دكتورة خديجة صبار: فلسطين: قصة صمود شعب وإخفاق سلطة في جعل المفاوضات في مستوى التضحيات

دكتورة خديجة صبار

لماذا لا يتسلح السياسيون في البلدان العربية بالفكر والمفكرين؟ ولا يستفيدون من التاريخ، علما أن” التاريخ بلا سياسة أبكم والسياسة بلا تاريخ عمياء”. و هل يمكن للسياسة أن تنجح بمعزل عن الفكر؟ هزت هزيمة 67 المؤرخ عبد الله العروي وكتب على إثرها ما:” قضي الأمر وضاعت فلسطين بكاملها…مؤقتا في أحسن الاحتمالات. وطيلة هذه السنوات تعززت الصهيونية بانتظام، بقوى غير ذاتية أساءت إلى العرب وإلى تطلعاتهم: عودة أمريكا بقوة إلى البلاد العربية، البترولية البدوية”(خواطر، ص 7). إن العجز عن فهم منطق الغير يترب عنه العجز في نهج سياسة ملائمة فعالة، مما يجعلنا نعيش إخفاقات متوالية ونستقر في حالة أزمة دائمة و:” الكلام عن أزمة عربية بالمفرد غلط منطقي وخطأ سياسي، من رواسب عهد الإيديولوجيات الذي كان أصل كل ويل وبلاء.”

كانت الهزيمة بمثابة المحرك الذي دفعه للانصراف الكلي للتفكير من أجل توضيح الأسباب المجتمعية والتاريخية لمسألة التأخر العربي. نقد بنى التقليد والتأخر ليراهن في نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات على إمكانية تأسيس مشروع مجتمعي تقدمي، بقيادة حركة ثورية، مسلحة بماركسية تستوعب مطالب الحداثة الاجتماعية والسياسية والثقافية، يزودها برؤية تاريخية، لا غنى عنها، وتقطع مع المنطق التقليدي الذي بررت به أهدافها الثورية ويستغرب من الأسباب التي تدفع النخب السياسية والثقافية العربية، إلى التوسل بهذا المنطق للدفاع عن مشروع سياسي، اجتماعي.

تدل الطريقة التي تعالج بها القضية الفلسطينية على:” أننا لا نعرف محرك العالم الذي نعيش فيه ونعتمد في سياستنا على قوى لا وجود لها في الواقع، نتكلم كلام الحق والإيمان والأخلاق، في عالم بني منذ أربعة قرون، على أسس العقل والمصلحة وتوازن القوى،” على تجاوز منطق الاسم إلى منطق الفعل والعقل والمصلحة والقوة. فالإنسان الحديث هو صانع التاريخ والفاعل والمؤثر فيه، وبالتالي ف:” على العرب تطليق النظرة إلى التاريخ التي تعتبر الحق كأمر مطلق أعطي إلى الأبد، بالنظرة التي ترى الحق كإقرار عمل في كل اللحظات.” إن يهود فلسطين كانوا يستغلون الحق الماضي بحق حاضر، هو تحقيق واقع على الأرض بالإرادة الحاضرة للجماعة، وإقرار عمل في كافة اللحظات يمكن الرجوع فيه دائما. وبالعمل السياسي بدعم دائم من الإمبريالية الأمريكية، في حين كان العرب يعتمدون نظرة للتاريخ تعتبر الحق كأمر مطلق أعطي إلى الأبد ولا يجب التصرف فيه، تهبه حيازة مستمرة.( أزمة المثقفين العرب، ص34)

لا بد من فهم الخلفية التاريخية للمسار: من هزيمة 67  إلى معركة الكرامة وعبور القناة، إلى كامب ديفد أو ما سماه السادات المبادرة التاربخية  وقبول الأقل، إلى اتفاقية أوسلو، وجوهرها عدم الاعتراف بالحقوق الفلسطينية. وهذا سر إطالة فترتها الزمنية لتصب في صالح العدو، بينما ارتاحت السلطة الفلسطينية، التي كان من المفروض أن تفاوض من أجل تحديد السقف الزمن، على المقاعد المريحة شأن السياسيين في العالم العربي، مفسحة المجال لقضم المزيد من الأرض وربح المزيد من الوقت، لتفريخ العدد الهائل من المستوطنات، وتشتيت أغلبية السكان. هل هناك مفاوضات دون تحديد السقف الزمني؟ وهل هناك مفاوضات تستغرق ربع قرن ؟ ألا يدل هذا على ازدرائنا لأهمية قيمة الوقت، ثم ما قيمة سلطة فلسطينية موجودة على أرض تحتلها إسرائيل، وتعتبرها أرضا متنازعا عليها؟ فالدولة الإسرائيلية قائمة، والمستوطنات هي إسرائيل ذاتها، المكان الذي للفلسطينيين، مواطني البلاد الأصليين، تجعله إسرائيل للصهاينة، هي الميعاد اليهودي على الأرض الفلسطينية، وهي غياب الفلسطينيين عن أرضهم منذ “بن جوريون” وحزب العمل، ونظرية الأمن الإسرائيلي تقوم على الموانع الطبيعية. مسار تدريجي طويل بدون سلام، عماده التكيف مع شروط العدو، والاعتماد على الحق النظري دون الفعل الحازم لقيادة السلطة الفلسطينية. وليس غريبا أن يهدئ دهاء “نتنياهو” من مخاوف أمريكا اعتمادا على سهولة التأقلم العربي مع ما يفرض عليهم ولا يتوقع أي رد فعل رادع. وليس غريبا أيضا بعد هذا المسار السياسي السيئ الذي انتهجته القيادة الفلسطينية أن ” يعتبر كبير مساعدي الرئيس الأمريكي “جاريد كوشنر” أن هذه القرارات لن تقلل من فرص التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين.”

 موازين القوى التي تحدث عنها العروي هي التي تحكمت في عملية التفاوض، إذ  كانت تخضع لميزان قوى مختل ولمصلحة إسرائيل، وتجاهل السلطة الفلسطينية للواقع وجهلها بخبايا الألعاب السياسية وحبائلها، بجعل سلاحها يحمي الاحتلال من خلال التنسيق الأمني، فيم تدين عمل المقاومة علما أن تقنية التفاوض في تاريخ الثورات تفرض استمرار المقاومة لا حجبها وتوقيفها!! والنتيجة تظهر، بعد ربع قرن، على توقيع اتفاق أوسلو بين الكيان الإسرائيلي ومنظمة التحرير الفلسطينية أن الاتفاق كان مجرد ترتيبات لتصفية القضية وتكريس الاحتلال، وضياع الحقوق الفلسطينية في العودة والدولة وتقرير المصير من جهة، وأن السلطة باتت عاجزة عن لعب أي دور فاعل في خدمة القضية على أساس المفاوضة والتراضي بعد موافقة اليهود والدول العظمى من جهة أخرى، وفرق كبير بين التصورين.

بعد سنوات من النضال والتضحيات الجسام لشعب يعيش في ظروف صعبة، و يعاني من البؤس والحرمان في مخيمات الشتات، مع الحلم بدولة في الآتي من الأيام، يعلن الرئيس الأمريكي “صفقة القرن” التي تعني بدورها إنهاء عملية السلام: الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وقطع كامل المساعدات عن السلطة الفلسطينية، وقطع كامل المساعدات عن” أونروا،” وإلغاء عودة اللاجئين بالاعتراف فقط بخمسين ألف لأجيء من بين خمسة ملايين، ووقف دعم مستشفيات القدس، وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وإعلان يهودية دولة الاحتلال الإسرائيلي والقدس عاصمة أبدية لها، في سياق محاولة فرض الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني في بلده كالعادة. أكثر من ذلك تهديد محكمة الجنايات إن تجرأت على محاكمة إسرائيل على جرائمها ضد الشعب الفلسطيني، التي ترقى لحد الإبادة ! نتذكر جميعا تصرح  نائب الرئيس الأميركي “ديك تشيني” في المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا في يناير 2004 بمشروع إصلاحي يتعلق بخلق ” شرق أوسط كبير” على أسس جديدة يروم تطبيق البرنامج السياسي الذي يلبي مطامح الامبريالية، مع ترسيخ جذور الكيان الصهيوني واحتلاله موقعا متميزا لتحقيق “صفقة القرن” وتثبيت الكيان الصهيوني الاستيطاني في فلسطين. ويندرج هذا النظام في سياق محاولات الولايات المتحدة الأمريكية إحكام سيطرتها على المنطقة العربية، لتعزيز وضعها الاقتصادي وتكريس هيمنتها على النظام الدولي ومواجهة القوى الصاعدة. والمخطط امتدادا لمشاريع السيطرة الاستعمارية على المنطقة التي تعد من أهم المناطق، لأهميتها الاقتصادية بالنسبة للسوق العالمية و لموقعها، ويفسر بدعوة الإدارة الأميركية أوربا للمساهمة في تطبيق مشروعها الإصلاحي في بناء مجتمع المعرفة والديمقراطية وتوسيع الاقتصاد وتطوير وضع المرأة بهدف تجاوز تجزيء “سايس بيكو” الذي لم يعد يتناسب مع مسار العولمة والتكتلات الكبرى و متطلبات الشراكة المتعددة الجنسية، بالأخص في ضوء التداخلات الاقتصادية والتكنولوجية و نظام الاتصالات والمعلوماتية. التخلف في الواقع مفروض على المنطقة من الخارج أي من طرف هذه القوى نفسها، حيث كانت القوة السياسية والعسكرية و من ثم الاقتصادية الامبريالية هي العنصر المانع لانطلاق عجلة التطور الداخلي، وبالتالي كانت سببا رئيسا في منع تحقيق الحرية و الديمقراطية و الحداثة. وقراءة التاريخ تبين أنه يستحيل أن يتخذ الأوربيون ولأمريكان موقف الحياد من إسرائيل، فقد وقف الغربيون موقفهم هذا سنة 1967 كما لو كانت سيناء والجولان أرضا إسرائيلية.

وليس غريبا أن ينتظر تطبيق صفقة القرن وصول ” دونالد ترامب” إلى البيت الأبيض، في وقت ظنت فيه الدوائر الصهيونية أن الوقت قد آن لإنهاء القضية الفلسطينية والهيمنة على الشرق الأوسط، والإعلان عن العلاقات التعاونية التي كانت سرا مع السعودية وبعض الدول العربية، فهي دائما تستغل الظرف الدولي. نفس الموقف تقريبا عشناه في الحرب على سوريا، وهي حرب عالمية غربية تقودها الحكومة الأمريكية، مع فارق مؤسف أن تشارك دول عربية في الإجهاز على شقيقتها، ألم يصرح “جو بايدن” أثناء إلقاء محاضرة في جامعة هارفارد، في 4 أكتوبر  2014، أن دولاً مثل تركيا والسعودية والإمارات دعموا الإرهابيين في سوريا بمن فيهم القاعدة ! وكان هدفها إسقاط الحكومة السورية. و قدموا مئات الملايين من الدولارات وآلاف الأطنان من الأسلحة للذين يقبلون مقاتلة الأسد؛ عاد واضحا أن الأمريكيين لن يسمحوا بأن تذوق إسرائيل مرارة الهزيمة، يعتبرون أن أي نصر عربي يمثل ضربة لنفوذهم في المنطقة، فلتذهب جميع الأنظمة العربية إلى الجحيم لتتمكن إسرائيل من الهيمنة وهذا ما لم يرد بعض السياسيين العرب استيعابه لأنهم على ما يبدو:” متطفلون على السياسة، رغم أنها شغلهم الشاغل وصناعتهم الوحيدة”. (الخواطر ص 75) إن إعلان عنصرية دولة إسرائيل ما كان يمكن أن يتم لولا المسار السياسي الخاطئ الذي انتهجته قيادة السلطة الفلسطينية. والواقع اليوم يضعها أمام أمرين، إما تحرير الأرض المحتلة بالقوة بعد أن لم تنفع المفاوضات في استردادها وإما قبول شروط المنتصر.

 كان عليها أن تطبق منطق الفعل وتعلن برنامجا سياسيا بمجرد قرار الإدارة الأمريكية نقل سفارتها إلى القدس المحتلة، والاعتراف بِها كعاصمة أبدية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن تقدم على الخطوات الأخرى، كأن تخرج ورقة التنسيق الأمني مثلا، لأن تصعيد الكفاح الشعبي على كامل الأرض الفلسطينية والتصدي الفاعل للاستيطان والتدمير وهدم البيوت على أصحابها والاعتداء على الحقوق هو الذي سيخلق الهلع والخوف ويولد التناقضات داخل كيان المجتمع الإسرائيلي. ولن يوقف ” دونالد ترامب” ما أقدم علية إلا إذا طلب ذلك منه المعنيون بالأمر أي الإسرائيليون. لا تخاف أمريكا وإسرائيل سوى من الشعوب لا من الأنظمة؛ لنتأمل مسألة التطبيع، والطائرات الورقية التي أقضت مضجع كيان الاحتلال، ومسيرات العودة كل يوم جمعة التي أثارت ضجة كبرى في العالم، وأعادت هذه الضجة قضية فلسطين إلى واجهة الاهتمام من قبل المنظمات الدولية التي تعنى بالحريات وحقوق الإنسان ومحاربة البطش والعنصرية والجرائم الدموية ضد الأطفال والنساء والرجال.

 على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن من الاحتلال، فإن المجتمع الفلسطيني لا يزال نابضا بالحياة ومرنا بشكل مثير للدهشة. أما ظاهرة المرأة الفلسطينية ونضالها الخارق والمتعدد المشارب؛ في الانتفاضات، في إخفاء المطلوبين، في الاهتمام بالسجناء، في التكافل وفي الولادة للاستشهاد، فدراسة عن هذه البطلة الصبورة ونضالاتها لم تكتب بعد. لقد برهن الشعب الفلسطيني على كفاءة نضالية عالية، فعلى القادة أن يظهروا حنكة سياسية.

(المملكة المغربية)

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here