دانا نجداوي: قريات الملح.. سيرة ذاتية مختلفة

دانا نجداوي

الجزء الثاني

“لا تخبر أحداً أنك تستطيع أن تقرأ أوتكتب، وإلا ستكون زنجياً في عداد الموتى”

هذه نصيحة أسداها أحد الرفاق إلى “سلومون نورثوب ” في فيلم إثنا عشرعاماً من العبودية والذي يروي قصة حقيقية لشخص أسود حُر تم اختطافه في العاصمة الأمريكية واشنطن عام 1841م، وبيع في سوق النخاسة.

“سلومون” عمل كعبد لإثنتي عشرة سنة في إحدى مزارع ولاية لويزيانا، قبل أن يطلق سراحه ويعود حراً. تدور أحداث العبودية في الفترة ما بين عام 1841 إلى 1853م.

في قريات الملح عام 1990م، وفي أول أيام موسم رعوي جديد لعدد من النعجات، في السنة الثالثة الرعوية، شعرت راعية التربية الفنية (ش.ر) بتخمة ممزوجة بنعاس، فتثاءبت مرتين  وتجشأت مرتين ثم بدأت جولة من الرواح والمجيء داخل حدود مرعاها الصغير.

لم تشعربأي حرج، فهي تطلق العنان لغازاتها المكبوتة بين المريء والمعدة فتمنحها فرصة للتسرب في حضرة صغيرات جاهلات فقط. في غضون نفث الريح، تذكرت (ش.ر) وهي زوجة أولى، إقتراب موعد حفل زفاف زوجها على عروسه الثالثة “سميرة”، فألتقطت إصبعاً طبشورياً وكتبت على اللوح إسم ضرتها الجديدة.

عند كتابتها، خال إلى النعجات المُستنشقات للأرياح خلف الأدراج، أنه قد حان موعد الدرس الأول، فعبرت بعضهن عن رغبتها في المشاركة وردت هي بالقبول إضاعة للوقت وكسراً لسآمة صباحية.

من على يسار المرعى في الدرج قبل الأخير، وقفت إحدى النعجات وقفة طفلة نجيبة بالفطرة قبل عصر الذكاء الإصطناعي، وجعلت تهتف بسبابتها اليمنى بُغية التصريح لها بتقديم الإجابة الصحيحة. كانت نعجة قصيرة القامة، مكتنزة باللحم، ووجهها مثل رغيف أبيض يخترقه زوج من العيون الخضراء.

الراعية التي لم تخرج يوماً خارج الحدود، لم تخنها حنكتها الرعوية بأن تلك السحنة تعود لنعجة شامية أجنبية تسللت بين القطيع لتقتات على خيرات مروج الملح والتراب، فسألتها عن إسمها قبل السماح لها بالإجابة، وعندما سمعتها أومأت لها فقط بتحريك خط كحلتها الثخين الممتد من أول العين حتى أخرالحاجب، فثغت النعجة وقالت: هذه كلمة ثميرة، أنا أغارمن ثميرة توفيق يامعلمتي! وبقيت قائمة على سيقانها بفرح، كأنها تنتظرتصفيقاً أو بعض ثناء!

يا لها من جريمة مزدوجة تلك التي أرتكبها لسان النعجة الأجنبية وهزت أوساط المجتمع الرعوي. بداية، سخرت الراعية من الثين ومن قصرقامة النعجة وسُمنتها، فضحكت حتى بان ضرسها الذهبي المُشَوَّه ببقايا طعام عشائها الفائت، وأشاعت بأسباب قهقهتها على الملأ من الصغيرات. حدث هذا في باكورة الموسم، فأنتزعت الأجنبية لقب أضحوكة القطيع بجدارة وعلى مدى سنة رعوية كاملة.

وعودة إلى الجريمة، فبعيد إنتهائها من نوبة الضحك الساخر، أصدرت الراعية حكمها في الشق الثاني للجريمة والمتعلق بإطالة اللسان في دجه لإسم معصية في جملة مفيدة. فأنقضت على الأجنبية مُمسِكة بوجنتها اليمنى بين أظافرها، وأدارتها بإحكام بإتجاه عقارب الساعة تعزيراًعلى ذكر اسم فنانة، فكل فن حرام وكل حرام في نار جهنم. وتطبيقاً لأحكام الشريعة الرعوية، لم تطلق الراعية سراح وجنة النعجة حتى تأكدت من تحولها إلى اللون الأزرق المائل للبنفسجي، وعلى هذا دق الجرس معلناً نهاية الحصة الأولى.

كيف للأجنبية أن تنسى؟

ووثيقة التمييزلا زالت بيضاء اللون سوداء الحروف. تشهد فيها إدارة المدرسة السابعة الإبتدائية للبنات في مدينة القريات أن الأجنبية أجتازت المرحلة الإبتدائية الثالثة بعلامات كاملة في جميع المواد الدراسية ماعدا التربية الفنية، فلقد حذفت (ش.ر) 7 علامات في مادة التربية الفنية ( وهي المادة الوحيدة التي تقدر فيها العلامات تقديراً وتحصل فيها جميع الطالبات على علامات كاملة أو أقرب إلى الكمال)، جميع الطالبات لا تشمل الأجنبية حتماً.

على الأرجح كان مفهوم “السَّعْوَدَةِ” لدى تلك الراعية، يقتضي بأن الأجانب، كل الأجانب في العربية السعودية منكر، والمنكرلا بد من تصحيحه باليد أوباللسان أو في القلب إذا ما استحالت الأحوال. إن تفوق أجنبية وحصولها على المرتبة الأولى على طالبات الصف الثالث شعبة “أ”  كان مدعاة لإحساس (ش.ر) بالخيبة والإنكسار، فتدخلت بسلطتها لتمنع وقوع المنكر.

هناك قصة رواها كثيرمن المؤرخين في العربية السعودية عن أن الفنانة سميرة توفيق  كانت سبباً رئيسياً في إغلاق أول صالة للسينما في العربية السعودية بسبب غمزتها الشهيرة في فيلم “البدوية العاشقة” – أول وأخر فيلم عرض في المملكة عام 1950 – حيث تسبب هذا المشهد في حدوث عراك بين الحضور بعد أن أدعى كل شخص أنها تعنيه بغمزتها وتدخل رجال الأمن لفض العراك انذاك!

اليوم، وقد تجاوزت الخامسة والثلاثين من عمري، وبلغت من الطول مبلغاً جيداً جداً، ومن الوزن مبلغاً صحياً، وأنطق حرف السين صحيحاً في لغتين وأكثر، ولم أعد ذكية إلا بمكملات صناعية، أوجه سبابة الإتهام نحو أمي وأبي لضلوعهما المشترك في حادثة النعجة الأجنبية التي وقعت عام 1990 فوق الأراضي القرياتية، وأُسوغ إتهامي بما يلي من حجتين.

أما الأولى، فعندما كنت صغيرة، كان والدي يعلمني كيف أخفي لساني خلف أسناني عند حرف السين. وبعد كثير من المحاولات يثني على أدائي، وتصفق أمي إعجاباً دون مصارحتي بالحقيقة، أوعلى الأقل تصحيح الخطأ حينما كنت أغني ” أنا ثعيدة في الثعودية”.

وأما الثانية، فقد كانت أمي زوجة لرجل لم يخرج عن أعراف الشغف لدى رجال العهد القديم شرقي نهرالأردن، أولئك الذين يقف الواحد فيهم تعظيماً لوصول أرز ممزوجٍ باللبن “المنسف”، ويرقص مثل الصبية مرحاً مع سلة من حبات تين وقطوف عنب، وتُثيرسميرة توفيق حواسه البصرية والسمعية والوطنية.

ففي كل مرة كانت تطل فيها سميرة السمراء على شاشة التلفزيون الأردني وهي الشاشة المفضلة للسعوديين قبل الأردنيين في مدينة القريات، كانت أمي الشقراء تطلق الرصاصة الأولى في إنتفاضة نظافة منزلية، فتدورغسالة الحوضين وتصول مكنسة البرميل فوق السجاد وخلف الآرائك، وتشتعل أمي صراخاً على صغارها. ولكنها، لم تجرؤ يوماً على البوح بغيرتها بشكل واضح صريح، كانت فقط تَلُفُّ وتدور حول أبي وهو الغارق في غمزة.

في ذات الزمان، أستطاع الفنان راغب علامة أن يتوغل بلا حدود في قلوب زوجات العرب.  كن يرددن أغانيه ويرقصن على ألحانه الخفيفة بإعجاب شديد، فيُعيب عليه الأزواج العرب مغناه وملبسه وإزرقاق عينيه. كان أبي زوجاً عربياً تقليدياً، يسارع في إسكات أي وسيلة سمعية أو مرئية يصل إليها راغب علامة وكان يقولها بصراحة مطلقة “أكره هذا اللبناني الخفيف وآمركم جميعاً بذلك”، كان ينظر إلى أمي مباشرة أثناء توجيهه لتلك الأوامر.

وعلى الرغم من شغفي في الفن البدوي، فأنا لا أسمح بتسلل أي من أعمال الفنانة سميرة توفيق إلى ذائقتي الفنية، وأحاول بصعوبة أن أقف موقفاً معاكساً أمام مخرجات العقد الحديث للفنان راغب علامة تحت بند النكاية بتلك الحكايات لا أكثر.

بلا تخطيط مسبق، قد يَدّخِرُالآباء والأمهات سندات طويلة الأجل من التناقضات في المصرف المركزي لذاكرة الأبناء. وعندما يحين الأجل، تُحررتلك السندات للأبناء على هيئة مُمتلكات إجبارية من إضطراب وفوضى، ومن قلق لا ينتهي.

في قريات الملح كنا أجانباً بالصفة الرسمية والمعنوية. والأجنبي في اللغة تعني الغريب وجمعها أجانب. في قريات الملح كان والدي أجنبياً، يتقاضى بموجب عقود تشغيل حكومية رسمية نصف راتب السعودي، ويحصل على نصف إجازات السعودي، ويحق له نصف العلاوات ونصف الترقيات. هناك، كان الأجنبي نصف إنسان يعيش نصف حياة ويحظى بنصف إنصاف حسب أحكام الشريعة العربية السعودية التي يُقال عنها بلاد الحرمين الشريفين.

إن الله لا ينسى وأنا كذلك…

أنني تعلمتُ بالمجان إثنا عشرعاماً في مدارس القريات الحكومية. في بداية كل عام منها، كان يتم تذكيري ومن معي من أجانب، أننا سَنُبْعّدُ خارج الأسوارفي حال إفتتاح أي مدرسة غير حكومية حسب اللوائح والتعليمات الحكومية. لقد خلت القريات من مدارس القطاع الخاص تماماً، ومع هذا كان علينا أن نستهل عامنا التعليمي ونحن على أُهْبَة من الوسواس.

إن الله لا ينسى وأنا كذلك…

أن (ش.ر) وأخواتها بالإيمان بأن أبناء البشرية إما أسياداً أو عبيداً ولا ثالث بينهما، وهؤلاء غالبية قصوى هناك، كُن يَبْدأن الطابورالصباحي بالتنابزوالتغامزعلينا،نحن الأجنبيات، فيسخرن من أسمائنا وأشكالنا ولهجاتنا وحتى من ملامحنا. وعندما يحين وقت الدروس في الصفوف، تقف الواحدة منهن لتأمرنا أن نردد من ورائها ” لافرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى”، وأن الرسول العظيم محمداً آخى بين المهاجرين والأنصار سواسية مثل أسنان المشط بلا قيود.

إن الله لا ينسى وأنا كذلك…

أن طبيبة سعودية من المؤمنات حقاً بالقومية البشرية، تُواصل ساعات نهارها مع ليل غربتها من أجل رسم سياسات صحية وتقديم معونات طارئة، لتنقذ بها حياة الملايين من البشرفي القارة الأفريقية. إنها سعودية الأصل والدم، ولكنها أجنبية النشاة والتعليم والإقامة.

بلا شك، أعتقت تلك الطبيبة بإنسانيتها الجليلة عنق إسم”سميرة” من عبوديته لخيبة السين، إلا أن الرق لن ينسى تاريخ عبوديته على الإطلاق، لأنه يجتبي أصلب الجدران وأكثرها وضوحاً في منزله ليُلصق فوقها صك الخلاص. إنها حُجَّة للساكنين قبل العابرين.

إن الله لا ينسى وأنا كذلك…

أقلية فضلى من الخارجين والخارجات على قوانين الإقصاء والتصغير. هؤلاء كانوا وجهة للشمس حين تقرر الشروق في سماء القريات، حقاً لقد كانوا هناك.

وإن الله لا ينسى وأنا كذلك…

أنني شبعت الملح في قريات الملح ولحم أكتافي من خيرات بواديها، ولكنني وفي مصادفة عجيبة، مُصابة بنقص الأملاح في جسدي وأعاني من إنخفاض ضغط الدم منذ سنوات طويلة، وحتى يومنا هذا.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here