دانا نجداوي: قريات الملح

دانا نجداوي

الجزء الأول

يُعرب القائمون على عملية إجلاء المواليد خارج الأرحام ، عن إرتياحهم الشديد وخَفْض حالة التأهب من الدرجة القصوى إلى الدرجة المتوسطة ، في أعقاب سماعهم لدَويّ إنفجارات هؤلاء الصغاربالبكاء، و يفسر قائد العمليات المشتركة سبب هذا البكاء، بأنه شعورالطفل بالقلق حِيَال موجات تسونامي أكسجينية تخترقُ صَدْره الرقيق عنوة لحظة الإسقاط في العالم الجديد.

  بيد أن هذا القلق يُعد خُطوةً إستراتيجية في تعزيزالشراكة ما بين المولود ورئتيه و تأكيد شبه حتمي على أن أمته العريقة التي وقع عضواً في سجلاتها المهترئة لا زالت في طور تضخمها العبثي.

 كيف لا؟ وهي أمة ألهاها التكاثرلا أكثر.

في الحقيقة ، يصرخ الوليد في دقيقته الأولى عندما يُدرك أن أمه قد تآمرتْ عليه حين سمحت لِرَحْمِها أن يتقلص بقسوة ليحطمً جُدران جنة طفلها الصُغرى ، فيطردً ماءِ رأسِه في بدايِة المَخاضْ، ويُلقي به بين عظام الحوض في منتصفه، ومن ثم يدفع به خارجاً عبرفُوهة الشرف التي تتسع حتى خمسة أصابع في نهايته . ما الولادة إلا جناية الخذلان الأول بلا عَمدْ، تَرْتكِبُها الأم تحت وُطأة زلزال رحمي ويسفرعنها نزوح  قسري للوليد دون الإعتراف بحق عودته.

في فجر جمعة صيفية عام 1983، ألقى طبيب ذائع الصيت القبض على رأسي في إحدى مستشفيات جبل عمان الخالدة، فأهتزالمهد وربا بمولودة قارب وزنها على الخمسة كيلوغرامات وعيناها في إندهاش تام . ولما كان الزمان ثمانينياً وليس لدى المؤمنين وسائل إتصال إلكترونية  ليتراشقوا بركات الجمعة الإفتراضية عبرها ، كان نبأ قدوم صغير سمين مثلي إلى الحياة مدعاة للبشرى وإستشعاراً لبركات الجمعة بين الناس ، إلا أن وزني المهيب لم يفعلها لأنني كنت الأنثى الثانية في سجل أسرة مبتدأها عربي وخبرها قوقازي . حينها تلقى والدي أسمى مشاعر المواساة  بالعربية والشركسية والتي قيل فيها له ” لا تحزن يا أبا البنتين، ففي المرة القادمة، سيشرح الله صدرك ويضع عنك وزرك ويُفرحَ قلبك بإنجاب ذَكرِ يحمل اسمك ويرفع رأسك، لا تحزن فإن الصبر مفتاح الذكر”.

 كان أبي رجلاً كثيراً، فأعرض عما تلقاه وراح يقبل جبين أمي ويقسم ببركات تلك الجمعة وبعيني الفسيحتين أن بهجتي في قلبه تساوي بهجة ذكرين ويزيد! ولا زال حتى الساعة يكررذات القسم كلما رآني أو سمع صوتي .

نعم وصلت إلى الدنيا عبر مدينة عمان، ولكن مستقري ومتاعي كان خارجها، فمنذ منتصف السبعينات خذلت عمان رب أسرتنا وقذفت به مساعداً صيدلانياً يبحث عن لقيمة حياة في العربية السعودية. هناك في أقصى شمال السعودية وعلى بعد ثلاثين كيلومتراً عن الحدود الأردنية السعودية ، ترقد مدينة القريات فوق كثير من ملح وقليل من تراب، ولهذا سميت بقريات الملح .

 إن المدن كالنساء والنساء يحملن ويلدن و يصاب بعضهن بإكتئاب ما بعد الولادة فيصبحن ومع إنعدام العلاج قاسيات عابسات، مستهينات ومهانات، لا يمنحن الحب ويسلبن الأمان الذي يُبعث مع مواليدهن بالفطرة ، أما ساكني هذه المدن، فهم مواليد لم يعبرلهم من حبل الوريد سوى الملح وحنان زهيد .

في القريات أسقطتني أمي ثانية، وهذه مرة عن سبق الإصرار والتعمد، حين بلغت السادسة من عمري ونُفيت بعيداً عن ظل عباءتها للإلتحاق بالصف الأول الإبتدائي .

ذاك صباح، أحتجت فيه جموع الصغيرات وأنا إحداهن، على قرار فك الإرتباط مع أمهاتن، وأتخذن من البكاء والعويل وسيلة للضغط على إدارة المدرسة السابعة الإبتدائية للبنات في حي حصيدة الشرقي للتراجع عن قرارها الجائر الذي يقضي بإقتيادهن إلى الصفوف وعودة أمهاتهن إلى البيوت، وعلى هيئة حبات من ذرة أصابها وابل من فوران،  تفرقعنا حول المعلمات  نمارس صوت لاءات رافضة، وكانت تلك هي الوقفة الإحتجاجية اليتيمة في حياتي.

لم يدم مشهد الإعتراض طويلاً، فما لبثنا سوى بضعٍ من دقائق، حتى أتخذت السلطات من تغريد الصغيرات ذريعة للتصعيد الخشبي وأستلت إحدى الإداريات عصاتها السميكة ولوحت بها في سماء الإصطدام، تبعها صوت الصافرات المدرسية المشؤومة وبهذا تحققت غاية السلطات في كبح جماح الحشود الثائرة ضد القرار، وبدأنا بالمسير الصامت نحوغرف الصفوف بكامل طاقتنا الإذعانية.

ورغماً عن أنف الخوف أثناء المسير، إلا أنني تجرأت على إزاحة وجهي إلى الخلف نحو البوابات إستجداءً لنجدة في عيون أمي علها ترقعني في بطنها من جديد وأعود إليها، ولكنني لم أستطع رؤيتها، فهي التي أستترت وبكامل طاقتها الإذعانية مع بقية الأمهات خلف عباءات سوداء ” تخنق الجسد من الرأس حتى أخمص القدمين” رُعباً من عصا خشبية أشد قسوة يتسلح بها ذكورهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هؤلاء ذكور أرتفعوا عن الأرض بفعل مركبات دفع رباعي منحتها لهم تلك الهيئة من أجل الطواف ليل نهار حول شوارع القريات وأزقتها  بحثاً عن رائحة أنثى لم تختنق حق الإختناق تحت عباءتها، فإذا فعلتها عُوقبت بالضرب المبرح على عيون الحاضرين وأسماع الخائفين و يعاقب ولي أمرها بالسجن خلف قضبان سجون الهيئة في حال أن تجرأ على محاولة الدفاع عنها.

وبلا جدوى، أدرت وجهي إلى بوابة الدخول و تابعت المسيروأنا على يقين أن أمي كانت هناك خلف أكوام السواد وكان وجهها كالقمرأواشد نوراً .

في رزنامة التعساء يكررالخذلان إنتاج مشاهده مع تعديلات بصرية أكثررداءة وأعمق حسرة .لذا، فبعد مضي أربع وعشرين عاماً مُنيث بإعادة البحث عن أمي عندما ولجت إلى مغسلة الموتى ولم أستطع تمييزها، فأدرت وجهي نحو بوابة الخروج وأنا على يقين أنها كانت هناك خلف أكوام البياض وكانت رائحتها كالمسك بل أشهى كثيراً .

لوكانت الخيبات رجلاً، لقطعت جسده بمنشار وأذبت ملامحه بأسيد ، ولكن لو لازالت تفتح عمل الشيطان في العربية السعودية ، وتفتح قلمي على سرد المزيد لاحقاُ في حلقات القريات.

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. استمعت كثيرا بهذه الصور التعبيرية والبراعة اللغوية.
    شكرا وبانتظار الجزء الثاني

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here