دعاء سليم: “يهودية الدولة” وأسلمة القضية

دعاء سليم

شكلت الخريطة الجغرافية و الدينية لسورية و جنوبها فلسطين منذ التطور السكاني لها، أسبابًا كثيرة للصراع بين قوى مختلفة لفرض الهيمنة عليها، آخرها الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين و الذي يهدف -لضمان بقائه- إلى حذف الهوية العربية للأرض.

في التاريخ الديني، فقد اتخذت المنظمة الصهيونية -بمساعدة بريطانيا- من الديانة اليهودية و الحربين العالميتين ذريعة لإقامة الدولة المفترضة في فلسطين، تمامًا كما قامت من قبل؛ الامبراطوريات الأوروبية باستغلال الولاء المسيحي للكنيسة لشن حملاتها ضد المنطقة، و السيطرة باسم المسيحية على الطرق التجارية المعمِّرة، و التي درت على العرب ثروات طائلة لعقود طويلة ( أدى فقدانها فيما بعد لعرَج اقتصادي مزمن).

و نظرًا لتاريخ المنظمة الصهيونية في استقطاب منتسبيها اليهود و الإنجيليين، و طريقها المشقوق عبر جرائم التطهير العرقي و الاتفاقات التي تتسم بمعاداة الصهيونية -إذا ما قارنّاها مع المحاكمات الحالية بهذه التهمة- فكان لا بد من خلق صراع أيديولوجي ديني عماده اليهودية و الإسلام، يغطي صورة الاحتلال العسكري المباشر و جريمة المحو الديمغرافي الذي تمارسه على الفلسطينيين.

سارعت الآلة الصهيونية و متبنّيها إلى إطلاق عنان الخطاب الديني المتبادل، و عليه فقد لعب هذا التشويش المتعمد لحقيقة الاعتداء على الحقوق الإنسانية للشعب دوره في تجييش الرأي العام الغربي، و سهّل جهود الحكومات الغربية المتعاقبة، في العمل على دوام استساغة شعوبها للدعم الغير مشروط للكيان سياسيًا واقتصاديًا و عسكريًا.

في حين يبقى الفلسطيني بصورته المتعمّد تعميمها، تلك الزيادة المسلمة في القضية حتى ولو لم يكن مسلمًا.

في المقابل، إن إلقاء اللوم بذلك على العدو لا يشرح غايته دون توجيه أي نقد للجبهة المقاومة لمشروع الهيمنة على البلاد.

بل إن خطابها الإعلامي لم يثمر بعد، تلك الكثافة الإعلامية و التنوع الذي يفرضه الواقع و يتطلبه الموقف لردع الدعاية المعادية،  و الكثيفة بدورها بعدما جنّدت أجهزة المخابرات الصهيونية عددًا كبيرًا من المستعربين لتسريب الفكرة الصهيونية إلى الوعي العربي، و استثمرت هذه الأجهزة في خطاب الأسلمة المستمر لجذب معادي الإسلام و تجنيدهم ضمنيًا لصالح الكثافة الإعلامية الصهيونية، ثم تحقيق الانتشار العالمي لنظرة الكيان في حربه على الوجود العربي، يليه إلصاق جرائم الجماعات الإرهابية المتأسلمة والمستحدثة غربيًا في جبهة الإنسان الفلسطيني.

كل هذا على حساب النظرة العربية في الدفاع عن نفسها ضد العدوان الاستيطاني، و التي يكاد وجودها ينعدم أمام الجمهور الخارجي لأسباب أقلها ضعف المساهمة العربية.

إن أسلمة الخطاب المتعمد صهيونيًا من جهة، و المنتج ذاتيًا – لعقود- من جهة أخرى، ساهمت بلا شك في استحالة الموقف الغربي من الحرب لموقف تجاه حرب دينية سهلة الفرز، بدلًا من حقيقة كونها حربًا بين الإنسان الأصلي المضطهد، المقاتل لنيل حقوقه المشروعة في أرضه، و بين منظمة احتلالية عنصرية، أقيمت لمنع تشكيل أي مظهر من مظاهر الوحدة بين الأقطار العربية شرقًا و غربًا، و الحيلولة دون استثمار الضخامة السكانية الشابّة و الثروات العربية لصالح إنتاج كيان مستقل عن الغرب الرأسمالي في اقتصاده و سيادته.

( دواليكَ من آثار الاحتلال السرطانية على الوجود العربي برمّته)

في السياق، فلا يمكن إنكار أن من تبقى في واجهة الصراع لأجل الهوية الإنسانية بصورة فاعلة هم الحركات الإسلامية ( باستثناء الإخوان المسلمين لارتباطاتهم الأيديولوجية المنفصلة عن الانتماء القومي و المتصلة تاريخيًا بالبريطانيين)، بعد انكماش الأحزاب اليسارية و الشيوعية لأسباب كثيرة، منها الهزالة سياسية أو الاغتيالات المنظمة التي طالت مؤسسيها ( قادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مثالًا).

و مع ذلك، فلا بد من إصلاحات جذرية للخطاب الإعلامي الرافض لمبدأ الاحتلال بأشكاله، حيث أن واقعه الحالي الضعيف لا يؤثر على النجاح في استقطاب الرأي العام العالمي لصالح القضية التحررية فقط، بل يفتح بابًا على مصراعيه أمام الدعاية الصهيونية لدخول حديث ووعي جمهور المقاومة، أو جعله سطحيًا بأقل تقدير، بعدما وجدت هذه الدعاية مرتعًا في عقول من نجح الإعلام الخليجي الموجّه في ظلال هيمنة المفروضة عليهم، بتحييدهم عن المنطقية في فهم موقعهم الحالي و المستقبلي.

إن مواجهة الهيمنة المتجسدة ماديًّا في الكيان الصهيوني على الأرض العربية في فلسطين يحتاج ما هو أكثر من تسميات دينية محددة في نطاق المواجهة الثقافية، حيث أنها لا تستطيع الصمود طويلًا أمام الصراعات المذهبية القديمة و الجدليات العقائدية -الواجب تجاوزها- ومحاولات استثارتها المستمرة، كما يمتطيها العدو في إعلامه الناطق بالعربية بشكل مكثّف.

 و إن أخذنا بالحسبان أن التخاطب مع العالم الخارجي يختلف في سياقه عن التخاطب مع العالم العربي، فلا بد من استحداث دورات ومراكز إعلامية تواجه الدعاية بالعقل و الحقيقة، و هي مهمة ليست بالصعبة طالما يستخدم العدو جهل العامة بتاريخ المنطقة لبث دعايته العدائية.

كاتبة فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. أدعو ابنتي الكاتبة الى دراسة مؤتمر كامبل الذي عقدته الدول الاوروبية في لندن 1905م مع التركيز على اسباب انعقاده وقراراته ، لكي تعرف الكاتبة ويعرف القراء لماذا يحقد الغرب واذنابهم من حكامنا العرب على كل ما هو اسلامي ، وعلى كل من يذكر الشهادتين ، ومن هنا نسمع الكثير عن تشويه صورة الاخوان المسلمين فقط لانهم اخوان مسلمون ، الاسلام عندهم عدة انواع حسب الطلب : اسلام سياسي واسلام العنف والقتل والذبح والقاء الراس بعيدا عن الجسد ، والاسلام المعتدل . لالالا اسلامنا اسلام واحد كان الرسول محمد صلعم والخلفاء الراشدون من بعده يسيرون شؤون المجتمع في جميع النواحي السياسية منها والحياتية . لذا انصح بعدم انتقاد التوجهات التي لا تروق لكم ، وركزوا انتقادكم على المؤرخين والمثقفين العرب الذين يرددون كالببغاوات كل ما تنطق به اداة التزوير الصهيونية .

  2. مقال راءع ووضعت ابعك على اكبر مشكله تواجه الامه العربيه منذ القدم الى يومنا هذا
    المشكله يا دكتوره اننا اصبحنا غير قادرين من تمازج القوميه العرببه مع الدين ثقافيا بالفكر والقيم والمثل الاسلاميه وانما جعل الاسلام السياسي القوميه نقيض وعدو للاسلام مثل الاخوان المسلمين والوهابيه والسلفيه بشقيها باعمالهم التجهليه للشعوب تارة وتارة اخرى استعمالهم للارهاب بتحالف مع الغرب المجرم وهم صنيعتهم جميعا وقيامهم باعمال اجراميه بحق شعوب الامه واستعملوهم شماعه لكي يجيشوا شعوب الغرب ضد العرب والاسلام والمسلمين بحجة محاربة الارهاب والحقيقه تجيش شعوب الغرب لمناصرة الكيان الصهيوني لتسهيل على حكوماتهم لتهويد كل فلسطين وطرد كل شعبها واصحابها
    واخر فعله التي عملها اردوغان بتحويل كنيسة ايا صوفيا الى جامع تصب بهذا الاتجاه

  3. لا اعتقد بوجود اسلمه للقضيه بشكل ارادي
    90 بالمئه وربما اكثر من اهل فلسطين هم مسلمين
    فالسبب هو للاسف هجرات مسيحيه نحو خارج فلسطين
    المطلوب شحن النضال المسيحي الفلسطيني

  4. اول من قام بانشاء دولة استيطانية على اساس ديني في المنطقة كانوا الاتراك، الذين اوغلوا بدماء شعوب منطقتنا من جميع الملل والنحل، بمن فيهم المسلمون، في سبيل ابادتهم والاستيطان مكانهم، اليهود وصلوا متأخرين الى حفلة الابادة هذه يا عزيزتي.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here