دروس “سنغافورية”.. لمن يريد أن يحبه شعبه

ا. د. محسن القزويني

عندما ترك لي كوان يو رئاسة الوزراء في سنغافورا عام 1990 جاءته الوفود الشعبية إلى بيته وهم يبكون يطالبونه بالبقاء في السلطة مع انه حكم البلاد 25 عاماً ، فقال لهم كلمتة المشهورة: لقد كبرت في السن وانتهى عهدي وحان وقت الشباب ليستلموا زمام الامور.

يومها كان عمره 67 عاماً وتحت الحاح الشعب السنغافوري وافق أن يبقى في مجلس الوزراء بعنوان مستشار فخري حتى عام 2011 تحت عنوان الوزير المعلم.

هذا ما حدث في سنغافورا..

أما ما يحدث في بلادنا فالرئيس الذي وصل إلى السلطة بأية وسيلة يريد البقاء فيها إلى الأزل .. ولا تستطيع أية قوة إلا قوة السماء من إزاحته من منصبه.

فارقٌ كبير بين من لا يريده شعبه ويزحف إلى قصره ليقولوا له ارحل .. ارحل. وبين من يأتون إلى قصره ليعيدوه إلى السلطة لولاية ثانية وثالثة ورابعة وخامسة بل يقدمون له الدموع الهطال متوسلين به للعودة.

والسؤال الذي يجب على كل رئيس دولة أن يطرحه على نفسه هو:

ما الذي فعله لي كوان يو حتى استحق هذا الحب مِن شعبه وهذا الإصرار على بقائه في الحكم؟..

اقترح على رئيس كل دولة أن يقرأ مذكرات لي كوان يو (قصة سنغافورا) لكي يكتشفوا بأنفسهم سر حب شعب سنغافورا لرئيسهم وكيف استطاع هذا الرجل من نقل بلاده من العالم الثالث إلى العالم الأول من دولة متخلفة تعيش في الحضيض في خمسينيات القرن الماضي إلى دولة عصرية تناطح الدول الكبرى في التقدم والازدهار و تحصل على الترتيب السادس في اقتصاديات العالم.

خلاصة قصة سنغافورا التي يرويها لي كوان يو في مذكراته هي كفاح ضد الفساد والجهل . يروي لنا صاحب هذه المذكرات كيف بدأ بمكافحة الفساد من فوق السلم وليس من تحت السلم؟.

اذ بدأ بالوزراء والقيادات الحزبية وأقرب الناس إليه وواجههم بأشد العقوبات وصلت إلى حد الإعدام.

أما كفاحه ضد الجهل فبدأ بانشاء المدارس والجامعات في القرى والأرياف حتى لم يبق أمي في سنغافورا وأكثر من البعثات إلى الدول المتقدمة وجعل مِن اللغة الإنكليزية لغة العلم في بلاده إلى جانب لغتهم الأصلية.

وبهاتين الخطوتين استطاع لي كوان يو أن يخلق أفضل بيئة للاستثمار في بلاده حيث الاستقرار والأمن والبنية التحتية والكوادر الإدارية الكفوءة التي حركت عجلة المال في هذا البلد الفقير ،الذي تحول منذ الثمانينات إلى أعظم قوة مالية في العالم، فأصبح المال يتحرك في دورانه حول القطب السنغافوري مستقطبا المليارات من الاموال .

ومع تدفق المال إلى سنغافورا ازدهرت الحركة الصناعية بالأخص الصناعات الالكترونية وانتعشت  التجارة الخارجية مع دول العالم وما هي الا اعوام قليلة حتى تحولت سنغافورا إلى مركز صناعي وتجاري في قلب آسيا والعالم.

ومع ازدهار الاقتصاد انتعش الشعب السنغافوري فاصبح دخل الفرد  من الناتج الوطني الإجمالي 17.598 دولار امريكي وهو من أعلى معدلات الدخل في قارة آسيا ، واصبح الشعب يتمتع بمستوى رفيع من الرعاية الاجتماعية فهناك طبيب لكل 837 وسرير في مستشفى حكومي لكل 259 شخصا، لا وجود للبطالة إلا بنسبة قليلة لا تتجاوز 2% فكل أبناء الشعب في ورش العمل 28% في التصنيع 23% في التجارة و 22% في خدمة المجتمع و 10% في النقل والتخزين والاقتصاد فالشعب الذي يصل إلى هذا المستوى من الرفاهية والتقدم سيحب رئيسه ويتمنى له البقاء في السلطة لولاية أخرى ثم أخرى.

وهذا هو خلق الاسلام علمنا اياه معلمنا الاول رسول الله( ص) فقد كسب قلوب الناس بتواضعه ورفقه ولينه ، وقد امره الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ( واخفض جناحك للمؤمنين) الحجر88 ،فكان التواصع منهجا في حياته .. كان سهلا في التعامل يساعد من يريد المساعدة ملبيا لحاجات الناس بالاخص الفقراء.

فقد ذكر اهل السير: كان يبدأ بالسلام لمن لقيه، يستقبل الصبيان ويسلم عليهم ويلاعبهم فعن انس : إن النبي كان يزور الانصار ويسلم على صبيانهم ويمسح برؤوسهم لذلك لم يكن شخص احب اليهم منه كما ذكره انس.

ولم تكن هذه صفات ظاهرية يصطنعها رسول الله لكسب الناس بل كانت هذه طبيعته وطينته تراه في بيته يخصف نعلاه ويخيط ثوبه كما رواه ابن حبان وغيره. وكان يشارك اصحابه في القيام بالمهمات ، شاركهم في نقل التراب يوم الخندق حتى اغبر بطنه، ويسعى في قضاء حاجات الناس ،  فعن انس ايضا: إن كانت الامة لتوقف رسول الله في الطريق فتخلو به عن الناس حتى تذهب به حيث شاءت من المدينة في حاجتها ليقضيها.

كان (ص) يعيش عيشة الفقراء في طعامه وشرابه وملبسه وهو الحاكم فلا ميزة له عن ابناء شعبه الذين احبوه وفدوه بانفسهم في كل المعارك التي خاضها طيلة حياته.

واستطاع رسول الله(ص) بهذه الاخلاق الرفيعة ان يصنع امة لازالت تفتخر به امام الامم والشعوب. اذ تحول الى امثولة و قدوة لكل حاكم ( لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا) الاحزاب 21.

ولمن كان يرجو محبة شعبه ايضا الاقتداء برسول الله الذي ضرب اروع الشواهد على حاكم رقيق القلب لا يحمل في نفسه ذرة من غل او كبر وكان بين اصحابه اكثرهم مشورة في امور الدولة .ومع ذلك كان شديدا على المنحرفين والكافرين ( محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا) الفتح 29

استاذ جامعي – العراق

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. ان الرئيس الجزائري الذي يحاول التمسك بسلطة بعد اكثر من 20 سنة حكم رغم ان أغلبية الشعب ترفض بقاءه في الحكم.
    فاللرئيس عدة انجازات منها ارجاع السلم الى المجتمع بعد العشرية الحمراء والقيام باعادة بناء البنية التحتية وتدعميها بإنجازات اخرى مثل الطرقات و المطارات و السكنات .
    و لكن الرئيس فشل في بناء اقتصاد قوي رغم المداخيل التي بلغت حوالي 1200 مليار $
    فالبطالة بلغت حوالي 30℅ وانهارت قيمة الدينار امام الدولار حيت كان 1$=70 da سنة 1999 اما اليوم 1$=110 da في السوق الرسمي.

    كما فشل الرئيس في انشاء منظومة صحية فاغلب رجال النظام يعالجون في الخارج وعلى رآسهم الرئيس فكيف لاكبر بلد افريقي لا يملك مستشفى لعلاج مرضاه.
    اما التعليم فتصنيفات الدولية هي خير دليل على ذلك اين تحتل الجزائر المؤخرة.
    لقد قام الرئيس بتقنين الفساد و المحسوبية و ابعاد الكفاءات وتشجيع الجهوية و اصبحت العائلة هي التى تتحكم في دواليب الحكم.
    و لذلك على الرئيس ان يسلم المشعل قبل فوات الوقت.

  2. كان يا ما كان هناك كم بلد عربي فيهم المدارس المجانية والإلزامية وبمستوى رفيع والجامعات والمعاهد الراقية والمستشفيات والمستوصفات والطبابة التي كانت قبلة المرضى من كل بلاد العرب وكانت فيها السلع الأساسية متوفرة للجميع وبأسعار زهيدة والمواصلات وكل البنى التحتية الضرورية لتطوير الإقتصاد ولكن بعض أفراد شعوبنا تحمل جيناً إسمه الجهل المدقع وجيناً آخراً إسمه التطرف التعصبي والطائفي. وهذان الجينان دفعا حامليهما إلى تحطيم بلدانهم لقاء البترودولارات.
    وها هي شعوب هذه البلدان تتحسر على ما خسرته.

  3. نعم سيدي. ان النموذج الذي بعثه الله للبشرية ليقوم الناس بالقسط هو المخرج الوحيد للبشرية جمعاء . ولا ضير هنا من تكرار تعليقي الذي كتبته على مقالة الدكتور زلوم فقد توافقتما تماما في استخلاص العلاج الشافي. وقلت في ذلك التعليق:
    “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ”
    المقصد ألأعظم للأديان والشرائع السماوية كلها هو”العدل”. واذا ساد العدل من خلال عمل مؤسسي يحكم الجميع بالتوافق (الشورى) فسوف تفتح كل أبواب الخير وينطلق الناس (كل الناس بدون تمييز) آمنين على أنفسهم وأموالهم يضربون في الارض مطمئنين. والقرآن يشير تحديدا الى ذلك في المجتمعات التي سبقت الاسلام ” وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ”.
    ونفس الشيء ينطبق علينا الان بضياع ما أنزل الله من كِتَابَ وَمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here