دراسة نقدية: ظلال الحداثة في… قبضةٌ من ضباب

يوسف عبود جويعد

قد تكون تلك فرصة مهمة, أتاحتها لي المجموعة القصصية القصيرة جداً (قبضةُ من ضباب) للقاص محمد الميالي, لندخل عالم فن صناعة هذا الجنس الذي يعد من الأنماط الادبية  الصعبة, كونه فن تكثيف التكثيف الصعب, وما شمله من تطور ودخوله في عالم الحداثة وما بعد الحداثة, وإجريت عليه محاولات تجريبية تنوعت من حيث البناء الفني, وأساليب التناول, والذي يعد أضافة نوعية لادواته الأساسية والتي يجب أن يدركها كل قاص يدون هذا الجنس, وهي حالة لابد من معرفتها, وهي: الاحداث المكثفة, واللغة السردية المكثفة,ويجب أن تشمل الاحداث سياقها الفني الصحيح والذي يشكل حالة ثابتة لا تتغير في الاجناس الثلاثة, الرواية, القصة القصيرة, والقصيرة جداً, وهو المسار الطبيعي للاحداث, التعريف,الحبكة, التأزم, الأنفراج, وهو أمر مفروغ منه, الا أن الأختلاف فيه يكون في العملية التكثيفية التي يتبعها القاص في صناعته للقصة القصيرة جداً, أضافة الى ذلك يمتاز هذا الجنس بالضربة الادهاشية, أو النهاية التي تحمل مفاجأة غير متوقعة من قبل المتلقي, وهكذا فأن كاتب القصة القصيرة جداً قد أمتلك أدواتها التي تؤهله للدخول في عالمها, أما ما طرأ عليها من إضافات والتي أدخلتها في دورة التطور, وأخرجتها من قالبها الرتيب الى حيث الحداثة, هي تلك الأضافات والمعالجات الفنية التي إنضمت لبناء النص وغدت جزء من العملية السردية فيه, منها: اللغة الشعرية الإنزياحية وما تحمله من صور إستعارية تكون بديلاً عن لغة السرد الاعتيادية, وكذلك من تلك التطورات الحكمة, الوعي الفلسفي, الثقافة العالية التي يتحلى بها القاص كخزين فكري يساهم ي إنضاج النص, وهذا الجنس قابل لإستيعاب كل المتغيرات التي من شأنها الإنضمام إليه مع مراعاة بقاء السياق الفني الاساسي سالف الذكر, أي أن تلك الاضافات تشكل الحالة البارزة والظاهرة في عملية البناء, بينما ينضوي سياقها الفني كأنساق مضمرة بين ثناياه, وبهذا يكون القاص قد حافظ على أصول صناعة هذا الجنس,ثم عمل على جعل تلك الأضافة عملية مكملة لبناء النص, وهذا ما نجده ونحن نحلل المجموعة القصصية (قبضةٌ من ضباب) للقاص محمد الميالي, حيث عمد الى تغليفها بتلك الأضافات الحداثوية فأنضوى سياقها الفني تحت خيمة هذه الاضافات, كونه جعل اللغة السردية فيها, لغة شعرية إنزياحية إستعارية لرؤية تكون بديلاً عن لغة السرد الاعتيادية, وهي تشبه الى حد بعيد تلك الألوان الزاهية الجميلة المنبعثة من لوحة تشكيلية تومض من خلالها أكثر من معنى, وتشكل حالة تأملية تثير إهتمام المتلقي.. وهي تأخذك الى أعماق الاحداث لتكتشف العملية التكثيفية التي طرأت والتي  تحولت الى لغة إنزياحية مع بقاءها مضمرة ضمن الانساق التي إنضوت تحت تلك اللغة الشعرية, ولكي نكتشف هذا التطور الحاصل في فن صناعة القصة القصيرة جداً, سوف نرحل مع تلك النصوص ونسبر أغوارها ,ونعيش أحداثها بشكليها, اولها الإنزياحية, وثانيها الاعتيادية..

ونكون مع أول قصة قصيرة جداً في هذه المجموعة وهي: (ما وراء الملكوت).

عَرجَ البهاءُ, عَبْرَ بَوّابةَ الأقصى, هناك قابَ قوسَينِ أو أدنى, في ضيافةِ الكَوِن, مائدةُالنّورِ, تُفاحةٌ كالمصباحِ. بسملة الشّفاهِ, استساغها كُلّها, استحالت, أشرقت الشمس في صلبِ اليَقينِ, استودعها قُبّةَ الطُهرِ, ولد النّور من النُّور, انشقّ الفَقار, بزغ القمران.

وهكذا نجد اللغة الشعرية الإنزياحية ظاهرة وهي أمامنا, أما لغة السرد الاعتيادية فهي مضمرة, لكنها هي الأخرى واضحة أيضاً رغم انضمامها تحتها.. حيث تظهر لنا حكاية الرسول الكريم (ص), عندما يعرج الى السماء, فيأكل من ثمار الجنة, فتكون النطفة الطاهرة (فاطمة الزهراء) (ع), فيولد النور من النور, ثم يستودعها الامام علي (ع), أي يتزوجها, والذي أشار أليه بقبة الطهْر, كونه ولد في بيت الله داخل مكة المكرمة, ولم يسجد لصنم أو وثن, فهو قبة الطهر, ليشير الى إنشقاق ذو الفقار, وهي إشارة لولادة القمرين الحسن والحسين (عليهما السلام) من رحم فاطمة الزهراء (ع), بنت الرسول الكريم (ص), وهكذا فأن العملية الشعرية الإنزياحية لم تخل بالتركيبة الاساسية, والسياق الفني للنص, بل أنها أضافة منحته جمالاً ورونقا فنيا .

أما القصة القصيرة جدا( جعجعة) فأنها تنقلنا عبر إنزياحتها  الى تلك الجعجعة الفارغة التي يتباها فيها من يستعجلون الانجاز الابداعي, ويستسهلون كتابته,فتظهر كتاباتهم فارغة جوفاء هزيلة ركيكة.

مرّ منْ أمامي منشا, التَفتَ قائلا:

– ألَمْ يحنِ الحينُ بعدُ..؟

– أفصِح.

ليبتسم حرفُكَ.

أدرت عقلي عنه.. صدرتْ لهُ مجموعةٌ أخرى بِلا عُنوان.

وهكذا نكتشف أن الامساك بزمام السياق الفني والالتزام به والمحافظة عليه وبقاءه ضمن العملية السردية, مهما حدثت من أضافات يمنحها هويتها الانتمائية  ويبعدها عن الانحرافات التي تأخذها الى أجناس أخرى .

وقد يكتفي القاص في هذا الجنس الى الاختزال والتكثيف للحد الذي يصل فيه النص الى سطر او سطرين, وهي مقتضيات تتطلبها الثيمة وكثافة الحدث, وهذا مانجده في القصة القصيرة جداً (جَحودٌ) والتي تضع أمامنا ثيمة مهمة, وهي الجحود والتعامل الفج من قبل بعض الطلبة لمعلميهم.

جاءَ وديعاً, تسوّلِت ابتسامُتهُ, سدّ رَمَقَهُ.. طالتْ أظافرهُ, كتبَ بها على ظهرِمُعلّمهِ.

ونجد أيضاً العملية الانزياحية الشعرية, تتناص  مع القرآن الكريم, أو الوقائع التاريخية, وتستلهم منها رموزها, لتكون عملية مضافة الى هذه الاغلفة , قد يجد المتلقي الحاجة الى ذهن متقد من أجل سبر أغوارها, كما في القصة القصيرة جداً, (قارورة) والتي هي تتناص مع سورة يوسف لتجعل منها رمزاً لاحداثها.

نَفَختْ فيه من روحها, أطعمتهُ اللُّبَّ, تدحْرجَ بعيداً, سقطَ في غياهبِ اللَّهوِ, لم تلتقط السيارةُ كبدها, انقطعَ الحبْلُّ السّرِّي.

أما النص الذي يتضمن ضربة ادهاشية, والمفاجأة غير متوقعة, وهو حال جميع النصوص في هذه المجموعة, الا أن القصة القصيرة جداً (الميّاسة) أكثر بروزاً من هذه الناحية, حيث سوف يعيش تفاصيلها المتلقي, وكأن اللقاء قد تم بين حبيبين في خلوة رائقة حمراء, الا أن الأمر ليس كذلك,وهذا ما سوف نكتشفه.

نَفذَ عطرُهُ في أنفاسها, شنفَ مفاتنها, تدلَّت خَصلةُ شَعرِها, كشفت عنْ ساقَيها, تمتمت شفاهها, أينعتْ هواجسها, هَرولتْ نَحوه, احتضنتهُ بحنينِ اللَّهف في حَضرةِ الشَغَفِ, تعانقتْ جذوتا اللّقاءِ, صَهلتْ جوارِحُها فرحاً, جاءَها السّايِسُ بالسَرْج.

كما تجدر الإشارة هنا الى أن القاص اولى إهتماماً كبيراً باللغة السردية, من كل نواحيها واصولها حيث تشكيل الحروف, والفوارز والنقاط التي تمثل نهاية الجملة, وعلامة الاستفهام الذي يتطلبها إتقان النص من الناحية اللغوية.

أما القصة القصيرة جداً( ناقمة) فأنها تقدم لنا ثيمة عن النار, وإرتباطها بنار جهنم, ومن هم في السنة لهيبها الحارق, مثل آكلة الاكباد (هند), وزوجة أبي لهب الذي في جيدها حبل من مسد.

ذَهَبتْ مُغاضبةً, مُحلّقةً في فَراغِ الوَهْمِ, اعتَرَضها خُصومها السابقون, استأنسوها ناراًحارقة, أثْمَلَتْها سُمومُهُم, تَشَظَّتْ من فَمها ألسنةُ اللَّهبِ, تزاورتِ الأقنعةُ ثالوثٌ

شيطانيٌ, أفرغَتْ كُلَّ ما فيها, حَيتها آكلة الأكباد عن بعد, قلّدوها حبلاً من مسد.

ضمت المجموعة القصصية القصيرة جداً ( قبضةٌ من ضباب) للقاص محمد الميالي, نصوص كثيرة, تعددت في ثيماتها واحداثها, وحافظت على إنزياحاتها الشعرية الحسية, وتناصها مع القرآن الكريم  والتراث الديني, والحضارة, بوعي فلسفي وحكمة, مع خطابه الانساني والادبي والديني والاجتماعي, وأنساقها الثقافية المضمرة, ولغتها الرشيقة المنمقة المنقحة, وهي خطوة تجريبية نحو الحداثة .

طباعة وتصميم ( المتن) العراق – بغداد لعام 2018

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here