيل حينها خائفة من انتصار العراق في الحرب على إيران الذي سيجعل العراق صاحب رصيد يمكنه من قيادة العالم العربي . هذا يعتبر مأساه بالنسبة لإسرائيل ، فهي قد تخلصت من مصر عبدالناصر ، فهي لا تريد ناصر جديد . و من هنا اوجه رسالة للسعودية والامارات ان إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية  و الغرب ، لن يسمحوا لكما بالنصر في حرب اليمن .  الامريكان و اسرائيل ادخلوا السعودية و الامارات في المستنقع التي وقعت فيه الامبراطورية العثمانية . هاجم العثمانيون ميناء الحديدة ، و حينها كانت هناك مجاعة في جميع انحاء اليمن . لكن القبائل اليمنية جعلت الجيش العثماني يتخبط في صحاري اليمن و جبالها ، الى ان خر راكعا امام القبائل  اليمنية  قبل دخوله  في ” تسوية تفاوضية ” . هذا إذلال للجيش العثماني . الامريكان و اسرائيل الأن أهانت جيوشكم و استنزفت هيبتها و معنوياتها ، انت يا محمد بن سلمان و انت يا محمد بن زايد أطلقتم هذا الصراع ” عاصفة الحزم ” الذي من المفترض أن يحمي العالم السني من الشيعة في ايران و حلفائها . لكن الذي حصل العكس انتم الان مسؤولون عن كوارثها . دخلتم حرب مدمرة عديمة الجدوى مع القبائل اليمنية ، احفاد نفس القبائل التي أهانت العثمانيين . للاسف و مستمرين في الحرب في الوقت الذي فيه قائد الحملة ، ولي العهد السعودي يختفي فيه في محاولة لإنقاذ مكانته الشخصية من وصمة اغتيال خاشقجي ، ما الذي يفكر فيه جنرالاتكم بهيبتهم العسكرية ؟ بالطبع منزعجين للغاية من حرب اليمن . الذي يجب ان تعرفونه ان الامريكان و اسرائيل لا يريدون معرفة ولا يسألون عن تأثير هذه الحملة الكارثية على جيوشكم . السؤال كيف تفكرون الان في مواجة إيران؟ جميل جدا لو شاهدتم الفيلم الفرنسي الكوميدي Le Jouet دور أغلب حكام دول مجلس التعاون الان يشبه دور الممثل فرانسوا بيرين و الرئيس ترامب و كوشنير دور بيير رامبال و فابريس جريكو في الفيلم Le Jouet .

عداء نتنياهو و ادارة الرئيس ترامب لإيران كان بسبب رفض إيران ان تكون احد مكونات الاستراتيجية الإسرائيلية – الصهيونية و التي تسمى بـ ” الحلف المحيط ” الذي شكله بن غورين في الخمسينات و يتكون من إيران ، تركيا ، أثيوبيا لاحتواء المشرق العربي ، الذي دول مجلس التعاون الخليجي جزء منه . هذه المواقف الداعم للقضية الفلسطينية والقضايا العربية بشكل عام . جعل إيران العدو الأول لإسرائيل ، اضف الى ذلك عدم ثقة نتنياهو في ادارة باراك أوباما . هذا الموقف المتطرف من نتنياهو أدى الى توتر في العلاقات بين الادارتين الاسرائيلية و الامريكية ، الى درجة أصبح  أوباما و مستشارية يعتقدون ان نتنياهو كان يلعب بهم . كما اشار بنجامين رودس نائب مستشار الأمن القومي للرئيس أوباما : لم يكونوا صادقين أبدا في التزامهم بالسلام . لقد استخدمونا كغطاء كما يقول ، لجعل الأمر يبدوا كما لو كانوا في عملية سلام . كانوا يلعبون و يقتلون الوقت و ينتظرون ادارة اخرى . و في نفس الوقت كان نتنياهو يرعد و يزمجر باستخدام القوة ضد إيران . لكن الادارة الامريكية عرفت نتنياهو ، بأنه شخص مخادع. هو يريد تحريض الأمريكان على اتخاذ موقف أكثر تشددا و حتى الى شن ضرباتهم الخاصة . في مقال نشر في الأطلسي نقلا عن مسؤول أمريكي كبير وصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنه  ” جبان ” . لقد استنكر نتنياهو هذا الهجوم الشخصي باعتباره غير مناسب .

في اواخر سبتمبر 2016  طار أوباما الى إسرائيل للمشاركة في جنازة شمعون بيريز رئيس الوزراء السابق ، حضرها كثير من القادة منهم محمود عباس ، بعد مراسيم الدفن اجتمع القادة في فندق الملك داود في القدس لتناول الغداء . قال مارتن إنديك المبعوث الأمريكي الخاص السابق للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية ” هذا هو أعقاب عملية أوسلو This is the wake for the Oslo process ” . مارتن إنديك من التيار الأمريكي الصهيوني الموالي لنتنياهو ، الذي قال ان اتفاق اوسلو بين إسرائيل و منظمة التحرير الفلسطينية تم من ” وراء ظهرنا ” ، أي من وراء التيار الأمريكي الصهيوني ، خصوصا أن رئيس وزراء اسرائيل السابق اسحاق رابين لم يرغب في اشراكهم في المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية . لان اتفاقية أوسلو أعطت دعم سياسي ولو كان بسيطا لمبدأ الدولة الفلسطينية الى جانب إسرائيل ، الذي ترفضه الصهيوية و تبنته المجموعة الأوروبية في اعلان البندقية 1980 . وضع اتفاق أوسلو نهاية للمبادئ التي كانت محرمة في إسرائيل خلال الفترة التي سبقت أوسلو : الأعتراف بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني .

انجلى الكابوس الذي كان يقلق الصهاينة و جاءتهم البشارة بترشيح دونالد ترامب للرئاسة . قال حينها رون ديرمر السفير الاسرائيلي في الولايات المتحدة الامريكية ، لقد رأينا الضوء في نهاية النفق . في البداية لم يكن الإسرائيليون متأكدين من ترشيح دونالد ترامب و لم يأخذوا ترشيح ترامب على محمل الجد . لكن الفضل يعود لجاريد كوشنير الذي لعب دور الوسيط بين ترامب و نتنياهو . عمليا نتنياهو من عام 2015 لم يهتم بما يقدمه أوباما . وضع نصب عينيه هدف كيف اقناع الرئيس الجديد في خلق ديناميكية جديدة وشاملة في الشرق الاوسط . فوجد ظالته في دونالد ترامب . و كما يقول المثل العربي الطيور على أشكالها تقع ، دونالد ترامب هو الاخر معجب منذ فترة طويلة بمهارات نتنياهو الخطابية و اصراره و تحديه لأوباما . سلوك نتنياهو المثير للمشاكل قد اغضب الادارة الامريكية . لما زارت ميشيل فلورنوي المرشحة الاولى لقيادة البنتاغون في ادارة هيلاري كينتون عام 2016 إسرائيل اخبرت موشيه يعلون وزير دفاع نتنياهو ان الدعم القوي من الحزبين للعلاقات الامريكية الاسرائيلية في خطر ، بسبب نتنياهو الذي يتدخل بوقاحة في سياستنا و يعلن انه يفضل حزب امريكي واحد على الاخر ، فهذا لعب بالنار . لذا قرر نتنياهو عدم حضور المؤتمر السنوي لـ AIPAC في واشنطن 2016 تجنب اللقاءات مع المرشحين .

في اواخر سبتمبر 2016 أي قبل سبعة أسابيع من الانتخابات حضر نتنياهو الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة . استغل كوشنر هذه الزيارة و اقترح على ديرمر أن يجتمع نتنياهو مع ترامب خلال زيارته ، اعتقادا منه بأن مثل هذا الحدث المرئي سيساعد على تنشيط الناخبين المسيحيين الإنجيليين و اعطاء اصواتهم لترامب . نتنياهو يتمتع بشعبية لدى المسيحيين الانجيليين . استغل نتنياهو هذا اللقاء و أثر بقوة على أجندة ترامب الاستراتيجية الشرق اوسطية .

مع خروج أوباما من البيت الأبيض ، ركز نتنياهو جهوده لدفع فريق ترامب تبني استراتيجية جديدة لتحويل اتجاه السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط الى تعزيز موقع إسرائيل القيادي . قد اوضح نتنياهو لكلينتون أنه يريد دعم الرئيس المقبل في تقوية العلاقات السرية التي بينه و  بين المملكة العربية السعودية و الامارات العربية المتحدة و نقل هذه العلاقات من السرية الى العلنية لمحاربة إيران . التي تدعم حزب الله في لبنان و حماس في غزة و انصار الله في اليمن و الاستفادة من الوضع في العراق و الحرب في سوريا . تشجيع الدول العربية الى اتخاذ خطوات نحو الاعتراف باسرائيل ، في مقابل تحسين اسرائيل لحياة الفلسطينيين اقتصاديا . على هذا الاساس قدمت الصهيونية الانجلو – سكسونية الأمريكية مشروع ” صفقة القرن ” . نتنياهو يرى ممكن تطبيق هذا المشروع من خلال تطبيق استراتيجية الردع و النصر المرتبطة بمنهج فلاديمير جابوتنسكي ( 1880 – 1940 ) القيادي في الحركة الصهيونية . عمليا الان يتبعها نتنياهو و ترامب و كوشنير و الحركة الصهيونية . تؤكد الصهيونية فعالية استراتيجية الردع و النصر . حسب ما يقولون تغيرت الايديولوجيات و التكتيكات و الاستراتيجيات و الموظفون ، وجاءت الحروب و المعاهدات ، لكن الرفض الفلسطيني لدولة إسرائيل ظل ثابتا .  رغم مرور الفترة الطويلة من 1918 – 1993 يوم وقعت إسرائيل و منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقية أوسلو 1 لم يتغير شيئ . من خلال دراساتهم للتاريخ ان الحروب لا تنتهي من خلال المفاوضات بل من خلال الهزيمة و النصر . وفقا لما كتبه المؤرخ العسكري فيكتور ديفيس هانسون ” تصبح النزاعات على مدار التاريخ متسلسلة عندما لا يهزم العدو تماما و لا يجبر على الخضوع للظروف السياسية للمنتصر ” . الهزيمة تعني التخلي عن طموحات الحرب و التخلي عن المبادئ الأساسية. النصر يعني فرض إرادة الشخص بنجاح على العدو . هذه التكتيكات الصارمة تتبعها حكومة نتنياهو ، يعني سياسة كسر الرفض و تشجيع القبول الفلسطيني لإسرائيل ، الاعتراف بالتاريخ اليهودي للقدس و التخلي عن المقاومة بكل اشكالها . و هذا لن يتم كما يرى نتنياهو الا بعد ان يعاني الفلسطينيين مرارة الهزيمة مع ما يصاحبها من حرمان و تدمير و يأس ، مثل ما حصل للدولة الاسلامية في ” أيبيريا الاسلامية ” الاندلس . الان كما يعتقد نتنياهو مناقشة قضايا مثل القدس و الحدود و الموارد و حل الدولتين عبث في الوقت الحالي ، يعني ذلك مطالبة إسرائيل بتقوية عدوها – الفلسطينيين ، لكن سيكون له معنى جيد بعد هزيمة الفلسطينيين . لكن الوجود الايراني في العراق و سوريا و لبنان وغزة و اليمن يعيق تلك الجهود التي يبذلها نتنياهو و اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة لتركيع الفلسطينيين . هذه المناطق التي تتواجد فيها إيران تحولت الى نقاط انطلاق للعمليات العسكرية ضد إسرائيل و منصات ابراز القوة في بلاد المشرق العربي . ماذا تريد دول مجلس التعاون الخليجي من معادات الجمهورية الاسلامية الايرانية ، تسليم ” أيبيريا الاسلامية ” المعاصرة فلسطين . مكائد القصور في الاندلس حينها ساعدت المسيحيين على تحقيق أغراضهم ، و مكائد قصور مجلس دول التعاون الخليجي الان تسعى لتسليم القدس – فلسطين . و هذا لم يتم بأذن الله . سوف تشتعل المنطقة من افغانستان طالبان الى مصر الاخوان و من اليمن الانصار ( انصار الله ) الى حزب الله في الشام . ستبقى فلسطين حرة و الشام ابية .

                        أبكِ مثل النساء مُلْكاً مضاعاً لم تحافِظ عليه مثل الرجال

      (سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله)

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here