دكتور حبيب حسن اللولب: الهوية المغاربية بين التأسيس والتأصيل والإقصاء: البلاد التونسية نموذجا

 

دكتور حبيب حسن اللولب

المقدمة

التطرق  ودراسة  موضوع  الهوية المغاربية بالبلاد التونسية ، يحتاج إلى وقفة تأمل وتدبر ومزاولة التفكير في مسألة الهوية المغاربية وإعادة تفكير في عناصر تشكلها التاريخية والجغرافية ، ودورها في تطوير مفهوم المقاربة ومخرجاتها، والتي مرت بثلاث مراحل الفرنسة والتونسة والمغربة وفي الواقع  يعتبر من المواضيع الراهنية، وجزء من الفكر السياسي المعاصر،وقد مرت بعدة مراحل من التشكل والانصهار والانبعاث، خلال فترة التاريخية (القديم والوسيط والحديث والمعاصر)، وهو في حركية دائمة بين المد والجزر.

  ظهر مصطلح الهوية بالمنطقة المغاربية، كرد فعل على سياسة الاستلاب الثقافي والديني والسياسي التي طبقتها الحماية الفرنسية بتونس، وتداولاته النخب التونسية بعد الحرب العالمية الأولى و الثانية، وخلال فترة النضال المشترك للحركات الوطنية والمغاربية (تونس والجزائر والمغرب) ضد الاحتلال الفرنسي ،ونلمس ذلك في الخطوات التالية، مثل تأسيس الأحزاب والمكاتب المشتركة بالمشرق العربي وارويا، وقد اهتمت بها الدولة الوطنية بعد استرجاع الاستقلال التونسي في مارس 1956 ، وجسدت البعد المغاربي في شقيه السياسي والثقافي والقانوني بتنظيم  الندوات و المؤتمرات والأول  بتونس أكتوبر 1956(بتونس العاصمة)، والثاني بطنجة (المغرب) في أفريل 1958، وتطور الأمر إلى تدوينها في الدستور التونسي لسنة1959 وفي التنقيحات والتعديلات سنتي 1976 و 2014 ، وتداعمت أيضا بكتابات العديد من السياسيين والمفكرين والمصلحين ،من أمثال الأستاذ علي باش حامبة والأستاذ البشير صفر والأستاذ محمد باش حامبة والشيخ عبد العزيز الثعالبي والأستاذ الحبيب بورقيبة والأستاذ علي البلهوان والأستاذ محمد مزالي والأستاذ البشير بن سلامة والدكتور محمد المنصف المرزوقي وغيرهم ،وتوجت  كل هذه الاجراءت والجهود، بالمشاركة في تأسيس الاتحاد المغرب العربي بمراكش- المغرب سنة 1989.

  من هذا المنطلق نتساءل ، فما هي رؤيتهم ومقاربتهم ومخرجاتهم للهوية المغاربية ؟ وما مدى تطورها ؟ وما نتائجها؟ وهذه الأسئلة وغيرها سنتناولها بالتحليل والدراسة والاستقراء خلال الدراسة، واتبعت منهج تحقيب المرحلة وقسمتها إلى ثلاث مراحل (الأولى المقاومة الثقافية والثانية الجمهورية الأولى والثالثة الجمهورية الثانية) ، وبناء على  ذلك تطورت الهوية بتونس من الفرنسة إلى التونسة والمغربة .

 وانطلقت في هذه الدراسة بتعريف الهوية للفيلسوف ابن سينا، قائلا : “هي معرفة الذات بالذات” ، والإقرار بمبدأ الهوية وارتباطاتها بالتاريخ والمجتمع وجغرافيا، كل هذا يقودنا الإقرار بمبدأ التنوع والتعديدية ،على اعتبار إن التاريخ دائم المد والجزر، وقائم على الانصهار وإعادة البناء والتهجين ،والهوية في البلاد التونسية انصهرت عبر مراحل التاريخية، وتبلورت وتشكلت في هذه الحلة الجديدة .

1 – مرحلة المقاومة الثقافية (1881-1956) :

 ساهمت الهوية والمتمثلة في (اللغة العربية والدين الإسلامي) خلال مرحلة النضال الوطني (العسكري والسياسي والثقافي) ، في زيادة اللحمة المجتمعية داخل النسيج التونسي، وتوجت بمقاومة سياسة الاستلاب الثقافي والديني والإقصاء السياسي في المشاركة في الشأن العام  بعد فرض الحماية الفرنسية في 12 ماي 1881 على البلاد التونسية، وكرد على ادعاءات الدولة الفرنسية بهتانا وزورا بأنها جاءت برسالة التمدين والتحضير والتحديث للمجتمع التونسي، ولكن الواقع على النقيض ويختلف شكلا ومضمونا ، وقد شرعت في إعادة بناء وصياغة هوية جديدة لتونس، مستلهمة من التاريخ القديم الروماني والبيزنطي، ومستعينة بالبعثات الاستكشافية وعلماء الاجتماع والانتروبولوجيا والمستشرقين ورجال الدين، وتمثلت مهمتهم في صياغة خطة  لمحاربة وضرب الهوية والمتمثلة في الدين الإسلامي واللغة العربية، ومحاولة اجتثاثها واقتلاعها من جذورها ،ونلمس ذلك من الإستراتجية المتبعة وبنيت على الثلاثية الأبعاد عنوانها التمسيح والفرنسة والإقصاء ولإنجاحها دعمت بترسانة من القوانين والقرارات الجائرة ، مثل قانون التجنيس سنة 1923 ،ونحت تمثال للكاردينال لافيجر ونصبه بتونس العاصمة رافعا لصليب والإنجيل سنة 1925، وتنظيم المؤتمر الأفخارستي قرطاج تونس سنة 1930 .

وفي خضم هذه التطورات والأحداث ،التي فرضت على النخبة التونسية إعادة قراءة المشهد السياسي والثقافي الجديد وصياغته برؤية وحكمة ،وإعداد  خطة وإستراتيجية للمقاومة، بتوحيد وتنظيم صفوفها ،للتصدي لسلوكياتها العدوانية الفرنسية، والمخالفة لاتفاقيتي وبرتوكولي بارود والمرسى ، كل هذه الإرهاصات ساهمت بتشكل التيار الإصلاحي، والذي أسس جريدة الحاضرة سنة 1888 لتبليغ أفكاره ،وتطورت سنة 1907 إلى حركة الشباب التونسي ،وتداعمت بجريدة التونسي الناطقة بالعربية والتونيزيان بالفرنسية ،ولعب كل من الأستاذ البشير صفر علي باش حامبة  دور حيوي واستراتيجي في هذه المقاومة  .

وفي ظل سياسة الإرهاب والإقصاء والنفي للزعماء والقادة إلى خارج  تونس، بعد أحداث التراموي سنة 1912، وانتقال النضال والعمل السياسي إلى أوروبا والمشرق العربي والإسلامي،  وتمثل في تأسيس على باش حامبة بالأستانة بتركيا، لجنة تحرير المغرب العربي ،والتي لعبت دورا هام في التعريف بالقضية التونسية والجزائرية ،وتداعمت أيضا بتأسيس محمد باش حامبة  بسويسرا ،الهيئة الجزائرية التونسيّة بالاشتراك مع جزائريين وتونسيين، ومجلة المغرب العربي النّاطقة بالفرنسية للدفاع عن قضايا الشعب التونسي والجزائري والمغرب العربي عامة ،وتأليف كتاب الشعب الجزائري- التونسي وفرنسا سنة 1917 ،وتوجيه مذكّرة في شهر جانفي 1919 إلى مؤتمر السّلام بفرساي للمطالبة  باستقلال تونس والجزائر، وبرقيّة باسم الهيئة نفسها إلى رئيس الولايات المتّحدة الأمريكية توماس وودرو ويلسون ،الذي نادى بحقّ الشّعوب في تقرير مصيرها بنفسها، طالبا منه تمكين مندوبين شرعيّين من حضور مؤتمر فرساي باسم الشعب التونسي – الجزائري ،الذي أريقت دماءه في سبيل تحرير الشعوب، وساندت هذه الجهود كل من الشيخ عبد العزيز الثعالبي والشيخ محي الدين القليبي والأستاذ الحبيب بورقيبة، والعديد من الزعماء والمصلحين، ببث الوعي وتفعيله عبر الصحف والجرائد والمحاضرات وتفنيد ودحض الادعاءات والافتراءات الفرنسية  .

كل هذه الجهود، ساهمت في تشكل وتبلور البعد والانتماء المغاربي لدى النخب التونسية ،وخاصة الطلبة التونسيين الدراسيين في مدرسة الصادقية وفي مؤسسة جامع الزيتونة والجامعات الفرنسية، كرد فعل على سياسية التمسيح والاستلاب الثقافي والفرنسة والتجهيل و أخذت على عاتقها الدفاع على الهوية وترسيخها، من خلال تأسيس حركة الشباب التونسي سنة 1907 ونتلمس دور النخبة وبعدها المغاربي أيضا خلال الحرب الطرابلسية- الايطالية سنة 1911 بدعمها مؤزرتها للشعب الليبي على كافة المستويات وبتأسيس حزب الحر الدستوري التونسي سنة 1920، ونجم شمال إفريقيا سنة1927 بباريس، بمشاركة تونسيين وجزائريين ومغاربة، وتواصل الاهتمام بها بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبح مصطلح الهوية يتداول بكثرة  بين النخب، وأصبحت المنطقة المغاربية بعد دخول الفرنسيين تعرف باسمين ، والأول شمال إفريقيا أطلقه الفرنسيين على المنطقة والثاني المغرب العربي أطلقته النخبة المغاربية ، وتواصل الحراك والمقاومة الثقافية والسياسية وتجسد بتأسيس مكتب المغرب العربي بالقاهرة سنة 1947 ،وقد أصبحت المشاركة في المؤتمرات والندوات تتم  بصفة جماعية للأحزاب المغاربية ، وكانت الوحدة موجها أساسيا للفكر التحرري وتشكل الهوية المغاربية.

ونستخلص مما سبق ذكره، بان النخبة التونسية لعبت دور هام وحيوي خلال مرحلة النضال الوطني ،في التصدي للمشاريع الفرنسية والمحافظة على الهوية العربية الإسلامية ،من خلال نشر الوعي وتفعيله والكتابة في الجرائد والتعليم في الزيتونة والصادقية، وتوجت هذه الجهود  في مارس 1956 باسترجاع الاستقلال الوطني، بهوية مفخخة ملتبسة ومقيدة بملاحق سرية ،لم نعرف إلى حد الساعة محتواها وبنودها ،ومازالت امتداداتها وأثارها السلبية مترسخة في المنطقة المغاربية .

 2-مرحلة الجمهورية الأولى: الترميم وإعادة الاعتبار واحتكار الهوية (1956-2010)

1- 2 -فترة الأولى الرئيس الحبيب بورقيبة (1956-1987)

تأسست الدولة الوطنية والجمهورية الأولى ،بزعامة الحبيب بورقيبة وحاولت إعادة الاعتبار للهوية ترميم وإصلاح ،ما خربته الحماية الفرنسية خلال فترة تواجدها بتونس من (1881-1956) ، والتي تميزت بالتمسيح والاستلاب الثقافي من خلال الفرنسة ،وفي غضون ذلك  رسمت خطة لمحو هذه الآثار واتخذت عدة إجراءات وقرارات بناءة ،للترميم والتصحيح تمثلت في إزاحة تمثال  الكاردينال لافيجري من وسط تونس العاصمة، وتحويل الكنائس إلى مكتبات عمومية ومسارح ومعتمديات وإدارات، وتداعمت بوضع تمثلين نصفيين، لكل من القائد القرطاجي حنبعل والقائد النوميدي يوغرطة وراء مكتب الرئيس الحبيب بورقيبة بقصر الرئاسي بقرطاج ، يرمي من وراء ذلك إلى تمسك وتصالح الجمهورية التونسية مع تراثها وجذورها التاريخية المتمثلة قي البربرية و الامازيغية  والعربية، والملاحظ بان الدولة التونسية اعترفت بالعمق الحضاري دون التصديق على مكوناته ومخرجاته مما ترتب عنه صياغة مشروع متلبس، ساهم في انقسام النخبة التونسية إلى ثلاث تيارات فكرية بخلفيات سياسية وثقافية مختلفة :

1) التيار الأول يدعو إلى التونسة ،يمثله جزء من الوطنيين بزعامة الحبيب بورقيبة.         2) التيار الثاني يدعو إلى الفرنسة، يمثله الفرانكفونيين وتدعمه كل من المنظمة الدولية للفرانكفونية وفرنسا.

 3) التيار الثالث يدعو إلى العروبة والمغربة والتعريب، يمثله الزيتونيين وصالح بن يوسف ، والذي دعا سنة 1955 إلى مغربة النضال والكفاح والمقاومة، إثناء اندلاع الثورة الجزائرية، ويوسف الرويسي وجزء أخر من الوطنيين .

وفي هذا المجال أيضا ، تمت معاضدة مجهود الدولة من قبل  العديد السياسيين والمفكرين بتناولهم لمشروع  الهوية ، بالشرح والتنظير وكاتبة الأبحاث والمقالات والدراسات ،ونشرها في الجرائد والمجلات والكتب ، مثل الحبيب بورقيبة وعلي البلهوان ومحمد مزالي والبشير بن سلامة وغيرهم ، والبعد المغاربي للتونسيين نتلمسه أيضا خلال الثورة الجزائرية (1954-1962) ،والتي دعمت على كافة المستويات، وجسدت الدولة الوطنية التونسية البعد المغاربي ،على ارض الواقع منذ استرجاعها للاستقلال في سياستها الخارجية ، بتنظيم مؤتمر سياسي بتونس في أكتوبر 1956 ،بمشاركة كل من الحكومة التونسية ممثلة في الرئيس الحبيب بورقيبة، والمملكة المغربية ممثلة في العاهل المغربي الملك محمد الخامس ، وجبهة التحرير الجزائرية ممثلة عبد الحميد مهري بعد اختطاف القادة الجزائريين في اكتوبر1956 وتوجت باقتراح مشروع  لكفدرالية شمال إفريقيا ،يضم كل من تونس والجزائر والمغرب، كخطوة أولى لتوحيد المنطقة المغاربية .

وفي غضون ذلك ، تداعمت هذه الجهود ،بمبادرة المجتمع المدني المغاربي ،بتنظيم مؤتمر مغاربي أخر للأحزاب المغاربية ، بمدينة طنجة بالمغرب في أفريل 1958 ، شارك  فيه كل من حزب الدستوري التونسي الجديد وحزب الاستقلال المغربي وحزب جبهة التحرير الجزائرية ، وكانت تطمح إلى تأسيس وبناء الوحدة المغاربية ،ونتلمس أيضا البعد المغاربي للجمهورية التونسية في الخطوات التي قامت بها والمتمثلة في دسترتة في أول دستور جوان 1959 حيث أورد المشرع القانوني النص التالي “تعلق الشعب التونسي بتعاليم الإسلام وبوحدة المغرب العربي وبانتمائه للأسرة العربية وبالتعاون مع الشعوب الإفريقية” ،ولقد عرف دستور سنة 1959 تنقيح في  18افريل ،1976ونص على ما يلي “الجمهورية التونسية جزء من المغرب العربي الكبير يعمل لوحدته في نطاق المصلحة المشتركةّ “.

 بالإضافة إلى ذلك ، تدعم هذا المسعى خلال تولي الأستاذ محمد مزالي الإشراف على وزارة التربية ثم الوزارة الأولى، اصدر عدة قرارات حكومية، نصت على الشروع في تعريب التعليم والإدارة ، لتكميل النقص وإعادة الاعتبار للهوية من خلال اللغة العربية،  وكان من المدافعين والمؤمنين بمشروع الوحدة والهوية المغاربية وعاملا على تجسيدها وتطبيقها على ارض الواقع من خلال مجلة الفكر.

وبالرغم من كل ذلك ،بقيت الهوية لدى النخب والحكومة التونسية بين المراوحة والمد والجذب ، واحتكرتها الدولة الوطنية، وجعلتها تحت الطلب ومناسبتيه ،وفي غضون ذلك قامت النخبة الزيتونية والصادقية بدور كبير في ترسيخ والمحافظة على الهوية اللغة والدين وتحصين الشباب التونسي من التطرف والغلو، ولكن بموت وانقراض هذه النخبة ومغادرتها الساحة السياسة والعلمية والتربوية ،ستعرف البلاد التونسية التصحر الثقافي والتكلس الفكري والتطرف ، خلال فترة حكم  الرئيس زين العابدين بن علي وزيادة على ضغط التيار الفرانكفوني المتموقع في دواليب ومؤسسات الدولة التونسية والمعادي للهوية المغاربية  .

2- 2 -فترة الثانية الرئيس زين العابدين بن علي  (1987-2011)

تولي الرئيس زين العابدين بن علي الحكم في نوفمبر1987، وواصل  سياسة الترميم وإعادة ورد الاعتبار والاحتكار للهوية، خلال فترة حكمه، ونلمس ذلك من خلال اتخاذه لعدة قرارات وإجراءات بناءة ،تمثلت في إحداث وزارة للشؤون الدينية وزيادة عدد كتاتيب القرآنية، وتعريب التعليم والإدارة ،وبعث إذاعة دينية تحت اسم الزيتونة للقران الكريم، لتوعية الشباب وتحصينه من التطرف وإعادة بناء الهوية الدينية المعتدلة، وبالإضافة إلى ذلك طبعت مصحف الجمهورية التونسية للقران الكريم، وشيدت جامع العابدين بقرطاج مقابل الكنيسة، وهو معلم متميّز بهندسته وموقعه وتجسيده للطابع التونسي المالكي وجمعه بين الأصالة والحداثة.

أليس هذا فقط بل تداعمت بمشاركة الحكومة التونسية في تأسيس الاتحاد المغرب العربي بمراكش في 17 فيفري 1989 ،و قامت بدستراتها في الدستور التونسي ،وقد مثل حدث هام في بعده المغاربي والى جانب ذلك طبق سياسة تجفيف منابع الإرهاب التي أضعفت الهوية ، وانتهت فترة زين العابدين بن علي (1987-2010) ،بهروبه إلى المملكة العربية السعودية ،وسقوط نظام حكمه والجمهورية الأولى،  وبالرغم من  كل الإجراءات والقراءات والقوانين المتخذة خلال فترة حكمه  لم تحسم في مشروع الهوية ،بسب صراع النخبة وتياراتها الفكرية ،وفشلت الدولة الوطنية في تأسيس الهوية وتأصيلها وتجذيرها، بل بقيت بين التأسيس والإقصاء، وبين التونسه والفرنسة، وهذا الانقسام في التوجهات والمخرجات ، كانت له نتائج سلبية باهظة الثمن على المجتمع  والدولة والشباب والهوية والمنظومة التربوية، ومرده إلى سياسية الدولة التي كانت بين المد والجذب وتعطي باليمين وتأخذ باليسار،وتجفيف منابع الدين ، وانتهاج سياسية التعريب ثم التراجع عنها والعودة إلى الفرنسة وخاصة خلال فترة  تولى محمد الشرفي الإشراف على وزارة  التربية والتعليم العالي، قام بإصلاحات تمثلت في تفريغ مادة التربية الإسلاميَّة من محتوياتها في مسألة العقائد ومسألة التشريعات والتركيز على تحويلها إلى مادة للتفكير الإسلامي وثقافة الاجتهاد والتجديد، وساهمت هذه السياسة في التصحر الثقافي والديني وتكلس الفكري، وتذبذب الشباب التونسي وجنوحه للتطرف والمغالاة من اليمين واليسار ، والانضمام للحركات المتطرفة الإرهابية ، وقدرت الإحصاءات، عددهم بأكثر من ست الألف شاب، وقد تداركت الحكومة التونسية الأمر بإجراءات العاجلة ،وقرارات تمثلت في منع الشباب من السفر ، كل هذا كان بسبب السياسة السابقة التي أنتجت الالتباس والمغالاة في فهم الهوية والإصلاحات خاطئة والملتبسة ،والى جانب تدخلات أطراف خارجية ودولية ،وعلى رأسهم المنظمة الدولية للفرانكفونية ، وملاحق السرية لاتفاقية استقلال ،وما يمكن أن تستخلصه من هذه المرحلة فشل سياسة الترقيع والترميم  والمصالحة في إعادة الاعتبار ،وبقيت الهوية تحت المزاج والاحتكار وصراع  بين النخب تارة  وبين الجذب والمد ومناسبتيه  تارة أخرى ،ولم تفلح إجراءات وقرارات المتخذة من قبل الدولة في إعادة الاعتبار لها، وفشلت في صياغة مشروع وخريطة طريق واضحة المعالم والأسس، بل حولتها إلى الجمهورية الثانية التي وجدت بيئة ملغمة ومفخخة وغير قادرة على الحسم .

3- مرحلة الجمهورية الثانية:  المصالحة وإعادة الاعتبار (2011-2019) :

 وجدت الجمهورية الثانية الهوية في حاجة لمراجعة القرارات السابقة وإنهاء احتكار الدولة والوصاية على الهوية ، وهي تعتبر مرحلة المصالحة وإعادة الاعتبار لها، ودخول المجتمع المدني التونسي كطرف فاعل لصياغة مشروع الهوية ، ومثلت مبادرة الدكتور محمد المنصف المرزوقي الرئيس السابق وطرحه للنقاط الخمس أو الحريات الخمس(حرية التنقل والاستقرار والعمل والملكية والمشاركة في الانتخابات) والأقلمة تعميق الخيار الديمقراطي من ابرز المبادرات التي طرحت على الساحة التونسية .

وتجسد  البعد المغاربي في دستور 2014 حيث ورد المشرع في التوطئه : “بناء على منزلة  الإنسان كائنا مكرما وتوثيقا لانتمائنا الثقافي والحضاري للأمة العربية والإسلامية وانطلاقا من الوحدة الوطنية القائمة على المواطنة والأخوة والتكامل والعدالة الاجتماعية ودعما للوحدة المغاربية باعتبارها خطوة نحو تحقيق الوحدة العربية والتكامل مع الشعوب الإسلامية والشعوب الإفريقية ” .

و تداعمت بالفصل الخامس من الدستور بما يلي:” الجمهوري التونسية جزء من المغرب العربي يعمل على تحقيق وحدته وتتخذ كافة التدابير لتجسيمها “، وأصبح المجتمع المدني التونسي طرف فاعلا في الهوية، وقدم القراءات والمقاربات ،من أمثال عبد الجليل التميمي والمنصف وناس والمهدي المبروك وخالد شوكت وحبيب حسن اللولب وغيرهم من الأساتذة التونسيين .

والملاحظ بان الهوية ارتبطت بمقومين أساسين، واعتبارهما المحددين المركزين  لها ، وعلى ضوء ذلك  تطورت المفاهيم وأفضت إلى تطورات عميقة في بنية الفكر الإنساني ،وبروز الجيل الثالث من الحقوق الفردية والجماعية ،واعتلاء مفاهيم جديدة كالعدالة والمساواة في منصة النقاش الكوني، وإعادة رسم خريطة الجغرافيا الهوياتية، ضمن مقاربة الديمقراطية وحقوق الإنسان، والنخبة التونسية مدعوة إلى صياغة مشروع وخريطة طريق للهوية المغاربية متكيفة مع المفاهيم الكونية ومتجذرة في أصولها وعمقها التاريخي والجغرافي ،والهوية في حاجة إلى التصحيح والمراجعة والمصالحة ومخرجات جديدة ، وقد طرحت مسالة اللغة الامازيغية  بتونس بعد الثورة التونسية 2011 ولابد من الإقرار بتشكلها من ثلاثية عناصر وأبعاد (الامازيغي والعربي والإفريقي) وبثنائية اللغة( العربية والامازيغية ) ومصالحة هذه الأبعاد والعناصر واعتبارها مكملة لبعضها والبعض .

و في نفس الوقت ، التأكيد على اللغة الامازيغية التي تتكون من عدة لهجات وتوجد في تونس لهجة الشلحة والعمل على كتابة لغة امازيغية موحدة لكل بلدان المغاربية من قيل علماء اللغة واللسانيات  واعتبارها موروث ورافد  ثقافي مشترك للمنطقة المغاربية، وإبعادها عن كل توظيف السياسي والأيديولوجي، ليس هذا فقط بل لابد من تقريبها وتبسيطها من العناصر ثلاث المشكلة لمكونات المنطقة المغاربية الامازيغي والعربي والإفريقي، ولكن يبقى الإشكال المطروح اليوم وحاجزا دون تطورها ، إشكالية الحرف الذي ستكتب اللغة الامازيغية، للمساهمة في إشعاعها وانتشارها وديمومتها ،وفي هذا الإطار في ظل الانقسام والاختلاف طرحت ثلاث خيارات لكتابتها والأول المتمثل في الحرف التيفيناغ والثاني الحرف اللاتيني والثالث الحرف العربي وفي هذه الحالة لابد من الاستفادة من التجارب الإنسانية والأمم السابقة ، مثل الإيرانية والتركية والباكستانية وأفغانستانية والكردية وغيرها من القوميات الإثنيات، التي أعطت للغاتهم بعدها الحضاري وكتبتها بالحرف العربي ، ولما لا تستانس البلدان المغاربية بهذه الفرضية والمعطى بحكم التشابه والتقارب معهم والعلاقات التاريخية المتجذرة عبر التاريخ بين الشرق والمغرب منذ قرطاج ،وإقرار بان اللغة العربية هي مكسب وارث حضاري ،ساهمت فيها كل الشعوب الإسلامية دون استثناء من بينها الاثنية البربرية الامازيغية في تطويرها ،ومما يسهل كتابة اللغة الامازيغية بالحرف العربي ،ولماذا لا يقع الاحتكام إلى دساتير التي تجيز استفتاء للشعوب المغاربية ،حول الحرف الذي تكتب به اللغة الامازيغية، والى متى يبقى المستعمر السابق  فرنسا والنخب ،وصية على الشعوب والدول المغاربية، والملاحظ بان المنطقة  المغاربية بلغت سن الرشد، وترفض الوصاية  شكلا ومضمونا .

 والى جانب ذلك لابد ،من إعادة الاعتبار للجانب الجغرافي بتفعيل مؤسسة الاتحاد المغرب العربي وتعديل تسميتها ومصالحتها مع الإثنيات وجغرافيا ،إلى اتحاد المغاربي أو اتحاد المغرب الكبير وترسيخ  فيها الخيار الديمقراطي أي دمقراطة، وتدوير منصب الأمانة العامة ،والتركيز على العامل الاقتصادي، للوصول إلى دولة المواطنة وترسيخها ،وتأصيل فيها مفهوم الأمة المغاربية أسوة بالأمم الأخرى.

خاتمة

 وفي الختام ، لابد من تعميق الوعي لدى التونسيين وتحسسيهم بالمصير المغاربي المشترك ، وتثمين كل الأواصر التي تشدنا إلى الماضي والجغرافيا والتاريخ المجيد والتراث الامازيغي والعربي ،باعتماد إستراتيجية وخطة واضحة المعالم ،وبناء ركائز وأسس المواطنة المسئولة، والاعتراف بشكل واضح بالتنوع الثقافي والأثني، كعنصر ناظم للهوية المغاربية وتوظيفها في إطار البناء والأعمار ،بعيدا الأنانية المفرطة والنرجسة والإقصاء والاستقطاب، وان تكون شعار المرحلة التصالح والتعايش والتوافق، وتطوير اللغة الامازيغية مرافقتها في كافة المراحل ومصالحة المكونات الاثنية واللغوية وبالإضافة إلى دور محوري الذي لابد تقوم به وتلعبه النخب التونسية عبر المدرسة والجامعة ، ومن خلال البرامج والكتب المدرسية والجامعية والأطروحات ، ووسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية ،وشبكات التواصل الاجتماعي ،والسينما والمسرح والأفلام الوثائقية ،لترسيخ مفهوم الهوية المغاربية ومصالحتها مع عناصرها وأبعادها وجغرافيتها ورفع عنها كل الالتباس وإبعادها عن كل تسييس وأدلجة والاستقطاب واحتكار ،وتعيش المنطقة في مغرب كبير ديمقراطي موحد متصالح مع نفسه وبيئته لا إقصاء فيه.

رئيس جمعية  البحوث والدراسات من

اجل اتحاد المغرب العربي

وأستاذ التاريخ الحديث والمعاصر

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. سؤال الهوية بدا منذ مءات السنين، منذ الممالك الامازيغية، كان الرومان يسمون ايرومين، والعرب اسرغين، وكلهم اجانب

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here