دعاء زعبي خطيب: “دمشقيَ” سعاد العامري

 

 

دعاء زعبي خطيب
“زيجة كهذه كانت حلمًا لعائلات الريف الفلسطيني، تعزّز العلاقات والتحالفات مع الأثرياء الحضريّين من المدن بما فيها نابلس أو القدس أو الخليل. ولطالما راود الجميع حلم الزواج من عائلة بارزة من دمشق الحاضرة العثمانية لبلاد الشام. وانتشر الحديث بين الناس في وصف البضائع الدمشقية الرائعة والعريس والجاهة. كانت الجاهة تتألف من خمسة عشر شيخًا من أعيان عائلة البارودي جاؤوا مع العريس من دمشق ليطلبوا رسميا يد تيتة بسيمة للزواج ثمّ اتّفقوا على المهر الغالي غير المسبوق… وغنيّ عن القول إنّ قصور عائلة عبد الهادي ومنازل الحمائل الأخرى فتحت بوّاباتها الكبيرة وأبوابها الصغيرة بسعادة للترحيب بالجاهة الدمشقية واستضافتها…”.
(دمشقيَ – سعاد العامري)
حروفٌ لم تخضع لمعايير أدبية صارمة ولا لقوانين كتابية وسردية “عسكرية”، أبدعت سعاد العامري المهندسة المعمارية والكاتبة التي وُلدت في عمّان لأب فلسطيني يافاويّ الأصل وأمّ سورية في روايتها الأخيرة، والتي تحمل عنوان “دمشقيَ” (my damascus)، في جعلنا نعيش تفاصيل حياة لثلاثة أجيال متتالية امتدّت نحو مائة عام بل أكثر من خلال سردها وتوثيقها لتاريخهم الشخصي والعائلي ببراعة وتشويق كبيرين.
فقد بدأت الرحلة سنة ١٨٩٦ عندما تركت جدتها ” تيتا بسيمة” بيت أهلها في عرّابة (جنين) وانضمّت إلى عريسها التاجر الدمشقي الثري الذي يكبرها بعشرين سنة “جدّو نعمان” لتعيش معه في أحد قصور دمشق العريقة، قصر البارودي، مخلّفين وراءهم سلالة من بنات وأبناء وأحفاد وحفيدات عايشوا تاريخ هذه الأسرة البرجوازية الشامية بفصولها العديدة وتحولاتها الصغيرة والكبيرة. أمّا فلسطين فنراها حاضرةً في ذاكرتهم جميعًا على امتداد فصول الرواية.
في روايتها تأخذنا الكاتبة بأسلوبها السلس البسيط الملئ بالإثارة والتشويق، والوصف الذي يفوق الوصف، إلى خانات الذكريات الجميلة في دمشق؛ إلى أزقّتها وحاراتها نشتمّ روائح توابلها وننعم بروعة أسواقها، إلى عادات وتقاليد أسرتها الشامية البرجوازية هذه وقصص أفرادها وحكاياتهم الزاخرة بأسرارهم، إلى الزوايا الدافئة التي ما زالت تعبق بروائح الحنين والشّوق لما مضى. كلّ هذا من خلال أحداث عائلية وشخصية لم تخلُ من الضحك أو من البكاء.
فنرى ولائم أيام الجمعة في بيت جدو نعمان حدثًا هامًّا ومركزيًّا في حياة هذا الأسرة الثريّة، الحمّام الأسبوعي للأحفاد يوم الجمعة “حمّام السبع زوام”، الخدم والعبيد وقصصهم المثيرة التي لا تنتهي، الأجواء البرجوازية التي تنعكس في أسلوب معيشة هذه الأسرة، بيروت ومصايفها، عمّان وتفاصيلها… وما أكثر التفاصيل في هذه الرواية.
رواية جميلة جدا تسلّلت إلى قلبي بخفّة وبراعة… سحرتني.. أثارت في نفسي الكثير من الحنين وفي عيني الكثير من الدموع. حنيني إلى بيت جدي.. إلى لمّاتنا وجمعاتنا ونحن صغار… إلى قصص الشقاوة والحب وإلى ماضٍ جميل لم يترك لنا سوى الذكريات وعطر الغائبين.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. كتاب دمشقي جدير بالقراءة وانا وافتخر والدي والدتي دمشقيان

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here