دانا نجداوي: نان تميز في قريات الملح.. والطعام اليمني الاطيب.. والنهم السوداني للقراءة اعجوبة

دانا نجداوي

تًدَّعَي شعوب الأمة المُخْتالةُ بأفضليتها على الجميع، إستخلاصها وإخلاصها لجميع العِظات الخالدات- الظواهر منها والبواطن- في القرآن العظيم. إحداها، وعلى سبيل بيّنةِ تُحاكي عين الشمس، أن الميت لا يطلبُ الرُّجْعَى إلى دنياه إلا من أجل بذل الصدقة ولا شيء غيرها!

إنها رمزية هائلة تُتوج التكافل الإجتماعي على قمة هرم التوجيهات الإلهية للفرد الواحد، وهو الخلية الأساس في جسم الأمة، فما بالك بالجسم كاملاً؟

لكن المًدهِش المُفْعَم بالبؤس حقاً، أن تلك الشعوب لا يحين لديها موعد الإحساس بجياعها حسب التوقيت البخيل لشِباعها، إلا عندما تُعلن السلطات الحاكمة عليها بالتخلف والتخالف عن ثبوت رؤية هلال واحد مرة في كل عام.

إنه لشهر واحد يشعر فيه الغني بالشفقة، وإنها أحد عشر شهراً كاملاً يُرغم فيها الفقير بطنه على حَملِ كاذب بالشبع. وإنه لموسم واحد سنوي تمارس فيه المجتمعات تكافلاً متورطاً بالنفاق وصور المرائين، وإنها إحدى أحد عشر موسماً يَصرخُ فيها الشيوخ على المنابر بالمؤكدات والمبطلات في جسد الإنسان وسوائله وبوله وغائطه.

هذه شعوب عندما تفعلها وتتصدق، يخرج منها مأكلأً آيلاً لإنتهاء صلاحيته وملبساً لم يعد صالحاً لمسح الأرضيات والجدران، ومن الحذاء ما صار يتنفس بكفاءة، وتراهم  تحسبهم أبراراً من شدة ما يرتلون ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)!

هذه شعوب لا يليق بها إلا حُكامها الذين ينصبون عليها من السلطات أفسدها، ومن الحكومات أحمقها ومن البطانة كل نقيصة وأثيم.

هذه شعوب تحمل معجزةَ القرآن بألسنتها دون أن تتحمله؛ لو فعلتها وتحملته بعقولها لأدركت أنها نكثت عهدها مع الله حين جعلها خير أمة أخرجت للناس.

في قريات الملح…

كُنت أرغم نفسي على حملٍ كاذبٍ بالبهجة مرة في نهاية كل أسبوع؛ حينما يعود والدي إلى المنزل حاملاً معه أقراص كعك التميس أو “نان تميز” كما يُطلق عليه باللغة الفارسية.

كان التميس، وهو الكعك الأفغاني القادم مع بقايا حُجاجِ أفغان، آثروا الحياة في الحجاز تقرباً إلى الله كما يدَّعون وهو الأقرب إليهم من حبل الوريد لو يتفكرون، مثل كرة الطائرة التي أطلق عليها توم هانكس إسم”ويلسن” وراح يتشارك معها وحدته وسط الضياع التام في رائعته فيلم “المنبوذ”.

وحده لا رفيق له، أستطاع كعك التميس الفاخر في لونه وطعمه ورائحته؛ أن يجردني من سلاسل الإغتراب ببراعة مُخّلِّصِ غامض. ولا تثريب اليوم على فولتير؛ فهو لم يحظى بشرف اللقاء مع كعك التميس حين قال” خبز الوطن خير من كعك الغربة”، وهو أيضاً لم يشهد مرحلة قد لا يُدرك فيها المغترب شرف المقارنة، لأنه لن يجد ذاك الخبز بعد عودته المنكودة إلى الوطن!

لاحقاً في وطني كان الأمر سيان…

فهو الذي تصدح به فيروز أرضاً للعزمِ كل صباح ويُدان به ذات العُزم بالبِطالة كل مساء. فيُحال الطموح على التقاعد المبكر، ويَصْدُرُ الحُكم على الأحلام بالسجنِ المشددٍ خلف خزائن المطبخ.

ومع مرورالوقت المشغول بالفراغ والإقصاء وإستحواذ قلة قليلة على مصادرالأكسجين دون غيرها، تتحول تلك الأحلام إلى بقع عفونة مخبوءة خلف الخزائن. قد تشعربها ربة المنزل ولكنها لا تكترث لها؛ طالما أن عيون قريبات زوجها أوجاراتها اللدودات لا يستطعن لها رصداً. إنها سياسة المكشوف أولى فأولى لربات المنازل في شعوب تتغطرس بوحدانيتها في الطهارة والنقاء.

آواخرعام 1990م وأثناء الساعة الوحيدة المخصصة للصغار على القناة السعودية الأولى، توقف البث فجأة وتحولت الشاشة إلى اللون الأحمر وفيها ” تحذير..تحذير.. تحذير.. صاروخ عراقي غاشم أنطلق الآن بإتجاه المنطقة الشمالية”. رددتُ المكتوب مع أخوتي بأصوات مُشاغبة حد الصراخ، فإذ بأمي تخرج من مطبخها باهتة مرتجفة، وعلى عجل راحت تسحبنا نحو غرفة نومنا وتأمرنا بالإختباء من صاروخ  كبير تحت سرير صغير .

عرفتُ أمي تسعة وعشرين عاماً، لم أسمع فيها يوماً صوتاً لبكائها!. كان بكائها أصماً لا يمتهن إلا سكب الدموع بغزارة، وهذه إحدى الصفات الوراثية السائدة بين نساء القوقاز”غزيرات الحُسن والبهاء”. كانت سمات الثرثرة مع الكبار وإستراق السمع من بين شفاههم قد بدأت بالكشف عن مخالبها في طفولتي، وعلى الرغم من ضجيج صوت صافرات الإنذار، إلا أن لسان أمي وقع متلبساً أمامي وهو يتمتمم بالشقاء والفناء على الراحل صدام حسين، فسألتها بإكتراث طفولي: من هو صدام حسين يا أمي؟.

وكررت عليها السؤال ثانية ورابعة وسابعة بلا توقف، كأي صغير تُحرضُه نوبة من الفضول على إرسال موجات إهتزازية طارئة ومزعجة، تنفذ عبرالقشرة المخية  للكبير حتى تصل إلى دماغه المتوسط، وهناك يقع مركز الاستجابة التلقائية اللاشعورية الذي قد يستجيب بقسوة مفرطة تتسبب تالياً في ندم الكبير والصغير على حد سواء. منذ سنوات، وفي أي نهار مديد القامة، يُهشم إلْحُاحُ أطفالي الذي لا ينتهي، رأس سكينتي التي لا تبدأ مئات المرات والكرات. فنحن حين نكرر الإنجاب، فإنما نكرر إنجاب أنفسنا، وتكرار أي جريمة يؤول إلى مضاعفة العقاب بلا شك. تباً لإلحاحي كم كان فظاً غليظ النقر!

أثناء عملية الإجلاء وخروجاً عن مساق إدراة القلق لدى الأمهات؛ لم تستخدم أمي قبضتها شديدة البياض جزيلة النعومة  في إحباط إلحاحي المنتظم حسب الثواني. أخبرتني بعد فوات الأيام الطويلة أنها كانت في غياب تام، تستحضرأرواح الفزع في ماضيها الصغيرعندما ألتجأت طفلة مع عائلتها وبقية أهل الحي إلى أحد السراديب المظلمة في أحداث أيلول الأسود، التي وقعت في العاصمة الأردنية عمّان عام 1970م  بين الجيش الأردني وفصائل الفدائيين في منظمة التحريرالفلسطينية.

في نهاية السبعينات وبعيد إكمالها للسنة الدراسية الأولى في جامعة دمشق قسم التاريخ، جاءت أمي إلى عمان لقضاء عطلتها الصيفية التي تزامنت مع إجازة لوالدي القادم من العربية السعودية. وعبر وسائل الثرثرة النسائية تم الزواج بينهما في غضون ثلاثين يوماً، حيث سافرت معه إلى السعودية، ومنذ ذاك الحين لم تستنشق المأسوف على إختناقها هواء دمشق من جديد فماتت بنقص التروية الدماغية.

لم أشعر بكلل! تركت أمي في إنجمادها وخرجت من تحت السرير بحثاً عن أبي، عله يُشبع فضولي بلقمة إجابة. قبل أن أصل إليه، كنتيجة طبيعية لعمليات الكر والفر التي أستوجبتها خطة أمي للطوارئ حينها، وقعت إشتباكات عنيفة بين الفصائل الصغيرة الهائجة في أحياء جدائلي السوداء. كان شعري في العراك سفيهاً بلا وقار! كرهطٍ من نوائب الشعوب يلتئمون تحت قبة برلمان عربي، وما أن أقتربت من والدي وهو في الظلام الحالك، حتى ردد ثلاثاً بطلب السّلامِ قولاً من ربِ رحيمْ إستعاذة من رأسي الخارج عن حدوده الرسمية.

على الفور، دفعني مركزالإستجابة التلقائية في دماغي المتوسط  إلى التوقف مباشرة عن طلب المعرفة، وبدأت حملة إلحاحية جادة نحو الله! لماذا لم يخلق شعري أملساً غيرمنفوش، ولماذا ليس أشقراً يكاد نوره يضيء الزوايا بلا مصابيح؟.

عندما تفقد الأنوثة  لدى العربيات عذريتها ، يدفعهن الشعور بالعار المُلفق إلى إعتناق الشغف بعقيدة التجميل. فينشغلن بالطواف حول مراكزِ لصناعة الأصنام المتطابقة، التي تتم فيها إعادة تشكيل الأنوف ورسم الخدود وإخراج الشفاه عن مساراتها الطبيعية، فضلاً عن سعيهن السنوي بين عيادات الحقن والوخز.

 قبل ثلاث أعوام… بدأت الإدعاء بإنتمائي إلى تيار ضعيف التمثيل والحضور، يحارب تكنولوجيا العبث بملامح الأنوثة الطبيعية، ويطالب بالإكتفاء باليسير من مساحيق تجميل إبتدائية وخلطات طبيعية ورد ذكرها في تراث الجدات. بكل تناقض فاحش، أمارس هذا الإدعاء وأنا التي أشعر بإرتياع تلقائي عندما يلتقط أحدهم صورة لوجهي الخالي من أية مركبات تجميلية، فأحذف الصورة وأتوسل الفاعل بالتسترعلى ما ورد فيها من وقائع. ياعفو الخالق… ياوهن المخلوق… كم أنا عربية نجدية!.

في القريات، كان والدي يتوارى عن أنظارنا كثيراَ خلال الفترة الممتدة من غزو الكويت حتى تحريره في عملية عاصفة الصحراء. يستقرفي غرفة الضيوف المظلمة ليستمع إلى الإذاعة الأردنية بهدوء تام. كنت أراقبه حثيثاً، ووصل بي الهوس الذي صنعته وسائل الإعلام العربية لأجيالنا – مواليد الثمانينات– إلى تشبيه حالة والدي برأفت الهجان، الذي نال فخرأطفال العرب قبل كبارهم في تلك المرحلة. المجد لإبن عبد العزيز والبقية تحاصرها دوائر من الشكوك، كحال بطولات عربية نمطية كثيرة أوقعنا تاريخ مُحرف في أفخاخ الزهو بها.

لاحقاً عرفت أن والدي المسكين لم يكن أكثر من مواطن غاية في الطيبة، يبحث عن تحليلات حُسن النوايا في  مواقف الراحل الحسين بن طلال من غزو الكويت، ليجادل بها إن سُمح له وبسرية تامة زملاؤه في العمل من الأجانب أمثاله. كان كثيراً من هؤلاء يكيلون الإتهامات للراحل الحسين أكثر من الراحل صدام الغازي بجيشه، ويقسمون على أنه – أي الحسين– متواطئأ حتى صلعة رأسه على حد تعبيرهم.

 تكرار ذاك القسم على مسامع والدي، كان سبباً في تحول إرتفاع الضغط الشرياني لديه من  حالة عرضية إلى حالة مزمنة تستدعي تناول الأدوية الخافضة للضغط، مرة في الصباح وأخرى في المساء حسب تعليمات الطبيب. ليته لم يكن مواطناً غاية في الصلاح!

في القريات أنتحل كل عربي صفة المتحدث الرسمي بلسان عاهل أو رئيس الدولة التي يحمل جواز سفرها أو وثيقتها. كان فلسطينيو مخيم اليرموك أشرس المدافعين عن حافظ الأسد تماماً كالسوريين، واللبنانيين في حالة من الفوضى الطائفية كما رُسمت لهم منذ رسم حدودهم، أما فلسطينيو الأردن فلا يصفحوا للملك حسين خطيئته الكبرى في أيلول الأسود كما يسمونها، ولكنهم يميلون كل الميل إلى الراحل صدام حسين فيذرون الراحل ياسرعرفات كالمُعلق على أطراف ولاء للقضية الأم بلا نكهة. أما المصريون فكانوا يرفضون الثرثرة السياسية قطعياً ويبادرون بفض الجلسة.

تسبب تنوع الأصول وإتساع جغرافية المنشأ لدى عائلة أمي؛ في تموضع أسرتنا على مقربة واحدة من جميع الجاليات في القريات. كما تسبب أيضاً، في أصابتنا كأبناء الأسرة الصغيرة بمتلازمة تشتت ثقافي لازلنا نتكبد أعراضها ما بين الحين والأخر. كانت الزيارات العائلية أو رحلات يوم الجمعة إلى أطراف الصحراء ترويحاً عن النفوس، تضم أصدقاءً من سوريا والأردن ولبنان وفلسطينيي الأردن وفلسطينيي سوريا ” أصحاب الوثائق القادمين من مخيم اليرموك ” وفلسطينيي غزة” أصحاب الوثائق المصرية” والمصريين واليمنيين والسودانيين.

 كان السودانيون أكثر جالية عربية تقرأ، وهم حتى اليوم ندرة لازالت تحفظ للورق هيبته ولم تجدي بها القراءة الإلكترونية نفعاً، والشعب السوداني هو الشعب العربي الوحيد الذي لا يتبجح بإرتفاع رصيده من قراءة الكتب، لأنه يؤمن حقاً بأن الإعتكاف كلما كان صامتاً كلما كان أطهر وأصدق.

اللافت حقاً أننا وطوال أثنا عشر عاماً، لم نرى أو نسمع عن عربي مغاربي حط رحاله أجنبياً في قريات الملح إطلاقاً. كما أنني لم أر حتى اليوم عربياً سكن العراق أو درس فيها قبل السقوط لا يحمل في صدره عشقاً مكتمل النصاب نحوها يفوق إنتماء كل العراقيين إليها.

 كان والدي معجباً بحُسن معشرأهل اليمن وخفة ظلهم ولذة أطباقهم. وفي الواقع، لم يجرؤ أي مطبخ خليجي على الجلوس فوق عرش موائد منطقة الخليج كما فعلها مطبخ أهل اليمن. كان اليمنيون تحديداً أكثر الأجانب إستقراراً في العربية السعودية وأسرعهم ذوباناً في المجتمع السعودي. تشي الحواضر والبوادي من شمال السعودية إلى جنوبها ومن غربها إلى شرقها برائحة العرق الذي سكبه أهل اليمن في سبيل صناعة ما يعرف بالعربية السعودية، حتى كان البعض يشبه اليمني في العربية السعودية بالأردني من أصل فلسطيني في الأردنية الهاشمية.

إنها السنة التاسعة عشر بعد الألفين وفيها يشهد اليمن السعيد أكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث.

ياترى ماذا يفعل الله عندما يُلِحُ عليه الطغاة في الثلث الاخير من الليل متوسلين بالجنة؟.

كاتبة من الاردن

Print Friendly, PDF & Email

7 تعليقات

  1. أسلوب مدهش وطريقة فريدة فس السرد ومضمون فلسفي عميق
    في إنتظار المزيد

  2. هل هذه أول إبداعاتك؟! جميل أن تصفي الواقع المتشابك دون السقوط في التقريرية السياسية التي عابها علي البعض في روايتي” سنوات خداعات” ولكنك نجوت منها ببراعة! أهنؤك على السلامة والنجاة فالكتابة كلها محاذير وشراك!

  3. التعليق:
    اجمل ما قرأت لهذا العام بسم الله ما شاء الله اسلوب رائع وقلم متمرسم رغم حداثة السن
    في انتظار ابداعاكم دانا …..

  4. ابدعتي دانا…اسلوب رائع ومشوق…كلام جميل مع كل الوجع الواضح بين السطور ..واقع مؤلم…كم انا فخوره بك …بانتظار الاجمل

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here