دكتورة خديجة صبار: جنوب لبنان بعيون مغربية

دكتورة خديجة صبار

بعد انتهاء أشغال المؤتمر القومي العربي في دورته الثلاثين، التي استغرقت يومين مثقلين بالعمل (5 و 6 تموز/ يوليو 2019)، محورهما القضية الفلسطينية وصفقة القرن التي تستهدف تصفية الوجود الفلسطيني، الذي لم تستطع – لا المسارات ولا ظروف تحويل العالم العربي إلى منطقة تفاقم صراعات القوى العالمية- إلى تقويض حدة الشعور القومي العربي، كاتجاه راسخ لدى الشعوب، تفرضه ضرورة اكتساب وعي أكثر عمقا بطبيعة عدوان متواصل، التحمت فيه ومن أجله، قوى إمبريالية وصهيونية، جعلت من الإرهاب مؤسسة للدولة، بتواطئ بعض الأنظمة العربية، إلى جانب تحليل ومناقشة مضمون الأوراق الستة المقدمة للمؤتمر، بالأخص ورقة ” التقرير السياسي والاقتصادي: حال الأمة وتقدير موقف” القيمة للدكتور زياد الحافظ، الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي، لدقة تشخيصها وغنى مضمونها وعمق تحليلها، وتتناولها للقضايا برؤية إستراتيجية وتصور مستقبلي:” إذا أردنا أن نلخص المستجدات على الصعيد الدولي وانعكاساتها على الصعيد الإقليمي والعربي في جملة واحدة نقول أن المشهد السياسي على الصعيد الدولي والإقليمي والعربي متشابه. فمن جهة نشهد إجراءات تكتيكية هجومية عدوانية لمحور يتراجع استراتيجيا وهو محور تقوده الولايات المتحدة من جهة، وإجراءات تكتيكية دفاعية لمحور يتقدم استراتيجيا تقوده كل من مجموعة الكتلة الأوراسية ومحور المقاومة الذي أصبح وازنا على الصعيد الجغرافي السياسي الاستراتيجي، ليصبح ضلعا أساسيا في المحور المناهض للهيمنة الأميركية، تجاوز حدود القضية التي من أجلها تشكّل ليصبح لاعبا أساسيا في المعادلات الإستراتيجية الدولية والإقليمية والعربية.” وفي مقاربته لأوضاع المجتمعات العربية يلاحظ أن تشابه الأزمات الداخلية العربية تؤكّد وحدة المصير القومي بين الأقطار، ومن ثم فمعالجة تلك الأزمات لن تستقيم إلا ببعدها القومي.

من بيروت في اتجاه جنوب لبنان

كان اليوم الثامن فرصة للتوجه نحو الجنوب، الجار غير الودي لإسرائيل. وبيروت سيدة المدائن العربية غير الجنوب، حالة فريدة خارجة عن إيقاع العواصم، لها جاذبية خاصة، وتنبض حيوية وحياة. في الطريق، ترافقك زرقة البحر وانفساح الأفق الرحب أمام البصر، وترامي صفحة السماء النقية توشي ثوبها سحب تشبه نتف القطن المنثورة بعفوية، وسكون بعض المرتفعات المتعاقبة، وبورتريهات لمنتخبين مثبتة في أماكنها، رغم أن الفترة ليست فترة حملة انتخابية، ومثل هذه الملصقات عادة لها علاقة بالحملة الانتخابية المحدودة بسقف زمني، لأخبر أنها حالة خاصة بطبيعة التركيبة السكانية للبنان.

عدت بذاكرتي إلى الوراء والسيارة تشق الطريق، وما الذاكرة إلا ما فيها من ذكريات، مثلما الذكريات ليست شيئا آخر غير نتاج عملية التذكر التي هي وظيفة الذاكرة، ليبدأ شريط ازدحام الأحداث والوقائع: تذكرت نصّا ل “هادية سعيد،” بعنوان “المرأة في المعركة: الفلسطينية واللبنانية بين الأشلاء والشعلة”، أقتطف منه عبارات تعكس حال الجنوب فيما مضى:” الجنوب مع الستينات بدأ يحمل عناوين أخرى له باتت هويات هي أيضا؛ جنوب القلاقل، جنوب المأساة، جنوب الرحيل، جنوب الصمود، جنوب الهجرة، جنوب الصبر… وفي هذا اليوم من السادس من يونيو(حزيران) 1982 كانت الهوية تكتب بالدم:”[1] خروج الفلسطينيين من بيروت، الأسطول السادس، صبرا وشاتيلا… تضافر على جنوب لبنان منذ 1975 تدخلات خارجية متعددة ومتشعبة وعملاء من الداخل. وضعه الصهاينة تحت أعينهم من خلال العميلين المشهورين(سعد حداد وأنطون لحد)، فضلت نساء بنت جبيل، ومارون الراس، وكفر شوبا، وعيتا الشعب، ومزارع شبعا، وعيترون…اللواتي تكاثف الجميع في زمن السلم من أجل تهميشهن، يكرسن طاقاتهن لولادة الرجال والأبطال فضلا على نضالهن اليومي، إلى أن حلت سنة 2000، بداية قطف الثمار الأولى للنضال البطولي للمقاومة الإسلامية الباسلة.

اخترقت السيارة التي تقلنا صديقتي وأنا يقودها الأستاذ “ع” وإلى جانبه زوجته، عددا من الأحياء، تكاد تتوزع الأبنية والمنشآت فيها بين الأثرياء كما تراءى لي، بأشجارها الخضراء وشكل معمارها الأنيق. لم يعد الجنوب الذي مني بكارثة التدمير، كما شاهدنا هول دماره عبر قنوات التلفزيون غداة حرب تموز(يوليوز)، وقد أعادته الهمجية الصهيونية إلى خراب بآلات الحرب الضخمة الأكثر إتقانا. تحول الخراب إلى معمار رصين وبنايات أخّاذة، مشيدة بصخور صلبة جميلة الشكل والمنظر بواجهات خرسانية بديعة؛ استطاع الجنوب أن يعبر الأزمات بقوة أكثر وإرادة أصلب، ومن يعرف أصالة شعبه يدرك لماذا يعتز أهله بكل حبة رمل فوق أرضه. ونحن بصدد الخروج من الطريق المستوية نبهنا الأستاذ “ع” على بعد مسافة إلى تأمل قمة الجبل، “جبل عامل” الذي تعلوه راية لبنان بشجرة أرزها، لتبدأ رحلة صعود الجبل عبر مسالك معبدة وملتوية في سلاستها، تستقيم وتلتوي كأنها تجاعيد الزمن على وجه المكان. وفي أقل من نصف ساعة كنا قد صعدنا مدراج الجبل الذي تأملناه من السفح، وصرنا على قمته المستوية، ومن فوقه يمكن إلقاء نظرة شاملة على قرى إقليم التفاح والزهراني وصيدا وصور: المناطق التي حررتها المقاومة عام 1985.

معلم مليتا: جمالية الفضاء

للحديث عن جمالية الفضاء، لا بد من استحضار فلسفة الجمال، وتعنى بتطابق النور الداخلي للإنسان الخلاق المبدع مع الإشعاع الأبدي المنسوب إلى العوالم الروحية والفضائية الكونية الأخرى. ساحة المعلمة عبارة عن مكان رئيس لتجمع السياح، توفر حدائقه الفسيحة المزهرة فرصة طيبة للتنزه وسط الأزهار المختلفة التي شذبت بطريقة فنية، تتوسطها بركة ماء. و”مليتا” هي الموقع العسكري الاستراتيجي للمقاومة الإسلامية، ومعقلها الأساس، ومعبر انطلاق المجاهدين لتنفيذ آلاف العمليات العسكرية داخل المنطقة المحتلة. الكلمة ذات أصول سريانية وتعني “الامتلاء”. وهي حكاية جبل شامخ، من إقليم التفاح، تكتنفها أشجار متنوعة من كل جانب، منتظمة انتظام الورق على الغصن، تعانق أغصانها بعضها البعض لتشكل سقفا أخضر يعكس هندسة طبيعة لم تمسسها يد الإنسان.

كان المرشد في انتظارنا، شاب ذكي، يتقن العديد من اللغات، مكننا من مطوية معلومات خاصة بالمعلم السياحي، ليأخذنا في جولة داخله، يطلعنا عبرها على الدروب المعرفية والفنية التي يختزنها. لفت نظري أعلى باب المدخل عبارة ” حكاية الأرض للسماء” (where land speakes to heaven)شعار يشير إلى الأرض التي تحكي حكايات أهلها وأبطالها وشهدائها لأهل السماء، كرمز متداخل بين السلطة الأرضية والسلطة المطلقة ( الروحية ) حيث ترسم لوحة الوطن على الأرض من خلال المقاومة حتى النهاية، كقاعدة للصمود والطريق الوحيد المؤدي إلى التحرير والحياة الحرة الكريمة.

بداية الرحلة قاعة لعرض الأفلام، حيث شاهدنا شريطا يؤرخ لتاريخ المقاومة في جنوب لبنان والتعليق بصوت سيد المقاومة، لنتجه صوب المعرض، وهو عبارة عن جسم تم تصميمه بطريقة هندسية مدروسة بدقة وعمق. رؤيته من فوق تتخذ شكل شبكة عنكبوتية تضم نماذج من غنائم الحرب التي خلفها جيش العدو الإسرائيلي وعملاؤه، منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت في صيف عام 1982 مرورا بحرب “عناقيد الغضب” في العام 1996، حتى حرب تموز/ يوليو 2006: جملة من الأسلحة والمعدات بما فيها المدرعات، والقذائف “الذكية” الأمريكية الموجهة بالليزر، والقنابل العنقودية، والطائرات، والمروحيات، والصواريخ، والعديد من والمتفجرات تتوسطها دبابة الميركافا (الجيل التكنولوجي الرابع) فخر العدو التي لم تحم جنوده، فضلا عن معلومات عن جيشه ومختلف تشكيلاته العسكرية. ونحن نتأمل إنجازات المقاومة الإسلامية، كانت طائرة استطلاع للعدو تواكب المتواجدين في المكان.

المسافة التي مشيناها من المعرض إلى المغارة  أو النفق لا تستغرق إلا دقائق معدودة، لكنها تنقلنا قرابة عقود من الزمان. ترافقنا نصب الشهداء بتصاميم مختلفة الحجم، وبخط منحوت تقرأ أسماءهم: ” كل ما سترونه من إبداع المجاهدين”، هكذا بدأ المرشد حديثه، ونحن نتهيأ للجولة في أنحائه لنكتشف خباياه، ترافقنا نسائم موسيقيه تضفي على المكان نوعا من القدسية. شيد النفق على قمة الجبل، تسوره أشجار كثيفة الخضرة عميقة الظلال. وهو إحدى النقاط التي بناها المقاومون للتحصن. يبلغ عمقه حوالي مائتي متر، بدون فتحات تهوية، ولا يدفع طول القامة إلى الانحناء عند الدخول أو التجوال لارتفاع السقف. رابط فيه أكثر من سبعة آلاف مقاوم. ويضم الغرف والتجهيزات مختلفة الاستعمال الضرورية، و لا تكاد غرفة تشبه الأخرى في الحجم والتصميم. وكلما توغلت فيه، ينقلك المكان عبر الزمان، فتشعر بامتزاج تام بصمت الأبدية النهائي. كنت أحس أني أطأ نفس الأرض التي وطئوها، وتتناهى إلى سمعي كلماتهم وهم يترصدون العدو. ف ” البطولة كما ورد في تقديم أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدولية “سيف دعنا” لمذكرات الحكيم جورج حبش بدار الندوة يوم 7/7/ 2019: “هي أن تعرف مسبّقا أن خياراتك، سوف تدفعك حتما إلى أن تكون منذورا، وأن تكون حياتك منذورة، لكل ما قد يوجع قلب أمك.” (ص 29)

المقاومة ثقافة وقيادة، والنصر صمود وإرادة

تعيش في العتمة لحظة قوية التأثير مثقلة بالمشاعر؛ زمن آخر وثقافة تعتمد على المعرفة والعلم إلى جانب السلاح؛ جوهرها الإيمان بالله و بعدالة القضية، وبالروح القتالية العالية المسكونة بالرغبة في المقاومة حتى النصر. و النصر لا يأتي بالتمني مثلما الزعامة لا تكون بالخطابة فقط، وإنما بالعمل الميداني، والبدء بالذات: أبناء قادة المقاومة اللبنانية أول من قاوم الاحتلال. وزعيم الحزب أول من قدم ابنه للشهادة. بني النفق بوسائل بدائية، بقاياها معروضة في مدخله، بسبب البيئة والظروف المحيطة، جهد شبيه بأسطورة “سيريف” الإغريقية التي وضعت نهاية لمتاعب الرجل الذي حكمت عليه الآلهة بأن يحمل الصخرة الكبيرة ويصعد بها إلى قمة الجبل، وهو يئن من ثقل ما يحمل، فيعاود الكرة مرارا، إلى أن تستقر الصخرة حيث ينبغي لها أن تكون، وصخرة المقاومين استقرت حيث أرادوا لها أن تكون، بإمكانات بسيطة وعزم لا يلين، وسعي دؤوب وإرادة قدت من حجر، إلى أن أجبرت جيش المحتل على الانسحاب، معترفا بالهزيمة.

مشاهد ترسم المفارقة بين زمنين اثنين: زمن محنة الاجتياح وزمن التحرير والصمود والدفاع عن الأرض الذي يبقي للحياة معنى، وللوجود الإنساني هدف، لاسيما ومفهوم المقاومة يتغذى من العدوان الصهيوني وجرائمه التي لا تنتهي على الوطن، ولا شيء أغلى من الأرض والوطن. حررت المقاومة الجنوب بدماء مجاهديها، وحققت في لبنان توازن الردع مع الدولة المحتلة صاحبة أقوى جيش في الشرق الأوسط كما يشاع، واستطاعت تحقيق ما لم تستطيع تحقيقه جميع جيوش الدول العربية فرادى أو مجتمعين، لارتفاع مستوى الوعي القومي، وتهيئ الأطر التنظيمية اللازمة وتدريبها لتحويل هذا الوعي إلى فعل عبر برنامج لبناء حركة قومية تستهدف توحيد الجهد القومي العربي، لتحرير البلاد العربية من الاستعمار، وفي مركزية هذه المعركة تحرير فلسطين. المقاومة هي مفتاح النصر واستعادة الأرض، والإصرار سر تحدي أعتى الأسلحة وأقواها، والجنوب يقدم الدليل؛ اشتدت المقاومة حتى أجبرت المحتل على الانسحاب، ونخدع أنفسنا متى اعتقدنا أن العدو قد يتغير، لنمد له يد السلام.

تركنا فضاء النفق، ونحن مأخوذات بسحر المكان الذي يتحداك أن تمسك به، أو أن تتحرر منه. وما رأيناه كان الباعث على دهشتنا. و قبل المغادرة صاحبنا المرشد إلى مبنى أنيق لنجد في استقبالنا شابا آخر، قدم لنا فناجين من القهوة اللذيذة و قنينات الماء العذب الزلال. كنت أحتسي قهوتي وأنا أخط انطباعاتي في الدفتر الذهبي وسط جو موسيقي هادئ. قدم جنوب لبنان البرهان على أن المقاومة مفتاح النصر والصمود وطريق التحرر واستعادة الأرض.

وعلى أرض هذا الجنوب الذي زرعت المقاومة الفلسطينية بذورها فيه منذ العام 1969، وقفت أمام جدار الفصل العنصري المليء بخربشات شبابه المستفزة للعدو، لأكحل عيني بمشهد أرض فلسطين الحبيبة الطاهرة المغتصبة، متأكدة أن صفقة القرن ستعيد ضخ المياه في العروق، وسوف تعطي دعما قويا لنهضة ثورية جديدة للشعب الفلسطيني بقيادته وفصائله، وللأمة العربية بأسرها، لاسيما وأن محور المقاومة المناهض للهيمنة الأميركية، تجاوز حدود القضية التي من أجلها تشكّل، وأضحى لاعبا رئيسا في المعادلات الإستراتيجية الدولية والإقليمية والعربية.

غادرنا فضاء “مليتا” الفائق الدقة والتنسيق والنظافة، وبهجة الألوان، ونحن نملأ صدورنا بنسيم لا شبيه له في قدرته على إنعاش النفس وإيقاظ البدن. وكل ما ابتعدنا، كانت قمة الجل تتضح أكثر، فتبدو مهيبة ومضينا في الطرق إلى بيت “ح” حيث تنتظرنا الحاجة بكرم ضيافتها وحفاوة استقبالها وطيبة حديثها، لنغادر الجنوب إلى بيروت لقضاء آخر ليلة فيها، لنشد الرحال بعدها إلى مغربنا الأقصى.

[1] – المقدمة، مجلة للبحث والإبداع والحوار الديمقراطي، السنة الأولى، العدد الثاني، مزدوج، شتنبر/دجنبر 1982.

كاتبة مغربية

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. كم اغبطك على هذه الزيارة
    هنيئا لك، سأحاول الذهاب لتلك الديارالصامدة، ولو لمساندتهم معنويا.
    المجد لأبطال المقاومة

  2. شكرا استادتي على هدا الوصف الدقيق و الجميل.
    و دامت المقاومة بكل اشكالها حرة ابية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here