دكتورة خديجة صبار: هل حقق المخطط الصهيو – غربي هدفه في المشرق العربي ليتوجه إلى الشق المغاربي انطلاقا من ليبيا؟ عن جنون التطبيع مع الكيان الصهيوني ورحاه التي لا تتوقف عن الدوران في المغرب.. يتحدث كتاب بيبيو ! الخراب على الباب للدكتور أحمد ويحمان؟

دكتورة خديجة صبار

بين دفتي هذا الكتاب صرخة تكشف عن تفاصيل مشروع تخريبي يستهدف المغرب. وبنك أهداف هذا المشروع يتمثل في الإسلام والعروبة والدولة، بما هي جميعها مقومات للوحدة والتوحيد، والسدى المعزز ل اللحمة الرابطة بين المغاربة في وطنهم، وبينهم وأشقائهم في بوتقة الوطن الكبير من المحيط إلى الخليج. و”بيبيو” كلمة أمازيغية تعني الصرخة التي يطلقها الإنسان، حينما يكون إزاء خطر داهم وماحق. ويتعلق هنا بتلغيم العرى الفكرية والثقافية بين مكونات الأمة؛ فبعد اضطرار جيش الحرب الصهيوني للانسحاب من جنوب لبنان عام 2000،  ثم من غزة عام 2005، اتضح إفلاس النظرية المؤسسة للإستراتيجية الصهيونية المعروفة بنظرية “قضم الأطراف” والتوسع في الاحتلال، التي وضعها مؤسس الكيان، وتم تعويضها بنظرية “الأقطاب الأربعة” في أفق إسرائيل الكبرى. وسنتعرض للاتجاه العام للكتاب بعد تمهيد موجز.

منذ أمد بعيد دغدغ الشرق مخيلة الغرب. وشعر مسؤولوه منذ حملة السويس أن الأساليب التي سار عليها ساستهم قد عادت على شعوبهم بالوباء: فالأزمة التي حلت بالصناعة الأوربية، وتوقف البترول العربي بعد نسف الأنابيب عام 1956، وتعطيل قناة السويس عندما احتلت القومية العربية اهتمام القادة آنذاك، وتبوأت مكانا مرموقا في المحافل الدولية، أفهمت كل أوربي كيفما كان مستوى ثقافته، مدى ارتباط الاقتصاد الغربي بأرض العرب التي تملك من القوى الروحية المنبثقة عن الإسلام، وحيث يكمن القسط الأكبر من احتياطي الذهب الأسود في العالم، والإمكانات المنبعثة من أحواض البترول التي لا تنضب، لهذا السبب بادر كتاب الغرب، لاسيما المتخصصون في العلوم السياسية والاقتصادية والتاريخية إلى الاهتمام بأحوال البلاد العربية، عبر تحليلات منطقية وإحصاءات دقيقة لتوسيع ثقافة شعوبهم وكغذاء فكري لها. ولو لم تكن المنطقة تزود الغرب بحاجاته من هذه المادة الهامة التي تدير محركاته وتدفئ بيوته لما اهتم بها. وغدت هذه المادة الهامة مسكونة بالمفارقة، فبقدر ما تزيد مواقع الغرب ثباتا، لا تترك للعرب  سوى الفرقة والهزيمة، النفط والغاز أشد الكوارث وتضارب مصالح المحاور.

مغاربة ضد التطبيع مع الاحتلال الصهيوني

أية أمة لا تعرف تاريخها لن تحسن صياغة مستقبلها. منذ الفتح العربي في العام 681هـ بقي المغرب بمنجاة عن الفتوحات، فالإمبراطورية العثمانية بقيت عند حدود الجزائر. لكنه ذاق من هول الاحتلال الذي كان جرحا عميقا في المجتمع المغتصب: رسا الأسبان والبرتغاليون في القرن الخامس عشر على الشواطئ وحصنوا المرافئ التي شكلت جسورا للتجارة وإفراغ الوطن من خيراته. وحين غيرت الثورة الصناعية في أوربا المعطيات، وظهرت الحاجة إلى المواد الأولية والأسواق غزا المال قبل السلاح أرض الوطن كما جرى في مصر وفي تونس، فطبق نظام الحماية على وطن لم يعرف الخضوع للأجنبي خلال ثلاثة عشر قرنا. وإذا نسينا للحظة الإذلال العميق الذي غمر الشعب بقبائله مجتمعة وكل طبقاته وإذا انتقصنا من قيمة جرحه الذي لا يبرأ يستحيل علينا أن نعرف تاريخ المغرب حتى يومنا هذا.

 في هذا السياق التاريخي غير البعيد عن المؤرخ والسوسيولوجي، أضع استهداف- رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع وكل من يدافع عن السيادة الوطنية- الذي قبع خلف قضبان السجن بالراشدية، في زنزانة انفرادية، بعد أن حكمت عليه غرفة الجنح بالمحكمة الابتدائية بشهر حبسا نافذا. والسبب محاولته منع شركة تمور إسرائيلية من المشاركة في معرض زراعي في مدينة أرفود المغربية، لتوجه له تهمة:”إهانة موظفين عموميين أثناء القيام بوظائفهم عبر التهديدات بقصد المساس بشرفهم، وعدم الاحترام الواجب لسلطتهم وتعنيفهم”، علما أنهم كانوا بزي مدني، ولم يقدموا أنفسهم على أنهم رجال سلطة ! هذا على المستوى التبسيطي، أما السبب الحقيقي فيتعلق بالكتاب السالف الذكر الذي كشف فيه الاختراق الصهيوني برصد نماذج من الاختراق المتنامي ورصد صور موضحة، وجعل منه سؤالا مفتوحا للدولة والمجتمع. الاختراق السياسي والدبلوماسي، والاختراق الاقتصادي المتغلغل على مستوى قطاع الفلاحة حيث اكتساح التجهيزات الزراعية كتقنيات السقي بالتنقيط والبذور والأدوية الصهيونية الأسواق على امتداد الوطن بالأخص حوض سوس. الاختراق الاستخباراتي المتجذر: وقائع تظهر تطور الظاهرة التطبيعية من التطبيع المجرد إلى التجنيد والعمالة المرتبطة بتكوين “مجموعات” تخضع لتداريب عسكرية وشبه عسكرية، في أكثر من منطقة داخل تراب الوطن، مصحوبة بتأطير إيديولوجي وفكري يرمي إلى تبني الأطروحة الصهيونية، ويعتمد على التمييز العرقي الذي يحاول الكيان الصهيوني إذكاءه لتمرير مخططه. وهذا ما فطن إليه المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، الذي استدعى وقوفه النضالي ونشاطه المناهض للتطبيع والفساد، وتتبع ما يحاك منذ مدة لينذر أن الوطن في خطر، ليشاع عن رئيس المرصد، وهو النضالي النزيه، ومن بربر الجبال، بأنه مصاب بالهلوسة ويجب إدخاله إلى مستشفى الأمراض العقلية، قبل أن يتم فضح اللعبة المعقدة  عبر ندوة صحفية نظمها المرصد المغربي لمناهضة التطبيع ومجموعة العمل الوطني من أجل فلسطين، لتنوير الرأي العام ومطالبة المسئولين بتقديم كافة المعطيات المتعلقة بالموضوع كما يلزمها الواجب الوطني، تلاها صدور كتاب “بيبيو !! الخراب على الباب”.

التكلفة الصفرية للتخريب وأدواتها

الكتاب وثيقة تكشف أن ما يحضر للمغرب والوطن العربي من تدمير وتخريب لا يختلف عما جرى ويجري في المشرق العربي بكل أقطاره بدءا من العراق فسوريا واليمن، وقبل ذلك تقسيم السودان، وزع بذور الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية، ونسج شبكات وخلايا التدمير النائمة في كل مكان، وعلى مستوى خريطة المشرق والمغرب، وحجم التغلغل الذي رصده الكتاب في العديد من الصفحات معززة بصور دالة مع ذكر بعض الأسماء. ومدى الاختراق المتجذر وفق مخططات مدروسة بإحكام، لا شيء فيها متروك للصدفة، يمارسه الكيان الصهيوني بنفس طويل عبر التواجد ألاستخباراتي منذ أمد بعيد، يكشف عنه قول رئيس الموساد الأسبق عاموس يادلين الذي يشغل منصب مدير الأمن القومي في الكيان، وهو يقدم إنجازاته وحصيلة عمله على رأس الاستخبارات العسكرية:” لقد أنهينا مؤخرا إنشاء شبكة من عملائنا في كل من تونس والجزائر والمغرب، جاهزة للتأثير والتخريب في أية لحظة،” بتكلفة صفرية (ص 113).

والتكلفة الصفرية تعني أن الغرب الإمبريالي لن يخسر شيئا في سياق هذا الجيل الجديد من الحروب: حروب “الجيل الرابع”، إذ تعمل المشاريع الاستعمارية الجديدة في مقدمتها المشاريع الصهيونية التوسعية على خلق دول فاشلة عبر مسلسل مترابط الحلقات لتسهل السيطرة عليها وإخضاعها لأي قرار تريده دولة الاحتلال منها ( ص125)، بالأخص المناطق ذات البعد الأمازيغي بالجنوب الشرقي المتسمة بالهشاشة، في مؤشر معبر عن طبيعة الأجندة الصهيو- دعائية لاختراق النسيج المجتمعي الهش وربطه بدوائر صهيونية في الكيان، وترويج كبسولات إعلامية وشعارات تمويهية مغلفة بالثقافة والانفتاح على الحضارات تستهدف المزاج العام للأجيال الشابة وشطب ذاكرتها الوطنية وربطها بالأهداف الصهيونية. وعمل العملاء محدد في عنصرين اثنين:

  • عنصر التأثير في الأشخاص والأحداث وفق ما يخدم المخططات الصهيونية في المناطق والمحلات والقطاعات التي تنشغل بها وتشتغل فيها المخابرات الصهيونية، أصالة أو بالوكالة لصالح حلفائها الأمريكان والغربيين بصفة عامة.

  • عنصر التخريب ويشمل كل من وما تحدده الأجهزة الاستخباراتية الصهيونية أهدافا لها يتطلب التدمير والتخريب، أشخاصا كانت هذه الأهداف أو علاقات أو مخططات أو مشاريع أو مبان.”(ص113)

مع غزو واحتلال العراق ظهر إعلام جديد على امتداد الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، ميز سياقات “الجيل الرابع” للحروب يؤطر المرحلة ومفاده: أن تترك عدوك يحارب نفسه بنفسه، باستخدام الطابور الخامس، وهي حروب الخونة والجواسيس، تتم باستخدام الصراعات الفكرية والدينية والمذهبية والقبلية والمناطقية والجهوية وتأجيجها، وكلها تمثل عودة للهويات الأصولية بأقوى صيغها. وقد أشرف بول بريمر مباشرة بعد تسليم مقاليد السلطة ببغداد ” كحاكم أمريكي” رئيس سلطة الاحتلال، إلى تغيير علم العراق بتبني راية بألوان الكيان الصهيوني: أبيض أزرق، وبعد ذلك ببضع سنوات تناولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي صورا لأعلام الكيان الصهيوني مغروسة بجزيرة سوقطرة اليمنية. وها أحد أطر حزب الليكود يغرس علم الكيان الصهيوني بالكتبان الرملية بمرزوكة بإقليم تافيلالت، وضابط سام يلف العلم الصهيوني عليه وهو يرقص بإحدى مقاهي تنجداد بالجنوب الشرقي المغربي!(ص 126).

أدوات التخريب الصهيونية

     هدف الصهاينة خلق صراع أيديولوجي كالصراعات الطائفة والعنصرية أو المذهبية، لشق الصف وزرع بذور الفتنة بين أبناء الوطن الواحد ليسهل لهم النفاذ إلى الأهداف وتحقيقها، فضلا عن انتقاء وتقريب بعض هذه الفئات إليهم لتقوم بعبء العمل وتنفيذ خططهم وأهدافهم. وعزل منطقة ما في الدولة المرصودة بحيث لا تكون خاضعة لسيطرة تلك الدولة، وتكوين جيل من أبنائها ليكونوا أداة قتل دون تفكير؛ وهو الجيش البديل عن جيوش دولة الاحتلال. والاعتماد على الشباب الأمي الجاهل العاطل وشحنهم بثقافة الكره والهدم والتدمير، وما أكثره في الأقطار العربية نتيجة السياسات المتبعة، وجلها يعيش اليوم كسادا اقتصاديا واحتقانا اجتماعيا وفسادا إداريا واحتجاجات تندد بالتفاوت الاجتماعي والإقصاء والتهميش والمحسوبية والاستبداد واستغلال النفوذ والإثراء غير المشروع، عوامل ناجمة عن الخيارات الاقتصادية والسياسية السائدة منذ الانقلاب على رهانات الاستقلال التي كانت تتوخى بناء الاقتصاد الوطني القائم على التصنيع للتحرر من التبعية للاقتصاد الاستعماري الغربي، والارتهان لشركاته المتعددة الجنسيات التي قررت إدامتها مصدرا للمواد الأولية لمعاملها وأسواقا استهلاكية لمنتجاتها.

سنوات الاستقلال لم تكن سوى مسلسل من الخيبة والخذلان، على المستوى السياسي الافتقار للمؤسسات الديمقراطية وعلى المستوى الاقتصادي فشل النماذج التنموية المتبعة. وهذا ما جعلها مرتعا لمظاهر التخلف من فقر وجهل وتفسخ ومرض وعطالة لحد الإجرام، مما يسهل تنفيذ المخططات من قبل شباب غير محصن: فقير محبط يائس، بلا أمل، وجاهز للارتباط بأدوات الاختراق الصهيوني لتخريب النسيج المجتمعي من بوابة الأمازيغية، مما يدل على أننا نحتاج إلى الوعي التاريخي. كثير من الأحداث التي نعيشها اليوم سبق أن مرت علينا وعايشنا ما يشبهها في السابق؛ يذكرنا هذا المخطط بالظهير البربري، وهو قانون أصدره الاحتلال الفرنسي بتاريخ 16مايو 1930 ويقضي بفصل إمازيغن عن العرب. و ينص على جعل إدارة المنطقة البربرية تحت سلطة الإدارة الاستعمارية، فيما تبقى المناطق العربية تحت سلطة “حكومة المخزن” والسلطان المغربي، وتم إنشاء محاكم على أساس العرف والعادة المحلية للبربر، وإحلال قانون العقوبات الفرنسي محل قانون العقوبات “الشريفي” المستند إلى الشريعة الإسلامية؛ ومن ثم يقوم هذا القانون بنوعين من العزل تجاه المناطق البربرية؛ أولهما عزل الإدارة السلطانية عنهم، وعزل الشريعة الإسلامية عن التقاضي بينهم، على اعتبار أن العادات والأعراف البربرية كانت سابقة على الإسلام! وألغي تعليم اللغة العربية في الكلية الوحيدة القائمة في مدينة أزرو بقصد الفرنسة. ولما كانت فرائض الدين الإسلامي تمارس بالعربية، فذلك يعني تهديدا للدين كرابط وجداني. غير أن قضية الظهير البربري أثارت الانفعالات في جميع أنحاء الوطن، وواجهها المغاربة بشهامة رجالا ونساء، بحملات اللطيف في جميع المساجد لتؤكد أن العرب والبربر مغاربة على قدم المساواة.

إفشال محاولات التطبيع

توالت عمليات أشكال التطبيع غير الرسمي في المغرب ولم تتوقف، وسنركز على البعض منها:

  • سنة 2000 أغلق المغرب مكتب (الاتصال الإسرائيلي) تزامنا مع اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية. وزار ستة أعضاء من الكنيست الإسرائيلي برفقة وزير الحرب السابق بدولة الاحتلال عامير بيريتز! وتقدمت رسميا هيئة الدفاع الخاصة بمجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، والائتلاف المغربي من أجل فلسطين ومناهضة التطبيع بشكاية لدى القضاء المغربي، من أجل اعتقال وزير الحرب الصهيوني السابق بعد دخوله الأراضي المغربية ومشاركته في ملتقى دولي بمجلس المستشارين. وجدد المحامون في طلبهم المقدم للمحكمة ما ورد في شكاية سابقة مقدمة ضد نفس الشخص، والتي تم تقديمها منذ سنة 2006 إلى النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالرباط، بحق هذا الصهيوني المنحدر من مدينة أبي الجعد المغربية، طالبوا فيها بمحاكمته طبقا للقانون المغربي عن جرائمه كوزير للحرب في لبنان وفلسطين، باعتباره “مغربيا”، فيما طالب آخرون الدولة المغربية بإسقاط الجنسية عنه. ومن الوقائع المرصودة التي تهدد أمن الوطن واستقراره وتؤشر على حالات التطبيع المرفوضة من مختلف مكونات المجتمع المغربي:

  • إنشاء “معهد ألفا الدولي للتدريبات العسكرية الذي كشفه المرصد المغربي لمناهضة التطبيع ومجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين يوم 17أبريل 2018.

  • القيام بالأوراش الاستقطابية والمهرجانات “الثقافية” و”الفنية” و”السينمائية” و”الموسيقية” ومن أشهرها: مهرجان “التويزة “بطنجة، مهرجان “تيميتار” بتزنيت، مهرجان كناوة بالصويرة، “أندلسيات أطلسية 2018، وثائقي “أجراس تومليلين” الذي عرض بالخزانة الوطنية يوم 19 أبريل 2019، مهرجان “الذاكرة المشتركة” بالناظور. وكلها تتوفر على الدعم المالي السخي. وأحيى المغني انريكو ماسياس شتاء نفس السنة سهرة بإحدى القاعات السينمائية بالدار البيضاء وسط وقفة احتجاجية كبيرة من طرف الجماهير المغربية الرافضة للتطبيع.

  • وجد في الداخل المغربي جماعة من الفرانكفونيين مهمتهم استهداف اللغة العربية و”العروبة” بوصفها لحمة تجمع مكونات المجتمع المختلفة، وتوحد بينها وبين الأقطار العربية. نصبت هذه الزمرة نفسها لا للمطالبة بإصلاح اللغة وتسهيل قواعدها، بل بتدميرها في الحياة العامة وفي الإدارة وفي التعليم أساسا، قصد إحداث الشرخ في النسيج الوطني بتمزيق أواصره الاجتماعية والثقافية على مستوى الهوية اللغوية، ومسخ الشخصية الثقافية واللغوية للمجتمع عبر حملة مسعورة لم يوقفها إلا الخروج التاريخي للمفكر والمؤرخ الوطني عبد الله العروي الذي لا يتوانى عن اتخاذ موقف كلما تعلق الأمر بالمساس بأسس المغربية، معلنا عبر إحدى القنوات التلفزيونية عن خطورة هذا المخطط الرامي إلى سلخ الأجيال عن ميراثهم الحضاري والمعرفي والعقدي. إذ باعتماد الدارجة لن تتمكن الأجيال القادمة من تصفح المصحف الكريم وبالأحرى قراءته وفهمه ! كما رفضتها الطبقات الشعبية من خلال رفض كتب المناهج الدراسية التي حاولت دمجها بالدارجة المغربية، بل سخرت النساء غير المتمدرسات من تلقين أبنائهن “البغرير” و “البطبوط”، وهو أساس عيشهم اليومي.

  • وتظاهر نشطاء مغاربة في مدينة طنجة احتجاجا على مشاركة مغنية ومجندة سابقة في سلاح الجو (الإسرائيليلي)، في سهرة موسيقية، بين 14 و 17 شتنبر2017، ضمن المهرجان الدولي ” طنجة جاز ” الذي نظمته مؤسسة ” لورين”. و أحدثت المشاركة استنكارا شعبيا واسعا خاصة أن المغنية المجندة عبرت مرارا عن افتخارها بخدمتها في الجيش الصهيوني.

  • طرد وزير الحرب الصهيوني الأسبق عمير بيريتس من داخل قبة البرلمان في أكتوبر 2017.

  • وبجماعة “أيت فاسكا” الواقعة بإقليم الحوز، بنواحي مدينة مراكش، تم بناء أول نصب تذكاري يخلد محرقة “الهولوكوست، كما سعت المنظمة الألمانية “بيكسل هيلبر” إلى بناء مركز لتدريس أهوال المحرقة للكبار وأطفال المدارس، من خلال ممثلين مباشرين، والقيام بندوات تعرف بها، والحال أن المغاربة والعرب والمسلمين لا علاقة لهم بالمحرقة ولا يتحملون مسؤوليتها. هذه الخطوة أثارت غضب مناهضي التطبيع مع الكيان بالمغرب حيث اعتبروها “فضيحة كبرى” و”جريمة” و”اختراق” يستوجب تدخل الدولة، وفعلا مدم التذكار. ومعلوم أن المحرقة سمحت لدولة إسرائيل بتلقي تعويضات كبيرة من ألمانيا ومن بلاد أخرى حكم عليها لأنها ساعدت على تنفيذها والاستفادة منها. وفي ذهنية العالم الجماعية أن دولة إسرائيل ستكون الوريث الشرعي لملايين اليهود الذين تمت إبادتهم، والعديد من النقاد أعلنوا أن الدولة استفادت من التعويضات الألمانية بطريقة غير شرعية لأن الضحايا لم يسموا إطلاقا دولة إسرائيل كوارث لهم. وحذر النقاد اليهود أيضا هؤلاء الذين ينظمون حملات تهدف إلى الحصول على تعويضات من المصارف السويسرية أومن أطراف أخرى.

فيما مضى كانت أشكال التطبيع تتخذ طابع مبادرات فردية أو بعض العلاقات الاقتصادية غير الرسمية، أو بعض أشكال التطبيع الثقافي المعزولة، لكن في الآونة الأخيرة دخلنا مرحلة متقدمة، حيث عادت مسألة التطبيع إلى الواجهة، وشكل التطبيع الرسمي المدخل البارز للكيان الصهيوني من خلال حضور ممثل وزارة العدل (الإسرائيلية) إلى مراكش للمشاركة في المؤتمر الدبلوماسي للمنظمة العالمية للملكية الفكرية الذي نظم ب” رعاية وزارة الاتصال المغربية.” ومشاركة وفد صهيوني في افتتاح مؤتمر نظم بمدينة طنجة ترأسه وزير الفلاحة والصيد البحري المغربي، إضافة إلى مشاركة شخصيات مغربية رسمية، في عرض دعائي لفيلم ” تنغير جيروزاليم ” لمخرجه المُطبّع.

المحقق أن حمى تطبيع العلاقات مع الرباط، في صلب أولويات الكيان الصهيوني، وتجاوزت دول الخليج ومصر رغم الانفتاح الذي قدمته هذه الدول، وباتت تؤرقه لدرجة لم يسلم حتى القصر من الاختراق: فالتيار الأمازيغي الذي اختارته الدولة لمناقشة مطالب الحركة الأمازيغية، تمكن من تحقيق مكاسب غير مسبوقة عبر طبقة “الرأسمالية الكبيرة”، المتحكمة في حركة رؤوس الأموال: أكبر مؤسسة بنكية، والمؤسسات الاقتصادية الأساسية في البلاد، واتصالات المغرب، وصندوق الإيداع والتدبير وغيرها… (ص 233). و لا يتوقف الكيان الصهيوني عن البحث عن طرق الاختراق بشكل جنوني. فقد كشفت مصادر أمنية عن شبكة إجرامية تعتمد أسلوبا متفردا يتمثل في تزوير عقود ازدياد لفائدة أجانب يحملون جوازات سفر إسرائيلية، بدعوى أنهم ينحدرون من أصول مغربية، ثم تعمد بعد ذلك إلى استصدار شهادات بعدم القيد في سجلات الحالة المدنية، وتقديمها ضمن دعاوى قضائية لالتماس التصريح بالتسجيل في أرشيف الحالة المدنية، وبعدها استخراج عقود ولادة بهويات مواطنين مغاربة معتنقين للديانة اليهودية. وكشفت الأبحاث والتحريات الأمنية أن عددا من الإسرائيليين حصلوا على وثائق الهوية المغربية بهذه الطريقة الاحتيالية، مقابل مبالغ مالية مهمة، كما أوضحت التحقيقات الجنائية أن من بين المستفيدين الموقوفين أشخاصا ضالعين في أنشطة إجرامية عابرة للحدود الوطنية. والنظام بما يرمز إليه، لن يقبل بمثل هذه المحاولات خصوصا أن المغرب يترأس لجنة القدس، وبالتالي لا يمكن أن يستقبل الصهاينة ومرتكبي الجرائم. والملك محمد السادس، رغم الضغوط الممارسة، لم يستقبل وزير الخارجية الأمريكي في زيارته الأخيرة إلى الرباط، الممهدة للزيارة المرتقبة لنتنياهو، كما صرح بأن القدس خط أحمر. وصرح الناطق الرسمي باسم الحكومة: “هذا موقف رسمي ونحن نؤكد غياب أية علاقة تجارية مع إسرائيل. وحاليا العلاقات المغربية الإسرائيلية منقطعة رسميا على جميع المستويات.”

إن الشعب المغربي بقواه الحية لا ولن يقبل التطبيع مع من اغتصب أرض فلسطين وشرد شعبها وأمعن في تقتيل أطفالها، ولا زال يهين مقدساتها ويصادر معالمها. وهل ينسى المغاربة أن للموساد دور كبير في عملية اختطاف الشهيد المهدي بنبركة في باريس يوم 29 أكتوبر 1965؟  فقد كشفت صحيفة “بول” الصهيونية  في عددها ليوم 11 دجنبر 1966عن تورط الموساد في قضية الاغتيال. وفي خضم نظام سياسي ثقافي يستغل الانقلاب الهائل في توازنات القوى الداخلي والخارجي للقوى الغربية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، يفرض الواجب القومي على كل عربي أبي أيا كان مستوى ثقافته وإلى أي بلد بنتمي فك الارتباط مع الكيان الصهيوني، ففي التشرذم العربي نصر للمشروع الصهيوني الذي لن يتوقف إلا بوحدة المصير وقومية المعركة.

(المملكة المغربية)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. هل حقا لدى التيار العروبي في المغرب غيرة تذكر على السيادة الوطنية و وحدة أراضي المغرب؟!
    هاتوا لي قوميا عربيا واحدا من المغرب أبدى أقل اهتمام لمسألة المشروع الانفصالي جنوب المغرب !!
    إقليم الصحراء يمثل أكثر من ثلث مساحة المغرب و بالتالي فصله عن المغرب يعني مما يعني تقزيم أرض المغرب و حصاره بغرض إضعافه إلى أدنى مستوى..
    من يمول و يحتضن مشروع كيان الوهم في صحرائنا هل هي إسرائيل ؟! هل هي أمريكا ؟! هل هي فرنسا ؟!
    لماذا يستهين التيار العروبي في المغرب بهذه القضية و لا يأتون على ذكرها و ليست ضمن أجندتهم إطلاقا ؟! طبعا لأن الكيان المزمع إنشاؤه عروبي و الكل من أجل العروبة !! .. و لكن بالمقابل أقل مطلب من مطالب الحركة الأمازيغية يقيمون عليه الدنيا و لا يقعدونها فيبدعون غاية البدع في اتهامها و محاولة تشويهها بغرض تحطيمها و تحطيم الأمازيغية الهوية الأصلية لبلاد المغرب و عموم شمال أفريقيا.
    لا ثم لا لإلحاقنا بوطن آخر نحن هنا منذ آلاف السنين هذه هي بلادنا و لم نعرف نحن و لا أجدادنا غيرها … إذا ذكرت الأمازيغي ذكرت شمال إفريقيا لا غيرها ..

    أرجو من إدارة الموقع نشر هذا التدخل

  2. هاذا الموضوع مهم للغاية ويجيب على الكثير من التساءُلات المحيرة شكرا لك “د.خديجة صبار “ويجب ايضا نشر هاذا المقال وتعميمة ليطلع عليه كل عربي ومسلم فلأمر جدً خطير وخطير جدا .تحياتي لكل الشرفاء الأحرار

  3. شكرا للكاتبة، وشكرا anonymous
    لقد قمت بتحميل الكتاب، وساقراه.

  4. الشكر والتقدير للدكتوره خديجه صبار على هذا الكتاب الرائع.. على كل عربي غيور على دينه ووطنه وأمته وفلسطين السليبه والقدس… .. ان يقراء هذا الكتاب. وهناك كتاب اخر وضعه شخص غير عربي اسمه وليم كار فضح فيه أساليب الصهاينه الخبيثه في نشر الفساد والفحش والرذيله والربا والحروب والقتل و الدمار في العالم وخاصة العالم العربي وهذا ما نراه الان من حروب ودمار في عالمنا العربي. .. الكتاب اسمه ( اليهود وراء كل جريمه…لوليم كار..) الناشر: دار الكتاب العربي. بيروت.. لبنان.. من أراد أن يعرف ماذا يجري في العالم عليه قراءة هذا الكتاب…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here